صحة نفسية

كيف يتعافى الأطباء النفسيين من مرضاهم؟

سألنا 3 أطباء نفسيين عن تدابيرهم للوقاية من التأثر بحالات المرضى
31.7.19
therapy

يخرج من مكتبه بالعيادة مع ابتسامة واسعة؛ كأنه عاد لتوه من نزهة لطيفة بصحبة أصدقائه. يُلقي التحية على المشاركين في جلسة العلاج الجماعي ويدعوهم للدخول. تكتمل به حلقة من البشر بلغت آلامهم النفسية حدًا لم يعد ممكنًا معه الاستمرار في كتمانها داخل صدورهم، فلجأوا إليه بصفته كطبيب نفسي.

شخصيًا، أجد صعوبة في الذهاب إلى العمل وأنا أعرف إنه عليّ - كجزء من واجبات الزمالة - الإنصات إلى المشاكل الشخصية لزملائي وشكاواهم الحياتية. لا أعلم كيف يحتمل طبيبي الاستماع إلى كل تلك المآسي والآلام الداخلية والتعامل معها دون أن يتأذى هو شخصيًا ويضطرب.

إعلان

سألت 3 أطباء نفسيين عن الطريقة التي يقون بها أنفسهم من الآثار السلبية الناتجة عن التعامل الدائم مع اضطرابات المرضى، أو أي أذى مباشر قد يقع عليهم من المرضى أنفسهم.

جزء من تدريبنا أن نشعر بالمريض دون أن نتورط في حالته، فنضع قدم بداخل نفسه لنشعر به وقدم خارجها حتى نستطيع أن ننقذه.

كيف تقي نفسك من التأثر سلبًا بمرضاك؟
"إذا تعلم الطبيب النفسي بشكل جيد على يد أطباء أكفاء، يمكنه فصل نفسه عن مرضاه حتى لا يتأثر بهم، لأن دور الطبيب الأساسي هو مساعدة المريض والنظر في طريقة حكمه العقلي على الأشياء، فعلى سبيل المثال لا يجب أن يستخدم المريض السكين للإيذاء نفسه، وهذا مع أعمل معه على تجنبه، لكن المريض مسؤول في النهاية عن أفعاله، وبالتالي يمكنني أن استكمل حياتي بعيدًا عنه، ويستكمل هو حياته أيضًا. يساعدني على فصل نفسي عن مرضاي، الطبيب النفسي المشرف الذي أتحدث معه عند الشعور بتأثير سلبي لأحد المرضى عليّ، ويمكنني الحديث مع زملائي الأطباء أيضًا لمساعدتي والنقاش حول طريقة لمنع التأثر سلبًا بالمريض. يمكنني أيضًا التنفيس عن الشحنة السلبية بالرسم أو الغناء أو الرقص أو الكتابة، أو أي طريقة للتعبير.زكما يكون الأمر إيجابيًا للغاية عندما يتصل بي مريض ويبدو في حالة أفضل، أو أعرف عن أحد المرضى أنه سافر أو حقق نجاحًا في حياته، مما يشعرني بقيمة ما أفعل. أغلب من هنأوني بالعيد الماضي كانوا من المرضى الذين عالجتهم أو أعالجهم." إيمان عبد العزيز، طبيبة نفسية بمستشفى لعلاج الإدمان

"ممارسة العلاج النفسي ليست مجرد شهادة جامعية، فهو يحتاج إلى تدريب طويل ثم ممارسة العمل تحت نوعين من الإشراف: الإشراف الفردي وإشراف الأقران، وهما ضروريان حتى لا تتأثر حياة الطبيب الشخصية بالمريض. الإشراف الفردي هو أن يجتمع الطبيب مع طبيب نفسي آخر أكبر منه كأنه في جلسة علاج نفسي ليتحدث عن مشكلاته الشخصية ومشاكله مع مرضاه، وبالتالي يكون لديه الفرصة للتحدث بخصوص مريض مستحوذ على تفكيره أكثر من اللازم أو قصة المريض الشخصية تشبه قصة الطبيب الشخصية أو الحالات الصعبة على المستوى النفسي أو المهني، ودور المشرف هو أن ينتبه لتلك المشكلات من البداية لوضع خطة لإنهائها أولًا بأول أو حتى المشورة بعدم العمل مع هذا المريض. أما إشراف الأقران، فيكون من خلال مجموعات عمل من أطباء يعملون في نفس المكان أو أبناء جيل واحد لنفس غرض الإشراف الفردي ولكنه يشبه العلاج الجماعي." أحمد أبو الوفا، أخصائي طب نفسي.

إعلان

"جزء من تدريبنا أن نشعر بالمريض دون أن نتورط في حالته، فنضع قدم بداخل نفسه لنشعر به وقدم خارجها حتى نستطيع أن ننقذه. لا يوجد في مصر نظام تدريب مقنن ولكن الدكتور محمد غانم، الأمين العام للصحة النفسية عندما كنت طبيبًا مبتدئًا، كان لديه رؤية وهي أن يطلب من أساتذة الطب النفسي في كل الجامعات المصرية أن يُعلّموا أطباء مستشفى العباسية بمقابل مادي بسيط، وكانت رؤية مثمرة للغاية. تحمس الأساتذة وسعدوا بتعليم الشباب. زارنا أستاذ طب نفسي ليعلمنا، فتواصلت معه وأكملت تدريبي. كان يدرّب مجموعات كثيرة في الماضي وعندما لاقى حماس لدينا، كوّن مجموعة تدريبية وعلّمنا كيف يكون موقفنا النفسي سليم مع أنفسنا ومع المرضى حتى نتمكن من مساعدتهم. كان التدريب أشبه بعلاج من الانحيازات والحساسيات العاطفية، فعلى سبيل المثال، إذا كان لدى الطبيب مشكلة مع والده هو نفسه، وعندما يتحدّث إليه مريض عن مشكلة مع والده، قد يتحيّز الطبيب ضد الوالد، وقد يتورط عاطفيًا في العلاج بصورة تؤذي المرضى." سامح حجاج، أخصائي طب نفسي.

بكيت وشعرت بالانهيار عندما انتحر أحد مرضاي رغم أنني لم أكن مسؤولًا عن ذلك، لكنني أصبحت حذرًا مع حالات اكتئاب وأحاول التأكد من متابعتها دومًا.

كيف تتعامل مع نفسك في حالة انتحار أحد مرضاك؟
إيمان: لو انتحر المريض، أنا غير مسؤولة ولكني أحاول مساعدته، ولكن ليس من حقي أن أقرر له ما يفعل. في الماضي، لم أكن أفعل ذلك، فإذا قالت لي مريضة على سبيل المثال، أن زوجها يضربها وأنها تفكر في الطلاق منه، فكنت أشجعها على الطلاق، ولكنني أرى الآن أن هذا غير صحيح. ولم يحدث معي أن انتحرت إحدى الحالات التي أتابعها، ولكني سمعت بانتحار فتاة كان يتابع حالتها أحد زملائي. كانت تريد الانتحار لأنها لا ترى جدوى من الحياة وكانت تهدد به، ولكن الأطباء لم يأخذوا تهديداتها على محمل الجد، ولكنهم حذروا أمها من قابلية تعريض نفسها أو الآخرين للخطر. وبالفعل، شجعت الفتاة زميلًا لها على الانتحار بإلقاء نفسه من أعلى مول سيتي ستارز، ثم انتحرت بعد ذلك.

أحمد: تعرضت بالفعل لانتحار المريض الذي أعالجه. أول ما أفعله في تلك الحالة هو مقابلة مشرفي النفسي ومراجعة معه ما حدث منذ عام مع المريض وفي حياتي الشخصية ومعرفة إذا كان هناك خطأ أم لا. أولًا، أحصل على وقتٍ كافٍ لالتقاط أنفاسي والتعامل مع الصدمة، لأن مرضانا قريبون إلى قلوبنا كأنهم أفراد من عائلتنا أو أكثر، فإذا تعرضوا لحدث مؤلم سواء كان وفاة أو انتحار أو أيًا كان، فهو حقًا يؤلمنا أيضًا. على عكس ما يتصور البعض، فإن انتحار المريض يكون شعور قاسٍ على الطبيب، وقد تنتابه مشاعر مختلفة عن المتوقع أحيانًا، فقد يشعر بالغضب أو الإحساس بالذنب أو قلة الحيلة، ففي هذا الوقت، يكون دور المشرف طمأنة الطبيب إن لم يكن مخطئ والتعامل مع الخطأ إن وُجِد، فيوضّح المشرف أن الطبيب ليس إلهًا وأنه غير مسؤول عن حياة الأشخاص ولكنه مسؤول عن مساعدتهم والتي لا يُشترط فيها النجاح، والتأكيد على المسؤولية الشخصية للمريض في الانتحار.

إعلان

سامح: كان المريض مجند جيش لا يتكلم ولا يتحرك إلا في نطاق محدود، فشخّصته بالاكتئاب ووصفت له أدوية مضادة للاكتئاب وجلسات علاج كهربي، وطلبت منه أن يزورني من حينٍ لآخر للاطمئنان على حالته. كان لابد من حجزه في المستشفى ولكن لم تكن هناك أماكن خالية، فاضطررت إلى علاجه دون حجز. وفي أحد الأيام، تغيب أكثر من زميل لي عن العيادة وكان ضغط العمل شديدًا وكنت على موعد مع المريض ذاته، لكنني لم أستطِع إلا أن أتحدث إليه بين كشفين وقال المريض إنه يشعر أنه أتعب أخوته. في اليوم التالي انتحر المريض بإشعال النار في نفسه، ومات بعد فترة قصيرة في المستشفى. عندما زرته، طلبت منه أن يسامحني، ورد بأنه سامحني بالفعل. بكيت وشعرت بالانهيار، بالرغم من أنني شخصته بشكل سليم وحاولت حجزه ولم أستطع، ولكنني لُمت نفسي على أني لم أنتبه للشعور المرضي بالذنب عندما قال له أنه أتعب إخوته وهو جزء خطير جدًا من الاكتئاب، وتعلّمت درسًا وهو أنه لا يجب الاستهانة بالاكتئاب أبدًا، وأصبحت حذرًا مع أي حالة اكتئاب وأحاول التأكد من متابعتها دومًا، وبالفعل شعرت تلك الحالات بالتحسن ولم أتعرض لأمرٍ مشابهٍ مرة أخرى، بالرغم من إمكانية حدوث ذلك في أي وقت نظرًا لطبيعة مهنتي.

قد يحاول المريض التلاعب بالطبيب - خاصةً في حالات الإدمان - لكننا نعمل على توعية المريض بأنه الخاسر في النهاية إذا حاول خداع الطبيب.

هل يمكن لمريض ذكي أن يتلاعب بالطبيب؟
إيمان: نعم. أحيانًا لا يدرك المريض أنه مريضًا بالأساس، وبالتالي يبرر مشاكله بأسباب أخرى غير حقيقية أو يتلاعب بالطبيب، ولكن يجب على الطبيب هد ميكانيزمات الدفاع التي يستخدمها المريض حتى لا يعالجه الطبيب ولكن ليس من الجلسة الأولى حتى يكسب ثقته. هنا يشبه الأمر حلبة مصارعة بين مريض ذكي وطبيب جيد يحاول أن يبيّن للمريض مشاكله النفسية وأنه إذا استطاع حلها، سيتفادى آلام نفسية أكبر وسيستطيع استكمال حياته بشكل أفضل.

أحمد: نعم، فإن الطبيب شخص عادي بقدرات عادية لديه بعض المعرفة والمهارات الطبية التي يستخدمها، فقد يستطيع المريض خداعه وقد لا يستطيع. والطبيب يفترض في المريض الصدق، لأن الطب النفسي فرع من فروع الطب يعتمد على وجهة نظر المريض والمعلومات التي يدلي بها بنفسه، وبالتالي أي شخص يدلي بمعلومات خاطئة، ستعامل الطبيب مع حالته على هذا الأساس.

إعلان

سامح: بالطبع قد يحاول المريض التلاعب بالطبيب خاصةً في حالات الإدمان. ولكننا نحاول توعية المريض بأنه الخاسر في النهاية إذا حاول خداع الطبيب، و في نفس الوقت، نجتهد في ملاحظة المرضى وفهمهم وتحليل كلامهم وسلوكهم في ضوء الواقع وعلم النفس حتى نقلل فرص الانخداع والتقصير في رعايتهم.

عندما أتلقى تهديد من أحد المرضى، أستشير مُشرفي النفسي، وإذا استمر التهديد أتوقف عن العملية العلاجية كلها، وهذا من حقي.

كيف تحمي نفسك من تتبع بعض المرضى لك؟
إيمان: أحاول أن أضع حدود بيني وبين المريض للحفاظ على العلاقة العلاجية بينهما، فأنا أرفض وجود صداقة بيني وبين المرضى حتى لا يؤثر ذلك على العلاج سلبًا، لأن بعض المرضى يتصورون أن الطبيب يحبهم لأنه يحاول مساعدتهم. إذا سألني أحد المرضى ماذا تفعلين لو كنتِ مكاني في هذا الموقف، فأجيبه بأني لست في نفس الموقف ولو كنت فيه، لما استطعت التصرف مثله، لذا أفضّل أن أظل خارجه حتى أستطيع المساعدة، وذلك حتى لا يعرف عني المريض أكثر، فيضر ذلك بالحدود بيننا.

أحمد: الحمد لله لم أتعرض لذلك ولكني تعرضت لتهديدات، على سبيل المثال، أرسل لي أحدهم صورة باب بيتي، وفي مرة سألني ضابط بجهاز أمني حساس عن مواعيدي، فقلت له ليس لدي مواعيد، فطلب مني أن أزوره بدلًا من أن يزورني. وأيضًا سألني أحدهم:"هل قتلت من قبل؟"، فقلت له لم أقتل، فقال لي أنا قتلت. وعندما أتلقى تهديد، أستشير مُشرفي النفسي للوصول إلى القرار الأمثل للتعامل مع هذا التهديد، ولا أتصرف من نفسي دون استشارته. وإذا استمر التهديد، أتوقف عن العملية العلاجية كلها، وهذا من حقي. وإذا كان التهديد مجرد رد فعل عاطفي لفعل ما، ويمكننا التعامل معه أثناء العلاج، فلنفعل ذلك.

إعلان

سامح: لم أتعرض لذلك من قبل. إذا تعرضت لتتبع من مريض، سأتحدث معه مباشرةً إن أمكن، أو سأتحدث مع أهله وقد أسأل الزملاء عن رأيهم، وقد أُبلغ الشرطة، إذا اضطررت لذلك.

من المهم توقع العنف من المرضى قبل وقوعه وتجنب استثارتهم، وفي نفس الوقت اختيار ظروف المقابلة الإكلينيكية المناسبة لكل مريض.

كيف تتعامل مع الأذى الجسدي أو اللفظي الذي قد تتعرض له من المرضى؟
إيمان: الحمد لله لم أتعرض لأذى جسدي، ولكني شهدت مشاجرة بين اثنين من نزلاء عنبر الجرائم النفسية متهمين بالقتل، ولكني استطعت الصلح بينهما، لأن المريض النفسي الذي يرتكب جريمة هو في النهاية إنسان وليس وحشًا.

أحمد: لا يوجد طبيب نفسي عمل بمستشفى لم يتعرض لهذا الإيذاء. وتأمين الطبيب في المستشفى يرتبط بمدى قوة إدارتها، ولكن ليس هناك نظام حماية يضمن أمان الطبيب بنسبة 100%. ولكننا نتعامل على مستويين: المستوى الأول هو الحماية الجسدية للطبيب وهي مسؤوليته الشخصية ومسؤولية فريق العمل، والمستوى الآخر هو الحماية النفسية للطبيب وهي مسئوليته الشخصية مع المشرف النفسي وزملائه في إشراف الأقران. ولكن لا يوجد نظام يحمي الطبيب جسديًا ونفسيًا من المريض الذي قد تنتابه نوبة ما تجعله غير قادر على السيطرة على أفعاله وأقواله، فبالأساس ليس هناك نظام يحمي طبيب الاستقبال من دخول شخص ما والشجار معه وسبه وضربه، دون أن يكون طبيبًا نفسيًا حتى. في الحقيقة، لا يوجد نظام واضح في المنظومة الصحية في مصر للمحاسبة المشتركة.

سامح: نعم، تعرضت للسب ولكني لا أذكر أني تعرضت للضرب من مريض. من المهم توقع العنف من المرضى قبل وقوعه، والمهارة في الحوار معهم وتجنب استثارتهم، وفي نفس الوقت اختيار ظروف المقابلة الإكلينيكية المناسبة لكل مريض سواء أن نجلس منفردين أو أن يكون مربوطًا في السرير وحوله فريق تمريض إن كان عنيفًا ومصاب بالهياج. بالنسبة لتأمين الأطباء في المستشفيات المصرية، فهو في الحقيقة ضعيف جدًا واجتهادي جدًا، وكثير من زملائنا تعرضوا لأذى جسدي من المرضى في العيادة أو الاستقبال.