سوق العمل يَفرض التجديد على الجامعات التونسية

ذكاء الويب سيكون من الاختصاصات الأكثر طلباً على مستوى العالم في السنوات القادمة
4.9.18

انطلقت السنة الجامعية الجديدة بكل صخبها وتحضيراتها الكبيرة بهدف تأمين مرور عام دراسي في أحسن الظروف. ولكن يبدو أن الاستعدادات التقليدية التي دأبت عليها الجامعات قد آن أوان تغييرها في ظل ما يشهده العالم من متغيرات تكنولوجية وإلكترونية اقتحمت سوق الشغل ومن المرجح أن تبلغ مستويات قياسية على مدار الأربع أو الخمس سنوات القادمة، الأمر الذي بات يفرض برامج تعليمية جديدة لتهيئة الطلبة الجدد.

الجامعات التونسية ليست بمنأى عن هذه المتغيرات بل تكثف جهودها لتكون داخل السباق وليس خارجه. وتقول إحصائيات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي بتونس أن هناك حوالي 203 مؤسسة للتعليم العالي العمومي في البلاد تضم حوالي 300 ألف طالب سنوياً، بميزانية تشكل 5.1٪ من ميزانية الدولة . وتوزع هذه الجامعات والمعاهد العليا على مختلف ولايات الجمهورية وإن كانت المدن الكبرى تستأثر بالاختصاصات الأهم. ولكن السؤال هل التخصصات التي تقدمها هذه الجامعات والمراكز التعليمية في تونس تتناسب مع الحاجات المستقبلية للبلد والعالم؟

تقول الدكتورة ريم جلولي، مديرة سابقة وأستاذة جامعية بالمدرسة العليا للاقتصاد الرقمي التابعة لجامعة منوبة (التي تضم 14 مؤسسة تعليم عال) الى أن المؤسسة الجامعية التي أشرفت على إدارتها لأعوام ودَرست فيها انتبهت للطفرة التكنولوجية والالكترونية وحاولت مجاراتها، وتضيف: "تم مثلا تطوير برامج الدراسة منذ ثلاث سنوات بإدخال اختصاصات يرجح أنها ستكون مطلوبة في سوق الشغل في السنوات القادمة على غرار ماجستير ذكاء الويب وهو برنامج يهدف لتكوين مختصين قادرين على معالجة الأنشطة البحثية والهندسية المتعلقة بذكاء الويب وخصوصا الذكاء الاصطناعي وتقنيات المعلومات المتقدمة (البحث عن المعلومات، الشبكات المتقدمة، أمن المعلومات، تكامل نظم المعلومات).

يتخرج سنوياً ما يقارب 70 ألف طالب من جامعات حكومية وخاصة، حسب إحصائيات وزارة التعليم العالي

وترى جلولي أن اختصاص ذكاء الويب (Web intelligence) سيكون بين الاختصاصات الأكثر تشغيلية على مستوى العالم في حدود سنوات 2023 و2025 لعدة اعتبارات أهمها بحسب جلولي هو أنه ماجستير بحث وبالتالي فإن خريجي هذا القسم سيكونون باحثي المستقبل في هذا المجال وتضيف: "خريجي هذا الاختصاص سيكونون أبرز المستقطبين من قبل سوق العمل بإعتبارهم خبراء في مجالهم وسيتمكنون من التعامل مع الكميات الكبيرة من المعلومات وإخراج تقارير مفيدة ستساعد مختلف المؤسسات على اتخاذ قرارات مهمة." كما تشير جلولي، إلى أنه وفي إطار تعامل الجامعة مع المتغيرات التكنولوجية تم استدعاء بعض الأساتذة التونسيين من جامعات عالمية لتقديم خبراتهم الهامة للطلبة والأستاذة هذا فضلاً عن استقطاب خبراء أجانب في إطار التعاون على مستوى البحوث والتدريب بهدف مسايرة ما يُطرح عالمياً وتقديمه للطلبة.

يشار إلى أن الجامعات التونسية باتت تحتل مراتب متأخرة في السنوات الأخيرة في تصنيف مؤسسات التعليم العالي على المستوى الإفريقي والدولي. ففي آخر تصنيف للمؤسسة البريطانية العالمية المختصة "SQ" غابت الجامعات التونسية عن التصنيف الذي ضم أفضل 1،000 جامعة في العالم. فيما غابت عن تصنيف مركز الجامعات العالمية في جامعة جياو تونغ شنغاي لأن الأسس التي يعتمدها غير متوفرة في الجامعات التونسية.

وتقر جلولي بأن التعليم في تونس يعاني الكثير من النقائص خاصة المتعلقة بالمخابر والمكتبات الجامعية، لكنها ترى أن هذه النقائص "كحافز للطلبة للاعتماد على الذات واكتساب مهارات عالية في عملية البحث خارج الجامعة ومتابعة كل ما يصدر من تقنيات وبرامج جديدة في سوق الشغل العالمية." ويتخرج سنوياً من الجامعات التونسية ما يقارب 70 ألف طالب من جامعات حكومية وخاصة، حسب إحصائيات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي.

تخلف الجامعات التونسية في التصنيفات الدولية ليس لتدهور مستوى التعليم بل مرتبط بقلة الإنتاج البحثي للأساتذة الجامعيين

للتعليم العالي الخاص في تونس من العمر حوالي 18 سنة تقريباً، أهلته ليصبح مكونا أساسيا لمنظومة التعليم العالي التونسي الذي لم يعد حكراً على القطاع العمومي. وتطور عدد مؤسسات التعليم العالي الخاص من حوالي عشرة سنة 2000 إلى أكثر من 70 مؤسسة اليوم موزعة بين جامعات ومعاهد عليا ومدارس عليا يؤمها أكثر من 32 ألف طالب بينهم حوالي 5 آلاف طالب أجنبي. ومن رهانات التعليم العالي في تونس توفير مستوى تعليمي يكفل الاندماج السريع لخريجيه في سوق الشغل.

ويشير الأستاذ قيس مبروك، مدير العلاقات الدولية وأستاذ بالجامعة المركزية الخاصة بتونس (مجموعة تعليم خاص في تونس) إلى تزايد الاهتمام بالتخصص في مجال هندسة الكمبيوتر حيث يتخرج سنوياً حوالي 12 ألف مهندس كمبيوتر أو ما يُطلق عليه "مهندس إعلامية" (Ingénieur en informatique) في تونس. وتطمح الدولة لبلوغ 20 ألف في نفس الاختصاص في السنوات القادمة نظراً للطلب الكبير على هذا الاختصاص في الأسواق الدولية. ويرجح مبروك أن يحتل عالم الرقميات والتكنولوجيا وكل ما يتعلق بالإنتاج الرقمي 80٪من المهن في السنوات العشرين القادمة و20٪ لمهن الصحة والتعليم والطاقة وغيرها، مقابل اندثار عدد هام من المهن.

فليكر

وعلى خلاف الأستاذة ريم جلولي يرى مبروك أن ما يروج عن تراجع التعليم في تونس هي حقيقة يراد بها باطل. "استقطاب 4،000 أستاذ جامعي سنة 2017 و4،000 سنة 2018 من جامعات دولية لا يمكن إلا أن يؤكد كفاءة الإطارات الجامعية التونسية،" يقول مبروك مؤكداً أن تخلف الجامعات التونسية في التصنيفات الدولية ليس لتدهور مستوى التعليم: "السبب مرتبط بقلة الإنتاج البحثي للأساتذة الجامعيين بسبب غياب ثقافة البحث العلمي لديهم والتي تفشت لغياب سياسات تشجع على ذلك، في حين يتم إعتماد البحث العلمي كمعيار هام في التصنيفات التي ترد في كل مرة ومن جهات مختلفة."

الباحث التونسي المتخصص في علوم الاتصالات، رحومة رحومة، يشير إلى "أن المتغيرات الكبيرة التي طرأت على الحياة اليومية في العالم بفضل سطوة التكنولوجيا والعالم الرقمي باتت اليوم تفرض تخصصات علمية جديدة تستجيب لهذه الحاجيات." وهو يتوقع يتوقع أن يكون للاختصاصات المتعلقة بالرقميات شأن أكبر في سوق الشغل على غرار ما يسمى اليوم بـ cybersecurity monitoring/ والهندسة المختصة في تنقيب البيانات (Data Mining) والحوسبة السحابية (Cloud computing) واختصاص إنترنت الأشياء (Internet of Things): "هذه اختصاصات لا بد للطلبة الجدد أن يضعوها في اعتبارهم، لأنها الأكثر تشغيلية في السنوات القادمة سواء على المستوى المحلي أو المستوى العالمي."

تخصصات اللغات والآداب ستكون أقل تنافسية في المرحلة القادمة، ولهذا من المهم بالنسبة الطالب أن يدمج مع هذه الاختصاصات تكويناً ما في أحد فروع عالم الرقميات

رحومة تحدث أيضاً عن التخصصات التي ستبقى مستقبلاً وتلك التي من المتوقع أن تندثر: "أعتقد أن تخصصات الطب والهندسة ستحافظ على مكانتها في سوق الشغل، في حين أن اللغات والآداب ستكون أقل تنافسية في المرحلة القادمة، ولهذا من الضروري إدخال تعديلات جديدة ليبقى المتخرج قادراً على المنافسة، إذ بات من المهم بالنسبة الطالب أن يدمج مع هذه الاختصاصات تكويناً ما في أحد فروع عالم الرقميات."

وعلى عكس توقعات مبروك، يرى رحومة أن تخصص هندسة الإعلامية سيفقد قيمته في المستقبل ويشرح ذلك بالقول: "في المرحلة القادمة لا بد للطالب أن يتخذ تخصصاً فرعياً داخل الإعلامية لأن السوق أصبح يتطلب هذه التفريعات نظراً لتشعب الاختصاصات وتنوعها وأصبح من الصعب على الشخص الواحد أن يتمكن من إتقان هذا القدر الكبير من المعارف في إطاره العام."

الطلاب التونسيين هم أيضاً على اطلاع بهذه التغييرات الحاصلة في التعليم وسوق العمل، حيث يقول هارون الميساوي، 19 عاماً، الطالب الجديد بجامعة خاصة إختصاص إتصالات، الى أنه اختار الالتحاق بجامعة خاصة عن قناعة لأن المعدات المتوفرة بمخابر المؤسسات الخاصة أفضل من نظيراتها في العامة ويضيف: "يعيش العالم يعيش ثورة تقنية حقيقية تقوم بتشكيل مهن المستقبل وفقا لقواعد ومقومات جديدة. ومن الواضح أن مهن تطوير البرمجيات وإنتاج المحتوى على الإنترنت والتسويق الرقمي والهندسة بمختلف اختصاصاتها ستكون أساسية في السوق العالمية في السنوات القليلة القادمة. دراسة هذة التخصصات يحتاج معدات تقنية متطورة بالجامعات للتدريب العملي واكتساب المهارات اللازمة في مرحلة الدراسة وهذا متوفر بشكل أفضل في الجامعات الخاصة."

أما عزة جمال، 20 عاماً، طالبة بـ المدرسة الوطنية للمهندسين بتونس فتقول عن خيارها الجامعي: "حزنت كثيراً في البداية لدى فشلي في تحصيل المعدل الكافي لدخول كلية الطب التي كانت حلمي الكبير ووجدت نفسي مجبرة على اختيار كلية الهندسة تخصص الهندسة الإعلامية. اليوم أدركت أن القدر كان منصفا ًمعي هذه المرة لأنه منحني الفرصة لأدرس اختصاصاً سيكون له شأن كبير في سوق الشغل مستقبلا."

وتشير عزة بأن مراقبة التغييرات الكبيرة في العالم اليوم والطفرة التكنولوجية والالكترونية تؤكد أن مهن المستقبل ستكون تلك المرتبطة بشكل أو بآخر بعالم الرقيمات والتكنولوجيا، وتضيف: "سيكون سوق الشغل أوسع وأكثر ليونة لأن هذه المهن ستأتي إلينا في مدننا ودولنا ولن نضطر إلى أن نسافر إليها لنلتحق بشركات أو مؤسسات في دولة متقدمة ما، كما في السابق. سيكون بوسعي أن أْمل بشركة عالميا من بيتي، هذه هي مهن المستقبل القريب برأيي."