تونس
تصوير مروان فرحات
10 أسئلة

عشرة أسئلة لطالما وددت طرحها على راقص شعبي

"حرصت على تقديم رقص يمس العامل والمواطن البسيط وليس الطبقة البرجوازية" التونسي رشدي بلقاسمي يحدثنا عن عالمه
2.5.19

لم يكن طريقه سهلاً ولم يكن الوصول إلى الاحتراف أمراً هيناً في مجتمع اعتاد أن يكون احتراف الرقص الشعبي حكراً على النساء. لم يكترث كثيراً للأصوات الساخرة والناقدة والمسيئة وصمم على كسر قيود هذا المجتمع وفرض نفسه كراقص تغص عروضه بالجماهير داخل البلاد وخارجها وفي كبريات المسارح. التقيت الراقص الشعبي التونسي رشدي بلقاسمي، 32 عاماً، وتحدثنا معه عن سبب اختياره هذا المجال.

VICE عربية: أولاً، أخبرني كيف أصبحت راقصاً شعبياً؟
رشدي بلقاسمي: ولدت في عائلة تحب الفن والثقافة ولا مشاكل لديها معها بل وتشجع على ارتياد نوادي الموسيقى والرقص والمسرح. ميلي الأول للرقص وولعي به وأنا في سن الطفولة اكتسبته من والدتي وخالاتي وعماتي وأختي، فهن من أورثنني إياه، بل إن صورهن ترقصن في احتفالاتنا ما تزال حتى اليوم مصدر إلهامي. والعائلة نفسها هي التي شجعتني على المضي في هذا المسار. ولكن الهواية كانت تحتاج أن تصقل على يد راقصين ومصممي رقصات كبار تونسيين وعالميين وهذا ما فعلته بالإضافة إلى دراستي الأكاديمية باعتباري خريج المعهد العالي للفن المسرحي. وقد قربني المسرح أكثر من الرقص كونه أبو الفنون - ببساطة، الظروف كانت ملائمة لأصبح راقصاً محترفاً.

1556788209638-Zoufri-Palais-de-Tokyo-03-Photo-Marwen-Farhat-copy

تصوير مروان فرحات

ألم تخشى في البداية على الأقل، مواجهة مجتمع اعتاد أن تكون هذه المهنة وهذا النوع من الرقص تحديداً للنساء؟
لم أشعر بالخوف لأن محيطي العائلي وأبناء الحي وغيرهم من المقربين كانوا يدعمون خطواتي ويشجعونني للمواصلة. ولكن عندما انفتحت على فضاءات أكبر وصرت معروفاً لدى جمهور أوسع عندها صرت أخاف من ردود فعل الناس لأنني شاهدت بعض الردود العنيفة. ووجدت أن لا وجود للعالم الوردي الجميل الذي توهمته وظننت فيه أن الناس لن تنخرط في الأحكام المسبقة على غيرها، وأننا بلغنا مرحلة يختار فيها الفرد ما يشاء من المهن والطرق دون مضايقة. وجدت نفسي في صدام مع المجتمع ليس في تونس فقط بل حتى عربياً -على عكس الكثير من الترحيب لعملي في أوروبا وأمريكا حيث أُدعى للمشاركة في مهرجانات ومسارح كبيرة ودور أوبرا ومتاحف.

أحاول تدريجياً التعايش مع هذا الواقع. أنا أعيش على إيقاعين: الأول أشعر معه أنني أطير وأبدع عندما أكون في أوروبا وأمريكا وإيقاع ثاني يبدأ بمجرد عودتي للعالم العربي حيث أضطر فيه للسير خطوة بخطوة عسى أن نصل إلى المرحلة التي نقبل فيها هذه الفنون الجديدة القديمة. إذا تحدثنا عن أشهر الراقصات العربيات كتحية كريوكا وسامية جمال، فربما لا يعرف البعض أنهن كن يتدربن على يد راقصين رجال، ربما لم يملكوا الجرأة لمواجهة المجتمع وجعلوا من الراقصات قاطرة لتقديم أعمالهم. ولكن هذه المجتمعات تطورت قليلاً وأصبح التعاطي مع المسألة مختلفاً بعض الشيء ولعله من واجبنا كراقصين أن نعمل على تغيير هذه العقليات، وإثبات أنفسنا كثقل ونجعل المجتمع يتقبلنا رغما عنه وهذا ما أريد الوصول إليه.

حدثني عن أسوأ المواقف أو التعليقات التي واجهتها بسبب امتهان الرقص؟
الحقيقة أنني لا أقلق من التعليقات أو الشتائم أو الانتقادات التي تأتيني من أشخاص ليس لديهم حد من الوعي، لكن المقلق عندما تتحول النخبة إلى مجموعة من المحافظين الذين لا يتقبلون الاختلاف وحرية التعبير وحرية الفكر. فعندما أجد نفسي في برامج تلفزيونية وإذاعية مستهدفاً أو عندما يشتمني بعض المثقفين أو الصحفيين أو السياسيين ويشككون في رجولتي، وينالون من عائلتي فتلك أكثر الأمور إساءة لي لأنني قد أقبل أن أستهدف في شخصي ولكنني الإساءة لوالدي ووالدتي والناس التي أحب، هذا لا أستطيع تحمله. أحياناً يتم توظيفي في سياق لعبة سياسية وهو أمر غير مقبول بالنسبة لي، وهنا أستحضر الموقف الذي حدث معي في 2017 عندما قامت بعض النائبات عن حركة النهضة بتغطية وجوههن عندما صعدت للرقص. أعرف من البداية أنهم سيرفضونني ولكن عندما يتحول الأمر لتحريك ماكيناتهم وتحويل صورتي لشيطان، وخلق صورة لا تشبهني بالمرة فهذا موجع جداً.

1557129133068-rochdi

تصوير منير بلحاج خليفة

كيف تتعامل مع كل هذا الضغط والهجوم؟
أتيحت لي الفرصة للعيش في بلد أوروبي أو في الولايات المتحدة، ولكنني اخترت البقاء في تونس لأنني أعتبر أن عملي كراقص ليس له أي معنى إذا ما غادرت البلد. وما دمت قد اخترت البقاء فهذا يعني أنني مطالب بتحمل مسؤولية هذا القرار بكل ما يعنيه من أوجاع سأضطر لتحملها وبحث دائم عن الحلول من أجل الاستمرار، وترويض نفسي على الصمت وعدم الرد على ما أتلقاه من هجمات إلا بالفعل بالعمل والتركيز على أفكاري وفلسفتي التي تقف وراء رقصي، والاستمتاع بتقدير رقعة من العالم بما أقدم، عسى أن يأتي اليوم الذي تتحرر فيه هذه العقول من جمودها. لهذا أتقبل كل أنواع الهجوم بالكثير من المحبة وضحكة ساخرة. أنا أحلق في عالمي كعصفور لا يرضى التوقف عن الطيران وهم في عالمهم. وعندما تمتلئ قاعات عروضي بجمهور مؤمن بما أقدم وجاؤوا لمشاركتي هذا الحلم فهذا يكفيني ويحفزني على الاستمرار.

الرقص الشعبي للرجال ليس جديداً في تونس؟
صحيح. في فترة الستينات ومع ظهور التلفاز في تونس عايش آباؤنا في تلك الفترة الفرقة الوطنية للفنون الشعبية والراقص الشعبي حمادي العبابي الذي مارس الرقص بأشكال مختلفة دون أن يثير أي إشكالية، لكن الفرقة تراجعت منذ صعود الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي الذي لم يكن يشجع الفعل الثقافي عموماً. وهكذا اختفت صورة الرجل الراقص في تونس لسنوات حتى ظهوري على الساحة، فاستعاد كبار السن صورة حمادي العبابي في رقصي، فيما استنكر الجيل الجديد الأمر بسبب القطيعة التي حدثت لسنوات وأفقدتنا كتونسيين حتى هويتنا الجسدية. حرصت على تقديم رقص يمس العامل والطبقة الشغيلة والمواطن البسيط وليس الطبقة البرجوازية التي قد تميل للرقص الكلاسيكي والمعاصر أكثر. توجهت للرقص الأقرب للشعب، وطفت بكل جهات البلاد ودونت 24 رقصة للمحافظات الـ24 في تونس، واكتشفت أن هناك 250 رقصة رجالية ونسائية أو ما بينهما. هذه المعلومات شدت انتباه التونسي الذي اكتشف فجأة أننا بهذا الثراء في وقت يبحث فيه عن هويته. الفنون الشعبية هي جزء من هوية وخيال الشعب ومن واجبي كفنان أن أذكر بها حتى نحارب محاولات الاستعمار الثقافي التي تهدد البلاد، ولعل هذه أسباب جلبت الجماهير إلي أكثر من غيري. هل أنت مقتنع بما حصلت حتى الآن من جمهور؟
مقتنع جداً بما حققت حتى الآن من جماهيرية، فأنا لا أقيم ما يكتب عني على شبكات التواصل الاجتماعي بقدر ما أقيم الجماهير التي تأتي وتتابعني. فقد حضر 14 ألف متفرج لحفلي بـ مهرجان قرطاج الدولي وحضر عرضي بـ مهرجان الحمامات الدولي 5 آلاف متفرج فضلًا عن امتلاء القاعات في كل عروضي التي قدمتها في أوروبا والولايات المتحدة -وأنا لا أطمح لأكثر من هذا.

1555587779818-37712898_10211952098384796_3492841720649875456_o

تصوير طارق مراد

لماذا قررت لبس زي "الدنقري" في عروضك؟ هل كان ذلك من باب التمسك بزي تونسي قديم أو هي طريقة لجلب اهتمام الجمهور؟
الدنقري ظهر في الفترة الاشتراكية في تونس، وهو الزي المميز لعمال الحضائر والسكك الحديدية والموانئ في تلك الفترة أو ما يسمى بأزرق العمال، واختياري له كزي للكثير من رقصاتي هو دفاع عن الطبقة العاملة التي أؤمن بأنها هي التي بنت هذه البلاد منذ فترة الاستعمار وحتى اليوم - كما أنني أعود لعائلة تنتمي لهذه الطبقة. الأمر مرتبط بعرضي "زوفري" أي الشغيل أو العامل، وهؤلاء العمال كانوا يرتدون "الدنقري" ويرقصون فأنتجوا فناً كامل المعالم اسمه "الربوخ" الذي تطور تدريجياً. وأنا بارتدائي هذا الزي إنما أردت الاعتراف بالفضل لهؤلاء العمال الذين خلقوا رقصة "الربوخ" التي تشكل هوية لكل التونسيين وتختصر كل الرقصات في البلاد.

تبالغ أحياناً في استخدام الجسد فهل هي ضرورة فنية أو نوع من الإثارة تتعمدها لضرورة تحرير الجسد؟
هناك بعض الأعمال تفرض عليك أن تكسر كل القيود على جسدك سواء في الحركات أو حتى اللباس، وهذه ضرورة فنية لا بد منها. وهناك بعض الحركات أتعمدها أحياناً لاستفزاز المشاهد وإحداث الدهشة لديه، أريد أحياناً أن أصدم المشاهد أن أشهر أنيابي على المجتمع الذي آذاني في الكثير من المرات وكان قاسياً على الكثير من الراقصين الذين سبقوني، ودفعهم للموت في صمت. لهذا أتعمد أحيانا أن أخيفه، أن أجرحه. أما بالنسبة لتحرير الجسد، فأنا لا أرى أنها مرتبطة بتعريته أو تغطيته، الأمر بالنسبة لي مرتبط بالفعل مثلاً أن تغطي بعض الأماكن من جسدك باعتبارها تمس من الحياء أو عندما تتجنب تحريك بعض الأماكن من جسدك عند الرقص، هذا هو المقلق حقاً. ما يهمني فقط هو العمق والمضمون.

ولكنك تتحدث عن تحرر الجسد فيما أنت مرتبط بفتاة محجبة، هل ترى هناك نوع من التناقض؟
ربما ارتباطي بمحجبة أثار الكثير من الجدل لتصور الناس أن تحرري لا بد أن يقابله زوجة متحررة دون أن يعرفوا أن زوجتي متحررة فكرياً وجسدياً، الأمر يتعلق بها ولها كامل الحرية في أن تكون محجبة أو لا، لأنني شخص يؤمن بالاختلاف ويحترم اختيارات الآخرين ولهذا سأظل أدافع عنها وعن اختيارها. وأقر أيضاً أن وجودها معي علمني الكثير من الأشياء على غرار قبول الآخر مهما كانت الاختلافات.

بالنسبة للسينما خضت أربعة تجارب سينمائية فهل تطمح للمزيد أم تود التركيز فقط على الرقص؟
أتمنى الدخول أكثر في عالم السينما لأنني أحب جداً هذا الفن وأعشق الكاميرا، والتجارب الأربع التي خضتها جعلتني أكتشف أنني أستطيع الدخول في علاقة حميمية مع الكاميرا، ولهذا أتمنى خوض تجارب أخرى أنضج من التي قمت بها. وأنا بصدد دراسة بعض الاقتراحات ولو أنني أتطلع لبعض الأعمال التي تتماهى مع أهوائي كراقص، لأن الرقص منحني جسداً ونظرة خاصة أو بالأحرى حضوراً مختلفاً عن الممثل، ولهذا آمل أن يكون هناك مخرجين يؤمنون بأن الراقصين يمكن أن يكونوا ممثلين سينمائيين.

1555586594020-Photo-Mounir-Ben-Hadj-Khalifa

تصوير منير بلحاج خليفة