ثقافة

"مرة واحد صعيدي": في معنى أن تكون مصريًا جنوبيًا

يبدو الصعيدي كائن خرافي في مخيلة سكان المدن الكبيرة، بوصفه خارج نطاق الحضارة أو "أبله محتمل" مثل شخصية تاجر القطن في الأفلام المصنوعة منتصف القرن الماضي
15.3.18

رجل مصري باللباس التقليدي. من مجموعة صور البنك الدولي/فليكر

"الصعايدة أول من صعد إلى القمر،" يطيب للبعض ترديد الجملة السابقة للسخرية من المهن التي يعمل بها الجنوبيون، الأمر يبدو منطقياً إلى حد بعيد، إذا كان هناك على سطح القمر "رمل وزلط" فبالتأكيد الصعايدة (وصف يُطلق على أولئك الذين ولدوا في جنوب "صعيد" مصر) هم من حملها إلى فوق ليعثر عليها السيد الأمريكي نيل أرمسترونج فيما بعد ويثبت بها علم الإمبراطورية في هذا الفضاء الشاسع. قد يري أي صعيدي تلك النكتة جيدة لا بأس بها، فالصعايدة دائمًا يحبون الضحك من باب تزجية الوقت والتسلية، وحال عجزت الكوميديا السوداء التي يحيونها في إسعادهم، فهم يضحكون على أنفسهم أحيانًا.

إعلان

منذ زمن يراودني سؤال عن الكيفية التي يرى الجنوبي المصري نفسه عليها، هو يحب دائما أن يعتقد أنه مميز، لماذا لا؟ أليس هو حفيد الفراعنة ملوك العالم القديم، ووارث آثارهم الخالدة في أرضه في الأقصر وأسوان وغيرهما، لكن الحقيقة أن الآخرين لا يأهبون كثيرا بتلك الصورة المختالة، فهناك صورة أخرى مغايرة رسختها الأشرطة السينمائية والمسلسلات الدرامية، ناهيك عن سيل النكات التي يمكن ببساطة اعتبارها مهينة أحيانًا، ربما كانت الأفلام سببًا في تلك الصورة الكاريكاتورية المضحكة، أو ربما كانت هجرة "الصعايدة" إلى المدن الكبرى وعملهم بكثافة في مهن يُنظر إليها على أنها متدنية، مثل حراسة العقارات أو أعمال البناء أو المهن الأخرى المتضمنة مشقة بدنية يتحملها أبناء الصعيد أكثر من غيرهم، لكن تلك النكات بالتحديد صارت مع الوقت شيء أشبه بالتراث وقد تجد الصعايدة أنفسهم يرددونها.

لا صعايدة هناك
انتقلت مع العائلة من سوهاج، في منتصف المنحدر الجغرافي الذي توصلك نهايته إلى الحدود السودانية، إلى محافظة مرسى مطروح على الحدود الغربية مع ليبيا، كان الانتقال مباغتا ونهائيا، فجأة وجدتني بعيدا بما قدره ألف كيلو متر عن بلاد ميريت أمون وتراث الأجداد الفراعين قديمًا، ومسقط رأس جمال الغيطاني ومحمود أمين العالم حديثًا. تلك المحافظة الفقيرة في كل شيء ماعدا التاريخ وتصدير أدباء ومفكرون إلى العاصمة، وللمفارقة لم تجد "داليدا" ما تشفع بها اسمها في أغنيتها الشهيرة عن محافظات مصر سوى "بلد المواويل" أو "بلد الزغاليل" كما يحلو للبعض تحريف الأغنية.

بدت المشاهد الأولى غريبة على عينييّ طفل وقع في غرام النخيل والحقول الشاسعة المزدانة باللون الأخضر، فجأة تحول كل ذلك إلى بنايات تشبه النخيل في ارتفاعها وصحراء مترامية الأطراف مصبوغة بالأصفر، وأصبح المجرى المائي البسيط القادم من نهر النيل لكي يروي الحقول بحرًا لا نهائي الاتساع يسمونه البحر الأبيض المتوسط. ومع ذلك لم يك الفرق كبيرًا بين المحافظتين سوى في الشوارع المرصوفة جيدًا وبعض العادات الخاصة بسكان مدينتي الجديدة، الشيء الوحيد الذي بدا لي غريبًا ومدهشًا حينها أنني سمعت لأول مرة بعيدا عن شاشات التلفزيون، شخص ما يتحدث عن "واحد صعيدي" أدركت لحظتها أنني بالفعل انتقلت ليس من واقع جغرافي إلى آخر، بل من مجتمع كله "صعايدة" إلى عالم جديد ممكن بسهولة عن يتندر أحداهم على طقوس أهل الجنوب بـ"مرة واحد صعيدي" ويتبعها بنكتة ساخرة عن هؤلاء الذين يرتدون الزي القومي "عمائم وجلاليب".

إعلان

تاجر القطن الأبله أم الطاغية عتريس
يبدو الصعيدي مثل كائن خرافي في مخيلة سكان المدن الكبيرة، فالقاهريون مثلا يتعاملون مع القادم من الجنوب بوصفه خارج نطاق الحضارة أو "أبله محتمل" مثل شخصية تاجر القطن في الأفلام المصنوعة منتصف القرن الماضي، التي أدى بعضها باقتدار الفنان الراحل عبد الغني النجدي، أو على أقل تقدير "طيب ومسكين" مثل شخصية "فرحان ملازم آدم" في فيلم أنتج بالعنوان نفسه بدايات الألفية الثالثة.

تلك الصور التلفزيونية أنتجتها عشرات الأشرطة السينمائية على مر السنين تتنافى مع الواقع الموضوعي سواء في زمن إنتاجها أو الآن. والغريب أن تلك التشوهات تجد لها مستهلكين بدون منطق أو تفكير

حال نجا "البحراوي" كما يسمي "الصعايدة" سكان المدن، من تلك الصورة النمطية البلهاء فإنه قد يقع فريسة سردية أخرى لا تقل عن سابقتها سذاجة، إذ يرى البعض أهل الجنوب بسبب تواتر الأخبار على مسامعهم عن حوادث الثأر التي قد يصل ضحاياها أحيانًا إلى العشرات في المرة الواحدة، هؤلاء الناجون من صورة "تاجر القطن" يرون "الصعايدة" وحوش بدائية هاربة من غابات العصور الوسيطة وتتأهب لالتهام "حداثة" المدن الكبيرة مثل شخصية "عتريس" التي أداها العملاق محمود مرسي في فيلم "شيء من الخوف." تلك الصور التلفزيونية أنتجتها عشرات الأشرطة السينمائية على مر السنين تتنافى مع الواقع الموضوعي سواء في زمن إنتاجها أو الآن. والغريب أن تلك التشوهات تجد لها مستهلكين بدون منطق أو تفكير.

خلطة الفرعوني مع العربي
للمفارقة، من منطق رد الصاع صاعين، يتعامل الصعايدة باستخفاف مع كل ماعداهم، ويعدون أنفسهم جنس أسمى ليس على النمط "النيتشوي" والإنسان السوبرمان، بل عبر فكرة أكثر بساطة تتمثل في أنهم خليط مدهش بين العرقين الفرعوني والعربي، والجنوبيون يتعاملون على أنهم امتداد وليس فقط ورثة حضارة الأجداد، وأيضا تجدهم في الغالب يزهون بالعرق العربي المتجذر في العديد من القبائل التي استوطنت تلك البقاع من أرض مصر منذ قرون. ويعد الجنوبيون الكبرياء والكرامة من فضائلهم الكبرى، وهما عند الصعايدة أشياء تبدو مقدسة، والكرامة عند الصعيدي شيء طوطمي لا يعرف الآخرون من أين تبدأ ولا كيف تنتهي، بمعنى أنك لا تدرك حدود كرامة الصعيدي وما قد يعتبره إهدارا لها، وحال صادف واعتقد أنك اعتديت على كرامته فأنه لحظتها سيتحول إلى الشاعر العربي القديم عمرو بن كلثوم، يستل سيفه ويريق الدماء على شرف كرامته المهدورة، وللثأر عند الجنوبيين ارتباط كبير بالكرامة، فقد اعتبر عبر أجيال عدة أن إتيان المرء بثأره شرف لا يضاهيه شيء آخر.

إعلان

"طريدة" بائعات الهوى
عانى الصعايدة ومازالوا من سيل النكات التي تصورهم أحيانا مثل عبد الغني النجدي الذي ركب القطار ذات صباح بعد أن باع محصول القطن، ليسهر في المساء في كازينوهات شارع الهرم ويكون "طريدة سهلة" بين يدي بائعات الهوى. أو نكات أخرى تصورهم مثل ذاك الآخر الذي ود يومًا أن يشترى "العتبة الخضرا" أو هو اشتراها بالفعل في الفيلم الشهير لإسماعيل ياسين، تلك المعاناة جعلت الصعيدي المهاجر ينفر غريزيًا من الغرباء حتى لا يباغته أحداهم بـ"مرة واحد صعيدي" أو "على فين يا بلدينا"، لذلك تجد أغلب الصعايدة النازحين من "قبلي" إلى المدن الكبيرة يعيشون فيما يشبه "الجيتوهات" ويشكلون ما بينهم "عصبة مجتمعية" في العادات الاجتماعية مثل الزواج أو المعاملات الحياتية كالتجارة والعمل، وفي الغالب تجد لكل هؤلاء "عمدة" يكون أكثرهم ثراء ووجاهة.

مهما اتغرب الصعيدي عن موطنه وارتحل في أرض الله يظل داخل روحه جزء ولو يسير من هناك، هكذا قلت لصديقي الشاعر: "أنت غادرت الصعيد منذ نهايات العقد الأخير من القرن الماضي للإقامة في الإسكندرية ثم القاهرة، لكن الصعيد لم يغادرك قط" كنا نعبر الشارع ركضًا في نهار قائظ من أغسطس، وقف بقامته الفارعة النحلية كأنه مسلة فرعونية عتيقة جار عليها الزمن خارج المبنى الفخم الذي يقع فيه مكتب الجريدة العربية في القاهرة، كان ينتظرني فيما يعبث في هاتفه الجوال، وعند عبورنا الشارع خطف نظري شيء مدهش.

كان عبور الشارع في هذا التوقيت من النهار فعل انتحاري بسبب سرعة السيارات، تبدو كأنها سهام انطلقت ولن تتوقف، يتطلب العبور "شبة الآمن" الانتظار بعض الوقت على الرصيف وتحين لحظة معينة والانطلاق إلى الجانب الآخر، وقبيل الانطلاق مباشرة التقط صديقى بأسنانه طرف ياقة قميصه وقبض عليها جيدا وبدأ الركض. وعندما سألته عن السبب قال بابتسامة واسعة: "كنا عيال زمان نمسك طرف الجلابية بأسناننا ونرمح في الخلا."

إعلان

حوار بين وودي ألن وواحد صعيدي
في الصيف الماضي واجهت موقفًا اعتقد أنه تجسيد لتلك الحالة الغريبة التي يجري التعامل بها مع الصعايدة، صعد الرجل مسرعًا إلى الحافلة المتجهة من ميدان رمسيس في وسط القاهرة إلى أقصى شرق المدينة، بدا لي من الوهلة الأولى أنه في طريقه إلى المطار لاستقبال عزيز، لملم طرفي جلبابه الداكن وقفز ببهلوانية إلى المقعد المجاور للسائق، غالبًا يدّخر بعض سائقي المواصلات العامة المقاعد المجاورة لهم للفتيات، لكن حظ السائق التعس جعل من يحتل جواره محض "صعيدي".

نظر السائق، الذي يشبه المخرج الأمريكي وودي ألن في شبابه، بامتعاض إلى مساعده "التباع" الذي ينادي بتفاني "رمسيس - عاشر.. رمسيس - عاشر"، بسبب عدم منعه هذا المتطفل، بعدها بدأ السائق في محاولات إحراج الجالس بجواره، كل ركاب الحافلة بعدما أنهى السائق كلمته الموجزة عن "المقعد محجوز يا بلدينا" بدوا مشدوهين إلى كلمات تخرج كطلقات جيدة التصويب من فم الصعيدي، أخرج الرجل نقود كثيرة من جيبه ونثرها في الهواء وقال ما معناه: "خد ما يكفيك لقاء جلستي في المكان الذي أحب واختار لكن لا تصدع رأسي بحديثك الفارغ"، للحق كان مفوها وبدت عصبيته بلكنته الجنوبية قريبة إلى القلب، واعتقدت أنه نال حظا جيدا من التعليم.

قضيت الطريق الطويل الذي في الغالب قد يستغرق أكثر من ساعة في زحام القاهرة اليومي، في مراقبة الرجل ذو الجلباب، عقب أن أنهى حديثه الغاضب وتدخل بعض الركاب محاولين تهدئته التفت للوراء وأشاع بصره بين زملائه في الحافلة، كانت نظرته خليط بين الطيبة المعروفة عن أهل الجنوب وبين شيء آخر، قد أسميه لو جاز ليَّ التعبير ضجر، رأيته مثل ذئب شعر أنه غريب في وسط غابة ليست له، شعرت أنه يود الآن أن يعوي في وجوه هؤلاء جميعا لأنه كان يعرف أن السائق لولا جلبابه ما تجرأ على الحديث معه بتلك الطريقة، التقط سيجارة وأشعلها دون اكتراث بمنع التدخين وبدأ في نفث دخانه بعيدا من شباك الحافلة دون أن ينظر إلى السائق أو الركاب، ركز نظره على العمارات الشاهقة المرصوصة على جانبي الطريق، ربما بدت له مثل أشباح تطادره في ليل طويل أو ربما كان يفكر أن أحد أهله في أزمنة قريبة اشترك في بنائها.

الرواية الأولى للانحيار الأول
بعد أن قررت أن أصير كاتبًا كانت الصحراء الشاسعة والبحر الهادر هدفي في الكتابة، اخترت ببساطة أن أكتب عن سكان الصحراء الغربية، ربما بسبب ما تكبده هؤلاء من تهميش يصل أحيانًا إلى حد الاقصاء عبر التاريخ الطويل للأدب المكتوب أو الفنون المرئية في مصر، لكن ما أن بدأت في كتابة روايتي الأولى وكنت حينها أقيم في صحراء أخرى شرقية في جنوب سيناء، وجدتني أكتب عن الصعيد، أو للدقة أكثر عن بطل جنوبي بكل ما يحمله من حساسية شديدة تجاه العالم وعنف دفين جراء إيمانه بالصورة التي أوضحت منها شذرات لما يعتقد أنه عليه.

لم أعرف حينها السبب وراء تلك الرواية حتى بعد أن عدت في روايتي الثانية إلى قرارى الأول بالكتابة عن الصحراء، لكن الآن أدرك أنها كانت ردي المهذب على الصورة الكاريكاتورية للمغفور له عبد الغني النجدي يمسك طرف جلبابه بين فكيه، بعد أن ثمل تمامًا وبدأ في مطارة سامية جمال مترنحًا من أثر الشراب.