سوريا

ساعات في معرض دمشق الدولي: الزحمة طقس عائلي

لطالما تساءلت ما الذي يمكن أن يفعله ناس عاديون في حدث اقتصادي بحت كهذا
16.9.18

زوار معرض دمشق الدولي. تصوير أحمد موسى

خلال أقل من دقيقتين امتلأ الباص الذي سيحملنا إلى أرض المعارض حيث يقام معرض دمشق الدولي، والذي انطلقت فعاليات دورته الـ 60 في دمشق تحت عنوان "عز الشرق أوله دمشق" قبل أيام، بعد حيث توقف لمدة خمس سنوات خلال الحرب على سوريا عام 2011 إلى أن عاود الإقلاع العام الماضي. استطعت سماع أحد الركاب محدثاً صديقه في المقعد الخلفي: "أحسن شي إنو في كتير باصات السنة، لأنو الزحمة لعند الله، هيك عم يقولو." من شباك مقعدي، استطعت رؤية مزيد من الباصات تصل إلى نقطة الانطلاق لتحمل مزيدًا من الركاب، كما أُعلن عن تسيير قطار يسمح بنقل الزوار من محطة "القدم" إلى محطة أرض المعارض وذكرت وزارة النقل أنه سيخفف الضغط عن نقل الزوار بالباصات بنسبة تصل 40%. قررت زيارة المعرض في محاولة لفهم ما يحمل كل هذه الحشود على التوافد إليه سنوياً، حيث لم يسبق لي زيارته حتى في الأعوام التي سبقت الحرب. بالإضافة أنني لطالما تساءلت ما الذي يمكن أن يفعله ناس عاديون في حدث اقتصادي بحت كهذا، ويتوجب عليّ اليوم إيجاد إجابة واضحة.

ثرو باك
يعتبر معرض دمشق الدولي أقدم معارض المنطقة وأعرقها، حيث يشير مؤرخون إلى أن دمشق نظمت أول معرض لها عام 1927 خلال فترة الاحتلال الفرنسي. كانت المنتجات المعروضة للتبادل التجاري حينها تقتصر على المزروعات والثمار، وبعض المنتجات اليدوية. أما في عام 1939، أقيم معرض سمي لاحقاً معرض دمشق وسوقها شاركت فيه العديد من الدول العربية والأجنبية، واتسعت المنتجات هذه المرة لتشمل المنسوجات والنحاسيات والدباغات والأشغال اليدوية. أما الصيغة التي نعرفها اليوم باسم معرض دمشق الدولي فقد انطلقت بانتظام منذ العام 1954، وسرعان ما تحول، رغم كونه حدثًا اقتصاديًا، إلى نشاط اجتماعي وطقس سنوي يدأب عليه سكان المدينة وزوارها. في الماضي، كان موقع المعرض يمتد وسط العاصمة، بمحاذاة نهر بردى. إلى أن تم بناء مدينة المعارض الجديدة عام 2003 على طريق مطار دمشق الدولي والتي وفرت مساحة هائلة لاستيعاب أعداد ضيوف المعرض كل عام.

زيارة المعرض كانت طقس عائلي

فنياً، فتح المعرض مسرحه أمام أهم الفنانين العرب، أبرزهم السيدة فيروز التي بدأت مشاركاتها في حفلات المعرض منذ دورته الأولى وحتى عام 1977 حين حالت الحرب الأهلية اللبنانية دون استمرار هذا التقليد. على امتداد الأعوام، قدمت فيروز في حفلها عدداً من القصائد المغناة لدمشق، ابتداءً ب "سائليني يا شآم" وحتى "يا شام عاد الصيف" وأصبح أي ذكر للمعرض يستلزم استحضار ذكرى حفلات فيروز والأيام الخوالي. في الواقع، إن مر المعرض هذا العام دون أي نوستالجيا لحفلات فيروز هنا في الماضي، فالمؤكد أنني سأشعر بالاغتراب.

باصات، قطار، وطائرة
هناك مواقف معينة تشعرك دمشق خلالها بالضآلة مذكرةً إياك باتساعها ورحابتها، الوصول إلى أرض المعارض هو أحد تلك المواقف. كنت قد قرأت قبل وصولي أن المعرض هذا العام يمتد على مساحة 93 ألف متر مربع، وأنها الأكبر في تاريخ المعرض، ولكن فكرة وجوب التجول وحدي ضمن هذه المساحة سبب شعوري المباشر بالضياع. ظهرت أمامي فجأة فتاة ترتدي بطاقة تعريفية تحمل اسم ميس حول رقبتها فاستنتجت أنها ولابد ضمن فريق تنظيمي ما. تشبثت بها فيما حاولَت متفهمة تقديم جولة تعريفية "من قريبو." شرحت ميس أنها متطوعة ضمن واحدة من ثلاثة فرق تطوعية تعمل للمساعدة في عمليات إدارة بعض الجوانب الخدمية، تحت إشراف إدارة معرض دمشق الدولي. سألتها عمّا دفعها للتطوع في المعرض، فأخبرتني أنها كانت شديدة الحماسة حين اقترح فريقها الأمر، لأنها اعتادت زيارة المعرض منذ طفولتها ويسعدها أن يستعيد نشاطه بعد انقطاع سنوات الحرب. حاولت الاستفهام أكثر: "ما النشاطات التي كنتوا تقومون بها بالضبط في المعرض أثناء طفولتك؟" أجابت: "كان هناك حديقة ألعاب للأطفال، وجلسات شعبية للعائلة كلها." لم أقتنع: "ألم يكن من الأسهل إيجاد حديقة ألعاب أقرب عوض قطع كل هذه المسافة؟" صمتت قليلاً قبل أن تجيب: "زيارة المعرض كانت طقس عائلي."

فجأة، ظهرت أمامنا في الصدارة على مرج أخضر، طائرة صغيرة من النوع الرياضي كتب عليها سحاب 73 تجمهر حولها عدد من زوار المعرض لالتقاط الصور. سحاب هي أول طائرة مخصصة للتدريب والرياضة، قام بتصميمها وتصنيعها بالكامل مهندسون سوريون لا يتجاوز فريقهم العشرة أشخاص، وهو إنجاز هام للصناعة الوطنية. المشكلة الوحيدة هو أن هذا النوع من الطائرات ينتشر عادةً في نوادي الطيران المخصصة للرياضيين والهواة والسياح، وأننا في سوريا لا نملك أية نواد كهذه. لذا، يبدو مكانها الحالي في المعرض الأنسب لهذا الإنجاز.

اللوفر السوري
توجب عليّ في النهاية أن أفترق عن ميس، إذ يترتب على المتطوعين هنا الكثير من الواجبات، ومهمة مرافقتي شخصياً ليست إحداها. بالعموم، بدا واضحاً أن المعرض أكبر بكثير من أستطيع زيارة كافة أجنحته في يوم واحد. "إنه اللوفر خاصتنا إذاً" فكرت. بالإضافة إلى الأجنحة المخصصة للشركات الصناعية والتجارية، يتضمن المعرض هذا العام فعاليات وأنشطة اقتصادية وثقافية عديدة أهمها ربما هو مجموعة الحفلات الفنية التي يحييها يومياً عدد من الفنانين الذين انحصرت مشاركتهم فيما يلي الحرب ببعض الفنانين السوريين أو اللبنانيين بأحسن الأحوال.

استعنت ببعض الشاخصات للوصول إلى جناح الصناعات اليدوية، هناك على الأقل كنت سأشعر ببعض المتعة وسط كل هذا التوهان. عشرات الحرفيين تواجدوا لعرض منتجاتهم والترويج لها. التحف والخزفيات والنحاسيات والموزاييك الخشبي المطعم بالصدف، وغيرها من الصناعات التراثية التي تجتذب المتفرجين بغض النظر عن حاجتهم للشراء. في الزاوية المخصصة للخط العربي، استطعت تمييز أحد أصدقائي حاملاً كاميرته ليصور الخطاط المنهمك في إنهاء لوحة. جيد، هناك إذاً من أستعين به لأجد طريقي إلى البوابات في النهاية.

قال مبارح كانوا جايبين بهاء اليوسف، بهاء اليوسف بمعرض دمشق الدولي؟! لك هاد المعرض كانت تغني فيه فيروز كل سنة يا جماعة. الله يرحم أيام زمان

الحفل الفني
بعد ساعات من اللّف والبرم، كان الحفل الفني اليومي الذي سيقدمه الفنان اللبناني زياد برجي على وشك البدء. بدأت أعداد من زوار المعرض بالتجمع قرب منصة الحفل. بدا مباشرةً أن كمية الحضور ستفوق توقعاتي وأن الحشد سيكون ضخماً. استمرت ذاكرتي بالإلحاح، كنت شبه متأكدة أنني سمعت أغنية لزياد برجي مؤخراً، بل وأكثر من مرة، لكنني لم أستطع تذكر عنوانها. استللت هاتفي وفتحت يوتيوب في محاولة إنعاش سريعة. اها. لقيتها: زياد برجي/ شو حلو. اصطدمت فجأة بعدد مشاهدات الأغنية على يوتيوب 128 مليون مشاهدة خلال ثمانية أشهر. رح تعجق إذا هيك. ألقيت نظرة على الحضور بأعداده المتزايدة والذي شغل بالفعل غالبية الكراسي المتوفرة للجمهور، تبين أننا سنضطر للبقاء واقفين في الخلف، بالإضافة لعدد الأمتار الفارغة الغير قليلة الذي ترك كمساحة فاصلة بين المسرح والجمهور. أكد صديقي أننا بعيدون عن المسرح على نحو لن ينفع معه حتى زووم كاميرته، أما أنا فكنت شبه متأكدة من سيناريو تعرضي لتحرش لفظي أو جسدي وسط كل هذا الازدحام. لم نتشاور كثيراً قبل أن نقرر العودة. بكل الأحوال، لم أستطيع التفكير بأية أغنية إضافية أعرفها لزياد برجي تدفعني للبقاء.

لا بد أن وجوهنا فضحت كثيراً من التململ فيما كنا ننتظر الباصات العائدة إلى مركز المدينة، والغالب أن معظم الباصات كانت ستمر في موعد انتهاء الحفل الفني، ولكن فتاةً ظهرت لنا فجأة من شباك سيارة تاكسي:"تتقاسمو اجرة تاكسي عالبلد؟" فصعدنا إلى التاكسي المشترك. لم يسع سائق السيارة أن ينتظر طويلاً قبل أن يتسائل باستغراب:"ليش ما بقيتوا تحضرو الحفلة؟ مين المطرب اليوم؟" أجبناه، فعاد للتساؤل: "منو هاد؟" لم يملك أحدنا إجابة. عم الصمت لبعض الوقت فاستأنف السائق:" قال مبارح كانوا جايبين بهاء اليوسف ـفنان شعبي سوري- يغني، بهاء اليوسف بمعرض دمشق الدولي؟! لك هاد المعرض كانت تغني فيه فيروز كل سنة يا جماعة. الله يرحم أيام زمان."

جميع الصور من تصوير أحمد موسى