رمضان


شهر رمضان

لا أحب شهر رمضان -مع أنني لم أقطع رمضانًا واحدًا بدون صيام أو صلاة

يقلقني تحول الجميع إلى أشخاص بالغي الرقة والوداعة ومفرطي التدين خلال شهر واحد فقط
21.5.19

أجلس على طاولة في زاوية من المقهى الذي يخلو من الزبائن في هذه الساعة، أرشف كوب قهوتي المثلجة كما العادة وأكتب. هذه واحدة من بين الكثير من العادات التي أفتقدها خلال شهر رمضان. أنا مسلمة، ولم أقطع رمضانًا واحدًا بدون صيام أو صلاة، لكنني لا أحب شهر رمضان. لماذا أصوم إذن قد تتساءلون؟ الموضوع ببساطة معقد، فأنا أعتقد بوجوب هذه الفروض رغم أنني أعجز عن فهم المغزى منها أو استشعار تأثيرها علي. أحياناً، أعتقد أنني لم أتوقف عن ممارستها بحكم الاعتياد وليس لأي شيء آخر. ولكني بنفس الوقت، لا أحب هذا الشهر ويصيبني الاكتئاب بسببه. في الحقيقة لا أدري إن كان السبب هو التحول التام للساعة البيولوجية أم حركة العمل والإنجاز التي تصبح مسائية 100% أم المقاهي والمطاعم والخدمات العامة التي تنعدم خلال ساعات النهار، أم موجة التمسك بالظواهر الدينية والسنن المنسية التي تزحف كسيل عارم يجر معه عاماً كاملاً من النفاق.

إعلان

كوني فتاة تعيش في المملكة العربية السعودية ولأكون أكثر تحديداً في المنطقة الغربية فهذا يعني بأن كم التدين الظاهري والاستشراف الذي سأكون عرضة له في الشهر الفضيل هو أضعاف مضاعفة لما يتعرض له غيري من الشباب والشابات في المجتمعات العربية الإسلامية عموماً، يرمي هذا الأمر بثقله على من لا يعتنقون الإسلام، أو أولئك الذين يملكون أسئلة كبرى حيال الصوم والصلاة وأولئك الذين تخلوا عن الإيمان الموروث من الآباء والأجداد. أنظر إلى ما يقاسونه خلال شهر رمضان وأشعر بالامتنان على بقايا الإيمان التي لا تزال في صدري. ولكن شعوري المتناقض تجاه شهر رمضان يشاركني فيه الكثير من الشباب في السعودية. وهذا التناقض تؤكد عليه أحاديثي مع صديقاتي في كل عام، بين من تصفن رمضان بشهر النكد وبين من تنتظره على أحر من الجمر باعتباره شهر التسامح والرضى.

أهرب من رمضان بالنوم والعمل، إنه شهر النكد

صديقتي منى* 24 عاماً، هي من الأشخاص الذين يصنفون أنفسهم باللادينيين، وتقول عن علاقتها برمضان: "هو شهر النكسات بالنسبة لي، أعرف أنه كلما أقترب يتضاعف الضغط الاجتماعي من حولي على التمسك بالدين والالتزام بمظاهر العبادة مع أنهم يعرفون أنني لا أؤمن بأي من هذه المظاهر لكنهم يشركونني عمداً في كل صغيرة وكبيرة. أذهب مع أمي إلى صلاة التراويح مشياً على الأقدام، الحرم المدني قريب من منزلي وتتحدث هي في الطريق عن عظيم الأجر الذي سيكتبه الله لي على كل خطوة وعلى كل كلمة من الذكر. أختنق أنا داخلياً، أشعر أنني أعيش كذبة كبرى."

الإدعاء، نعم، ربما كان جزء من عدم حبي لهذا الشهر. الكذبة الكبيرة المشتركة بين الجميع، وكأن المجتمع كله يتواطأ على أن يخدع نفسه. كانت هذه الحقيقة تؤرقني منذ الأزل وحتى عندما كنت إنسانة روحانية جداً، كان يقلقني هذا الاعتراض الهادئ بيني وبيني على تحول الجميع من حولي إلى أشخاص بالغي الرقة والوداعة ومفرطي التدين خلال شهر واحد فقط أي ثلاثون أو تسعة وعشرون يوماً من بين 360 يوماً من أيام العام كله. لطالما كان اعتراضي هذا منطلقا من حقيقة إجبار الجميع على سلوك النمط نفسه من التدين، والحكم على من لا يتبع هذا النمط بالكفر الصريح الصحيح ومحاكمته اجتماعياً ودينياً وقد يتم تصعيد الأمر إلى محاكمته قانونياً، فعقوبة المجاهرة بالإفطار خلال شهر رمضان في السعودية تتراوح ما بين السجن والجلد والإبعاد في حال كان المجاهر بالإفطار مقيماً.

إعلان

ولكن لا يتفق الجميع معي بهذا، مثلاً رنا، 23 عاماً، طالبة جامعية، ترى أن شهر رمضان بمنظور أكثر إيجابية، وتشيد بمحاولات البشر ليكونوا أكثر صفاء وتسامحًا خلال شهر واحد. فهي بعكسي لا تعتقد أن هذه الظاهرة هي نفاق بقدر ماهي محاولة لتهذيب الذات والانضباط الأخلاقي كما تخبرني: "رمضان بالنسبة لي ضيف غير مرئي، أحب الطقوس التي نستقبله بها ولأنه ضيف عابر فنحن نحاول جاهدين أن نقدم له أفضل ما نملك وألا نظهر له إلا الجوانب الحسنة، لكنه كأي ضيف من الممكن أن يكون استقباله متعب وحضوره ثقيل في بعض الأحيان."

"أنا أهرب من رمضان بالنوم والعمل، إنه شهر النكد بالنسبة لي،" تجيبها مدى* 26 عاماً، ولكن زينب، 23 عاماً، طالبة تمريض، تقول أن بينها وبين رمضان رابطة عاطفية قوية فهي تستمع بإعداد الطعام وانتظار وقت الإفطار وتصف حالة من السكون الداخلي التي تعيشها خلال هذا الشهر.

انتظر حتى الخمسة الأواخر من شهر رمضان، حينها سترى اختفاء مظاهر التدين شيئاً فشيئاً في ما يشبه اختفاء عدد من أطباق وجبة الإفطار التي تقل كلما اقترب الشهر من نهايته

هل شهر رمضان، ضيف مُتعب أم ضيف خفيف؟ قد تختلف الإجابات. مشكلتي أنني لا أرى الكثير من الروحانية في كل تلك الممارسات. عليك فقط أن تنتظر حتى الخمسة الأواخر من شهر رمضان، حينها سترى تراجع مظاهر التدين واختفائها شيئاً فشيئاً في ما يشبه اختفاء عدد من أطباق وجبة الإفطار التي تقل كلما اقترب الشهر من نهايته، فحتى الماما تسأم الأجر الذي يأتي من إفطار الصائمين وتفقد طاقتها لإعداد الأطباق وتنويعها وتركز جهدها على اقتناء ملابس العيد. قد يبدو ما سأقوله غريباً وجارحاً للبعض لكن بالنظر إلى كل الظواهر في شهر رمضان ومحاولة تحليلها بشكل منطقي سنجد أن جزءاً كبيراً من السعادة الموجودة فيه هي في الاستهلاك، إن كان استهلاك الطعام في أول الشهر أم استهلاك المال في أواخره. من ينظر إلى الأمر من هذه الزاوية سيفهم سبب هذا الامتعاض الذي أعبر عنه.

*جميع الأسماء المذكورة هي مستعارة.