فتيات عراقيات يروين قصص التحرش التي تعرضن لها
جرافيتي ضد التحرش في مصر. تصوير: جيجي ابراهيم
مرأة

فتيات عراقيات يروين قصص التحرش التي تعرضن لها

كان ينظر إليّ وهو يُمارس العادة السرية في باص الرُكاب الذي كُنت أستقله مع زميلتي
21.2.18

"كان ينظر إليّ وهو يُمارس العادة السرية في باص الرُكاب الذي كُنت أستقله مع زميلتي،" بشجاعة تتحدث زهراء محمد، 23 عاماً، عن أغرب قصة تحرش تعرضت لها في العاصمة العراقية بغداد. "كُنتُ وزميلتي في باص رُكاب بمنطقة الباب المعظم في بغداد، وجلست بجانب رجل عُمره تقريباً 45 عاماً، استمر في النظر إلينا، ثم بدأ يُمارس العادة السرية أمامنا، كان أمراً مخيفاً ومقززاً بنفس الوقت." لم تتمكن زهراء وزميلتها التخلص من هذا الرجل الذي تعقبهم وصعد معهم في باص آخر، إلا بعد أن نزلنا بالقرب من مكان فيه رجل أمن ومكتب تأجير تاكسي. زهراء تقول أنها تعرضت للتحرش كثيراً، سواء كان لفظياً أو حتى باللمس، لكنها دخلت في حالة كآبة عندما تعرضت للسحب في الشارع من قبل أحد الشباب وتمكنت من التخلص منه بصعوبة بعد تدخل أحد الأشخاص لمساعدتها.

إعلان

زهراء هي واحدة من العديد من الفتيات العراقيات اللواتي يتعرضن للتحرش في شوارع البلاد، تحديداً العاصمة بغداد التي تكتظ بالأسواق والمراكز التجارية والأماكن الترفيهية العائلية وغير العائلية، ولاتبدو في أغلب الأحيان هذه الحالة غريبة عن المجتمع العراقي، خاصة في أيام الأعياد، فقد تم تدوال مقطع فيديو بُث على اليوتيوب لفتاة تسير بالقرب من مول المنصور في العاصمة بغداد أثناء الاحتفالات بليلة رأس السنة الميلادية، أظهر عشرات الشباب الذي يلحقون بفتاة، ولم تتمكن من التخلص منهم إلا بمساعدة شاب منعهم من الإقتراب منها وفسح لها المجال لتمر من بينهم.

زهراء محمد- الصورة مقدمة منها

زهراء ومجموعة أخرى من الفتيات العراقيات اللاتي يتحدثن وبكل شجاعة عن حالات التحرش التي تعرضن لها وخاصة أنهن لم يكن لديهن مشكلة في مشاركة صورهن أيضاً، هُن جزء من حملة MeToo و"أنا أيضاً" العربية إن كن يعلمن أو لا يعلمن، فهذه الحملة التي أطلقتها قبل عقد من الآن الناشطة تارانا بورك، بدأت تجنى ثمارها مع كسر جدار الصمت وتشجيع ضحايا التحرش للتحدث عن ما تعرضن له.

قصص التحرش عادة ما تكون من غرباء. زينة (اسم مستعار)، 26 عاماً، التي كانت تعملُ في شركة دعاية وإعلان ببغداد تتحدث عن قصة التحرش التي تعرضت لها من قبل سائق التكسي الذي استأجرته من مكان عملها في شارع الكرادة وسط العاصمة إلى منزلها في جانب الكرخ ببغداد. "في يوم ما من العام 2015 لم يأت السائق الخاص لنقلي من المنزل للعمل، لذا إضطررت أن أستأجر تاكسي في الساعة التاسعة ليلاً. يومها تأخرت في الدوام بسبب زخم العمل. صاحب التاكسي كان في عقده الرابع، أتوقع أن عمره كان بين 35 – 38 سنة." تكمل زينة القصة بالقول أن سائق التاكسي قدم لها قنينة مياه طبيعية، فشكرته وردتها إليها. بقي يتحدث إليها عن الأوضاع في العراق ثم تطرق إلى الزواج والعزوبية وصعوبة فتح بيت والاستقلال. كانت هي تقول له نعم ولا تُشاطره الحديث. "في لحظة ما، تظاهر بأنه يبحث عن شيء في المقعد الخلفي ثم مد يده على قدمي، لم أستطع وقتها أن أنزل من السيارة، لأنني كُنت على الطريق السريع المُظلم -طريق جسر محمد القاسم- ثم فجأة قام بصف سيارته على الطريق الجانبي ونزل من السيارة وجاء لمقعدي الخلفي وقال إعطني قُبلة، ولأنني جبانة لم أفعل شيء، عندما تقرب مني ومسكني من كتفي سوى دفعه للخلف، والترجل من السيارة والسير بشكل سريع حتى مرّت سيارات أخرى وساعدتني عائلة في التخلص منه، لقد كان كابوساً."

عقوبة التحرش الجنسي لا تزيد عن الحبس مدة لا تزيد على سنة أو غرامة مالية بحسب قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، وفي معظم الحالات لا يتم تطبيق هذا القانون أصلاً

أصفياء سعد، 22 عاماً، طالبة هندسة في الجامعة التكنولوجية ببغداد، تلقي باللوم على المجتمع في هذه التصرفات الغير أخلاقية ضد المرأة، فهي تقول: "نحن نعيش في مجتمع أقل ما يُقال عنه أنه مريض نفسياً، لا تتخيل الكلمات والألفاظ السيئة والنابية التي أسمعها عندما أمشي في الشارع. لا يُمكنني أن أتذكر كم مرة تعرضت فيها للتحرش، في كل مرة أخرج من البيت، أتعرض للتحرش إما بكلمة أو حركة، حتى وصلت مرحلة أن لا أعير أهمية لما أسمع." وعن سبب انتشار هذه التصرفات، تقول أصفياء أن الشباب يُريدون تعويض "النقص" الذي يُعانون منه من خلال التحرش بالفتيات بسبب الفراغ والجهل، وهو ما يتفق معه الدكتور حسين قاسم الذي يشغل الآن منصب رئيس الجمعية العراقية النفسية، الذي يعزي أسباب التحرش إلى سوء التربية أو إثبات الذكورية أو التباهي أمام الأقران. ذلك طبعاً بالإضافة إلى اعتقاد الكثير من الشباب أنهم سيفرون من العقاب، أولاً لأن الفتيات التي تم التحرش بهن لا يقمن بالعادة بالإبلاغ عن هذه الحالات، وثانياً لأن عقوبة التحرش الجنسي لا تزيد عن الحبس مدة لا تزيد على سنة أو غرامة مالية بحسب قانون العقوبات رقم 111 لسنة 1969، ولكن في معظم الحالات لا يتم تطبيق هذا القانون أصلاً.

عدم وجود إحصائيات قانونية ثابتة تحدد حالات التحرش في العراق يزيد أيضاً من حجم تفاقم المشكلة وبالتالي كيفية التصدي لها، كما يشير العميد خالد محنة مدير الشرطة المجتمعية في وزارة الداخلية العراقية: "من الصعب الحصول على أرقام واضحة بسبب عدم إبلاغ الضحايا عن حالات التحرش في مراكز الشرطة. الكثير من الفتيات لا يتقبلن فكرة التوجه لمراكز الشرطة والإبلاغ عن هذه الحالات، لذا وضعنا خطوط إتصال ساخنة للإبلاغ عن حالات التحرش، وحتى في هذه الآليات هُناك عدم تواصل من قبل الضحايا الذين يتعرضون للتحرش."

أصفياء سعد -الصورة مقدمة منها

علياء محمد، 21 عاماً، تدرس الكهرباء والإلكترونيات في الجامعة التكنولوجية تعلم جيداً حجم الضغط المجتمعي الذي يتم وضعه على الفتاة في جميع مراحل حياتها، والطريقة التي يتم لوم المرأة على كل شيء وإيجاد مبررات لتصرف الشاب بهذه الطريقة أو تلك. علياء تقول أنها عانت كثيراً من التحرش، فهي لم تكن قادرة أن ترد على المتحرشين لخوفها منهم، ولا تستطيع إخبار والدتها لأنها أيضاً تخاف من قراراتها التي قد تمنعها الخروج من المنزل وتلومها بأنها التي قد تكون سبباً في حصول حالات التحرش. "أتعرض للتحرش مثل بقية الفتيات، وأغلب الأحيان أواجه التحرش اللفظي وأتجاوزه بعدم الرد على المتحرشين."

لكن الفتاة العشرينية تتحدث عن حالات سحب ومسك يد كثيرة تعرضت لها، والأبعد من ذلك أنها تعرضت للتحرش وهي في السابعة عشر من العمر على يد الأستاذ الذي كانت تدرس عنده وفق نظام الخصوصي (دراسة مقابل أجور بعد أوقات الدراسة الرسمية وتكون في منزل الطالب أو المُدرس في أغلب الأحيان). "كان عمره يتجاوز الأربعين عاماً، حاول أولاً أن يلمس رجلي برجله، وفي بعض الأحيان كان يحتك بجسمي، لكنني كُنت أحمي نفسي منه حتى توقفت عن الدراسة عنده."

علياء محمد -الصورة مقدمة منها

الباحث الاجتماعي في وزارة العمل العراقية واثق صادق يشير الى أن "الخوف من التحدث عن التحرش أو إبلاغ رجال الأمن أو العائلة عنه، ساعد كثيراً في تحوله من حالات لظاهرة متفاقمه بشكل كبير. ويُضيف "من الأسباب الأخرى التي تُتفاقم فيها ظاهرة التحرش، هي تحميل المسؤولية للفتاة إذا ما تعرضت للتحرش، فأهلها قد يلومونها بسبب لبسها، والمجتمع قد يعتبرها غير متلائمة مع عاداته وتقاليده، بالتالي تكبر وتتسع سطوة المتحرشين لأنهم لم ينالوا العقاب بينما توبخ وتُلام الضحية. وهذا ما حدث مع علياء التي تعرضت للتحرش في الجامعة أيضاً ولم تستطع تقديم شكوى: "كُنتُ في المختبر وجاء طالب معنا في الكُلية وسحبني لعنده وحاول تقبيلي، لكنني عندما تمكنت التخلص منه وتهديده بتقديم شكوى ضده توسل بي وقال إنه يُحبني، رغم أنني أعرف أنه غير مُعجب ولا يُحبني، لكنني توقفت عن تقديم الشكوى.، لأنني سأكون المُتهمة في النهاية من قبل المجتمع."

المشكلة ليست في بغداد فقط، سلمى فاروق (27) عاماً، التي تعمل في مجال النشاط المدني تتحدث عن حالات التحرش التي تفاقمت في مدينة الموصل بعد عمليات التحرير من تنظيم داعش حيث انتشرت ظاهرة التحرش في شوارع وأسواق المدينة، فبعد ثلاث سنوات من سطوة الأفكار المتطرفة من التنظيم تنتشر ظاهرة لم يكن لها وجود في تلك السنوات، حيث حذرت وحدة الجميلي، عضو مفوضية حقوق الانسان العراقية (مؤسسة وطنية) في نوفمبر من تزايد حالات التحرش بالنازحات في المخيمات، لكن الحكومة العراقية لم تقم بأي إجراء حول النداء الذي وجهته الجميلي.