G62A0851
التقطت جميع الصور بواسطة: رفيدة جمال
حياة

قضيت يومًا مع عائلة تعمل في صناعة "بدلات الرقص" الشعبية

الناس يعتبرون مهنتي "عيب" و"حرام"
1.8.19

أسفل شرفة خشبيَة عتيقة، كانت تجلس "نادية"، امرأة خمسينيّة سمراء، لها ابتسامة صافيّة، ترتدي جلبابًا أسود اللون، كأي سيدة عاديّة، تسكن في منطقة "الإمام"، الواقعة بالقُرب من مقابر الإمام التونسي بوسط القاهرة - تعرف المنطقة عمومًا باسم (مقابر الإمام)، وبجانبها ابنتها "نيرمين"، 21 سنة، تمُر لحظات قليلة، حتى تُمسك الأم بـ"بدلة رقص" تقوم بتطريزها، فيما تنتظر زوجها وبناتها الأربعة لبدء يوم عمل طويل.

مُنذ سنوات بعيدة، تعمل "نادية" وزوجها وبناتها الأربعة في مهنة تصنيع بدلات الرقص "الشعبيّة"، والتي نراها عادةً في الملاهي الليلية، شاشات التلفاز، أو معروضة كبضائع في الأسواق، وشوارع "خان الخليلي" الشهير بالقاهرة القديمة. قضيتُ يومًا مع أسرة نادية داخل مقابر الإمام التونسي، كانت تحيّك الأسرة بدلات الرقص المُزركشة بالألوان المُبهجة، فيما نحيّك نحن حكاية عائلة مصرية تعمل في مهنة، يعتبرها المُجتمع المحافظ مهنة "عيب" و"حرام".

العنوان: مقابر التونسي

1564644654944-G62A0065

نادية (يمين الصورة) وابنتها الصغرى نيرمين (يسار)

في نهاية أحد شوارع "الإمام التونسي"، حيث تختلط المقابر بالمساكن الشعبية، تقع ورشة "نادية" وأسرتها، أعلى بناية مُهددة بالهدم، تحديدًا في الدور الأخير، وفي زاوية جانبيّة كانت تجلس السيدة الخمسينية، تُعرف عن نفسها بابتسامة واسعة وكلمات قليلة: "إحنا عيلة (عائلة) بتشتغل في مهنة تصنيع بدل الرقص، أنا بحب الشغلانة دي، بدأتها من 17 سنة ولسّه بحبها".

مع دقّات العاشرة صباحًا، تستيقظ "نادية" وزوجها وبناتها الأربعة، يذهب الجميع إلى الورشة، استعدادًا ليوم طويل، يبدأ مع تلّقى الطلبات، ثم تصميم أشكال بدل الرقص، كي تُطابق رغبات الزبون/ التاجر، يقوم كل فرد بمهمته، تشعُر للحظات وكأنّك في خلية نحل، ترسم الأم التصميم على أوراق بيضاء، الزوج يجهّز "ماكيت" التنفيذ، فيما يقمن الفتيات بتطريز البدل، مُستعينات بـ"الأكسسوارات" و"الألماظات" الصناعيّة اللامعة.

إعلان

بأعين خالية من الدهشة، تقف "نادية" لتتابع سير العمل، بعد الانتهاء من التصميم، تسند ظهرها قليلاً إلى الوراء، مُحتضنة كوبًا من الشاي الساخن، وتتذكر: "لما كنت في المدرسة، كنت بعشق الرسم والتطريز"، هكذا بدأ حُبها للأشكال الفنيّة، ورغم الموهبة المتفردة، لم تستطع تحقيق حلمها بدخول كلية الفنون الجميلة، "أنا من الصعيد، مكنش ينفع أدخل كلية".

كبرتْ الصبية، تزوجت ونسيت أحلامها وضفائرها في الصعيد، وجاءت إلى المدينة، حيثُ الأضواء والألوان، وزحام "سوق الإمام"، الجمعة من كل أسبوع. "فاكرة يا نيرمين ازاي بدأنا الشغل؟".. توجّه "نادية" دفة الحديث إلى ابنتها الصغرى، فيما تنظر إليّ وتبتسم.

في أحد الأيام الصيفيّة، دقّت إحدى الجارات أبواب "نادية"، وفوجئت الأخيرة أن الجارة تطلب منها مساعدة بسيطة، وهي مشاركتها في تطريز "بدلة رقص". لم تعرف "نادية" ماذا تفعل، لكنها تذكّرت على الفور، ما كانت تقوم بهِ داخل حصة الفنون الجميلة، وبدأت اللعب بالألوان والخيوط، برفقة بناتها الأربعة.

مع بزوغ شمس اليوم التالي، انتهت نادية من تطريز البدلة، وأرسلتها إلى الجارة التي تعمل في التطريز فقط، أُعجبت الجارة بسرعة نادية ودقتها، فأرسلت لها المزيد، "اشتغلت مع الست دي حوالي 6 أو 7 شهور"، تحكي "نادية" فيما تُسند رأسها إلى الحائط المُتشقق، وتطرّز إحدى بدلات الرقص.

الراقصة المُفضلة: سهير زكي

1564644923158-Screen-Shot-2019-08-01-at-113449-AM

بدلات رقص من إنتاج نادية وعائلتها على مانيكان عرض

أواخر التسعينيات، داخل شاشة صغيرة، تتمايل الراقصة "سهير زكي" على نغمات إحدى أغنيات أم كلثوم، "أغدًا ألقاك".. تجلس "نادية" أمام /شرائط الفيديو المُسجلة، كي ترى تصميمات "بدلات الرقص" التي ترتديها الراقصات المُحترفات.

لم تعُد "نادية" ربة المنزل التي جاءت من الصعيد واستقرت في القاهرة، بل السيّدة "الموهوبة" التي أحبّت تصميم بدلات الرقص، أو كمّا تصف هي "ندهتني الندّاهة ومرجعتش"، إذ أسست ورشة صغيرة أعلى منزلها، برفقة زوجها بناتها، ولم تلفت لهمسات الأقارب والجيران و"أهل المنطقة" حول مهنتهم التي يرونها غير أخلاقية و"حرام".

إعلان

"أنا اشتغلتها عشانها"، بصوتٍ ملئ بالحُب، يحكي محمود علي، 59 سنة، زوج نادية، كيف ترك مهنة مريحة في إحدى الشركات الخاصة، أوائل الألفية، كي يساعد زوجته على تحقيق حلمها. لم يعلم أن زوجته شغوفة بصناعة بدلات الرقص، ولم يهمه الأمر في البداية، فقط كان يُريد مساعدة الزوجة.

ومع مرور السنوات، أحب محمود المهنة لدرجة أنه ابتكر أدوات لقص الأقمشة، بطريقة أسهل. يستيقظ يوميًا في العاشرة صباحًا، يأتي إلى الورشة في الحادية عشر صباحًا، وينتظر حتى غروب الشمس. وفي الأيّام "البخيلة"، التي يقل الرزق فيها، يجلس محمود أمام شاشة التلفزيون، في انتظار "أوردر" عمل آخر، يُنظّم أدواته، يقوم بشراء مستلزمات التطريز، يُتابع الحمام الطائر في الهواء الطلق، وينتظر.

أيوة.. بتشتغل في بدل الرقص!

1564645036577-G62A0931

نادية ونرمين خلال العمل

"أيوة إحنا عيلة (عائلة) بنشتغل في صناعة بدلات الرقص الشعبية»، جملةٌ كانت ترددها "نادية" على مسامع بناتها الأربعة في طريق ذهابهنْ إلى المدرسة، في محاولات للتأكيد "إحنا مبنعملش شئ عيب أو حرام".

بابتسامة ساخرة، تتذكّر "نيرمين"، 21 سنة، طالبة بكلية الآداب، قسم اللغة التركية، همسات زملائها في المدرسة عندما يعلموا أنها تنتمي لأسرة تعمل في صناعة "بدل الرقص": "كُنت بسمع كلمة (حرام) من أصحابي وأمهاتهم، مرة في المدرسة، كنت في الصف السادس الابتدائي، قعدت أعيط، المدرس زعق للولاد في الفصل، وقالهم (قالهم هي شغالة في بيتها، مبتأذيش حد، وده أكل عيشهم)".

كانت تعود "نيرمين" وأخواتها إلى الأم في نهاية اليوم الدراسي، تاركين كل شئ في المدرسة، عدا "تنمُر" زملائهن على مهنة الأسرة، مُرددين على الأم ما يحدث: "بيقولوا أن شغل بدلات الرقص حرام".

لم تترك "نادية" الشك يتسرب إلى قلب الفتيات الصغار، كما تقول: "رُحت سألت شيخ في السيدة نفيسة، عشان ميبقاش عندي شك، الشيخ قالي (أنتي بتعملي بدل بشكل عام، تلبسها رقاصة، تلبسها ست في البيت عشان جوزها، أنتي بتعملي حاجة بتاكلي من وراها عيش، مبتضُريش حد)".

إعلان

يتدخّل الزوج "محمود"، قائلاً: "مفيش حد سأناه وقال إنه حرام، إحنا مبنأذيش حد". فيما تصمُت "نادية" للحظات، ثم تُضيف ضاحكة: "يا جماعة أنا مبعملش حاجات (بدلات رقص) خليعة أوي".

"خان الخليلي" يعرفني

1564645208973-G62A0894

العائلة خلال وضع اللمسات الأخيرة على إحدى بدلات الرقص

"حفظت خان الخليلي من التعامل مع أصحاب المحلات اللي بتعرض بدلات الرقص للسياح والزباين"، تحكي "نادية" عن طريقتها في تسويق "بدلات الرقص" التي تصنعها الأسرة، إذ يتم توزيعها على التجار التي اعتادت التعامل معهم مُنذ سنوات، تحديدًا عندما قررت ألا تتعامل مع الراقصات بشكل مباشر، تجنبًا لنظرات الجيران وثرثرة المارة: "إحنا ساكنين في منطقة شعبية".

لا تذهب "نادية" إلى خان الخليلي الآن، حيثُ التجار، بسبب قلة الطلب، رغم نُدرة العاملين في مهنة تطريز بدلات الرقص يدويًا: "الشغل دلوقتي مش زي الأول، أغلب شغلنا كان معتمد على السياحة، خان الخليلي ريّح، زبائن دول الخليج كانوا أكتر ناس بتشتري مننا".

وعن أسعار بدلات الرقص، تقول "نادية": "في بدلات رقص عادية بتعمل (250) جنيه، في بتوصل لـ(500) جنيه، وفي أكتر حاجة سعرها (1000) جنيه"، أمّا الخامات المُستخدمة فتقول عنها: "زمان شكل البدلات، كان حزام وترتر وخلاص، دلوقتي في قصّات، كمان الخامات مختلفة: (ألماظ وكرستال)، والناس بتتأثر بالراقصات والفنانات اللى بيطلعوا في التلفزيون، فبيطلبوا الشغل ده".

كما تصنّع أسرة "نادية" بدلات رقص يتم تصديرها خارج مصر: "في ست إيطالية مهتمة بالتراث المصري، بتيجي تاخد بدلات مني كل شهرين وتعرضها في إيطاليا، وكمان ست من هولندا".

لا تعرف "نادية" أين تقع إيطاليا أو هولندا، ولا تشغل نفسها كثيرًا بما يفعله "الناس في بلاد الأجانب ببدلات الرقص الشرقية"، فقط تعيش على حُب المهنة "أنا بحس بوجودي لمّا بصنع بدل الرقص.. كأنّي بنت صغيرة في ليلة العيد".

إعلان

في نهاية اليوم، تجلس "نادية" مع بناتها الأربعة، داخل الورشة، تفخر بما فعلته، كما تقول: "كان شرطي مع بناتي أنهم يتعلموا، اتعلموا وأخدوا شهادات في الحقوق، الاتصالات، نظم ومعلومات، وآداب تركي"، تصمُت للحظات، ثم تضيف: "ولادي مبيتكسفوش رغم تعليمهم يقولوا (إحنا بنشتغل في مهنة تصنيع بدلات الرقص)".

وفيما يلي مجموعة من الصور لمراحل تصنيع بدلات الرقص الشعبية في ورشة نادية وعائلتها:

1564645448297-G62A0036

بداية العمل على تفصيل البدلة

1564645329603-G62A0942

تطريز البدلات

1564645377153-G62A0923

تصميم الحلي والأكسسوارات

1564645614630-G62A0847

ثبيت الحلي والأكسسوارات

1564645765756-G62A0902

تنسيق البدلات وتجهيزها للعرض

1564645824875-G62A9990

نقل البدلات إلى واجهة العرض في ورشة نادية وعائلتها

1564646018262-Screen-Shot-2019-08-01-at-115306-AM

واجهة العرض من الداخل

1564646291194-G62A0008

بدلات الرقص بشكلها النهائي في واجهة العرض