سيمفونية في زمن الخراب الموسيقي

تعاني الفرقة السيمفونية العراقية من عدم وجود مكان ثابت للتدريب فضلاً عن عدم توفر بعثات موسيقية لتطوير قدرات العازفين
2018 أكتوبر 16, 10:10am
العراق، صور، موسيقى

المايسترو العراقي محمد أمين عزت في حفلة حديثة للاوركسترا

يقف الناس بطوابير طويلة على حفلات الغناء الذي يُقدم حالياً لمطربين شباب، وقد لا يحصل عدد كبير منهم على بطاقات الدخول بسبب نفادها، لكن الحال ليس مُشابهاً عندما تعزف الفرقة السيمفونية الوطنية في العراق، فلهذه الفرقة جمهورها الخاص، وهو قليل مقارنة بجمهور المُطربين الجُدد أو بجمهور ما يُعرف بالمسرح التجاري. مثل الكثير من الفرقة الفنية العراقية لا تجد الفرقة السيمفونية العراقية التي تتألف من عازفين أغلبهم من الشباب، أي مبنى يحتضنها، وبقيت منذ عام 2003 واجتياح القوات الأميركية للبلاد، وحتى اللحظة تستعين بقاعات ومسارح لمؤسسات أخرى تابعة لوزارة الثقافة العراقية، التي تقوم أيضاً بدفع رواتبهم.

الفرقة السيمفونية التي يقودها محمد أمين عزت وتضم أكثر من 100 عازفاً والتي تأسست عام 1958، عانت مؤخراً من قطع الحكومة العراقية رواتبهم لثمانية أشهر قبل أن تعود وتدفع لهم، ويعود سبب قطع الرواتب إلى "قلة التخصيصات المالية." ويُعتبر المايسترو محمد أمين عزت أول قائد عراقي يحمل شهادة قيادة وتأليف موسيقي من بوخارست ويقود الفرقة منذ أكثر من ثلاثين عاماً. ولا تتجاوز التكلفة الكلية للفرقة السمفونية شهرياً الـ85 ألف دولار أميركي، فكل عازف يحصل على 500$ دولار تقريباً، بينما قائد الفرقة يحصل على 1،250 دولار، وهذا مبلغ قليل لمثل هكذا فرقة، بحسب قول أعضائها.

1539243171585-2-7

الصورة من الحفلة الأخيرة للفرقة في سبتمبر هذا العام على خشبة المسرح الوطني ببغداد.

1539243296487-

ينبهر البعض عندما يعرفون أنني عازفة في الفرقة السيمفونية العراقية، لأنهم لا يعرفون الكثير عن هذه الفرقة

في قاعة تُعاني من ضعف التكييف ونقص الخدمات، يتدرب أعضاء الفرقة السمفونية الوطنية العراقية في مدرسة الموسيقى والباليه بمنطقة المنصور في العاصمة بغداد، وحتى هذا المكان الذي التقيتهم فيه لم يكن خاصاً بهم. كثيرٌ من الناس في العراق لا يعرفون الفرقة السيمفونية التي يقتصر حضور حفلاتها على النُخب أو الذين يُواظبون على التواصل مع أخبارها ونشاطاتها. لا تتعلق معاناة الشباب في التثقيف على التعريف بالسيمفونية وأهميتها فحسب، بل كونهم غير مدعومين من أي جهة. "ينبهر البعض عندما يعرفون أنني عازفة في الفرقة السيمفونية العراقية، لأنهم لا يملكون معرفة كاملة عن الفرقة،" تقول دعاء ماجد، 25 عاماً، حاصلة على شهادة البكالوريوس باللغة الإسبانية وتعزف على آلة الكلارنيت.

تتحدث دعاء المتفرغة للعمل في الفرقة السيمفونية عن السنوات السبع الأخيرة، وترى أنها شهدت تزايداً في جمهور الأوركسترا نتيجة استثمار مواقع التواصل الاجتماعي في الترويج لحفلاتهم، لكن هذا زاد من معاناة أعضاء الفرقة بسبب عدم امتلاكهم مكاناً للتدريب ولا للعزف وتُضيف: "لا تتوفر متاجر موسيقية للأدوات الإحتياطية أو مصلحين ماهرين للآلات الموسيقية، فضلاً عن عدم توفر دورات أو بعثات موسيقية لتطوير قدرات العازفين."

1539520411162-

دعاء. - الصورة مقدمة من إعلام السيمفونية.

أما حُسام محمد أمين، 28 عاماً، الذي يعزف على آلة التشيلو وهو رئيس قسم الحلول في الفرقة السيمفونية العراقية فيرى أن الإهتمام بعمل الفرقة من قبل العراقيين موجود: "أكثر الناس عندما يسألون عن طبيعة عملي يتفاجئون بشيء إسمه السيمفونية، وفي ذات الوقت يتحمسون للإطلاع عليها." ويشير حسام الى أنه لم يقتصر جمهور الفرقة السمفونية العراقية على "النُخب" فحسب أو الطبقة البرجوازية، ففي العامين الأخيرين زاد إقبال الناس على حضور أمسيات الفرقة مشيراً الى أن للفرقة السمفونية العراقية مقطوعات خاصة بها، لكنها في بعض الأحيان تعزف مقطوعات أوربية كلاسيكية، وتمزج في أحيان أخرى بين القطع الغربية والشرقية، ومؤخراً عزفت في المسرح الوطني في بغداد مقطوعة (آخر رجال الموهيكانز).

1539684075029-2

حسام.

لا يخفي حسام "معاناتهم" كشباب في الفرقة بسبب قلة المستلزمات الفنية والظروف التي يعيشونها، فهي "غير مشجعة" ويشكو من "ظروف العراق الحالية من نواحي إقتصادية وسياسية وأمنية وإدارية والتي تؤثر في بعض الأحيان على تأجيل حفلة أو عدم إستمرار تمرين، لكنه يبقى متفائلاً: "نحن مستمرون، الفرقة ثقافة عريقة ومهما تغيرت الحكومات لا ننتظر منهم ولا نتأثر بهم، بل على العكس نحن من يؤثر بهم."

بالنسبة لرانيا نشأت، 26 عاماً، والتي تعزف على آلة الـ فرنج هورن في الفرقة السيمفونية العراقية، فترى أن عدم وجود مكان ثابت لتدريب الفرقة التحدي الأساسي: "أفرح عندما أرى حضور الجمهور بشكل كبير للإستماع لعزفنا، هذا شيء يُسعدنا ويُعطينا حافزاً كبيراً كشباب عازفين. ولكن عدم توفر مكان خاص لتدريبات الفرقة هو عائق أساسي، التدريب في مدرسة الموسيقى والباليه مؤذ بالنسبة لنا بسبب عدم عزل الصوت وضيق المكان."

1539242963267-12

رانيا.

يحتاج أعضاء الفرقة السيمفونية السفر إلى خارج العراق للحصول على كورسات تطور أدائهم في العزف لكنهم لا يجدون من يوفر لهم تكاليف السفر والتدريب أيضاً، كما تضيف رانيا: "أستطيع أن أسافر على حسابي الخاص لكنني سأشعر بأنني وحيدة ولستُ إبنة الدولة التي يجب أن تحظى برعايتها."

على الرغم من التحديات، تصر الفرقة على الاستمرار وتقول مسؤولة إعلام الفرقة نور محمد الى أن إدارة الفرقة واستراتيجيتها في إختيار المناهج الموسيقية المختلفة نجحت بخلق إهتمام أكثر في المجتمع العراقي: "جمهورنا اليوم فيه الشباب وكبار السن والسياسيين والمثقفين والناس العاديين، فيما كان جمهور الفرقة في السابق من النخبة. حتى أعداد الحضور إرتفعت خلال السنوات الأخيرة. أنا متفاءلة بالمستقبل." رانيا أيضاَ تشعر بالتفاءل، رغم ما تحدثت عنه من مشاكل وصعوبات تواجه عملهم، إلا أنها ترى نفسها محظوظة: "أكثر مكان أشعر به أني قوية هو على المسرح وأنا أعزف، هذا أجمل شعور."

جميع الصور من تصوير مصطفى سعدون.