سينما

خواكين فينيكس.. جوكر جديد على طريق صعب

موافقة بطل Her على تجسيد الشخصية شديدة التعقيد يضعه في مقارنة ليست سهلة مع جاك نيكلسون وهيث ليدجر
دعاء رجب
إعداد دعاء رجب
13.11.18
2018-11-11

هيث ليدجر (يمين) من shutterstock وخواكين فينيكس (يسار) من IMDb

في مجال التمثيل، يواجه الممثل معضلة دائمة لدى تجسيده أي شخصية، فإن كانت الشخصية جديدة وتُقدم للمرة الأولى، يتركز هذا الهاجس في جمع أكبر قدر من التفاصيل حولها، في محاولة للاقتراب منها والتوحد معها، أما إذا كان قد سبق تجسيد الشخصية سابقًا، يصبح الصراع هنا هو الخوف من المرجع أو المقياس، الذي سيُقيم من خلاله الجمهور الأداء عن طريق المقارنة قبل أي شئ آخر؛ فيحاول الممثل بأقصى ما لديه التجويد على أداء سابقه، مع مراعاة وضع بصمته الخاصة حتى لا يقع في فخ التقليد. وفي حالة شخصية "الجوكر"، شرير سلسلة الكوميكس الشهيرة "الرجل الوطواط - Batman" فإن الأمر صعب للغاية، إذ صعدت هذه الشخصية تحديدًا بممثلين إلى قمة النجاح، وهوت ببعضهم من فرط الفشل.

إعلان

عادت شخصية الجوكر إلى السطح خلال الأشهر القليلة الماضية، مع إعلان الممثل خواكين فينيكس قبوله تجسيدها في فيلم جديد، بعد مفاوضات استمرت عدة أشهر. إلى جانب المعضلة التي سبق وأشرنا إليها، يواجه فينيكس تحدي آخر، ليس فقط لأن الشخصية قُدمت من قبل عبر 4 ممثلين على شاشة السينما، إلى جانب الأداء الصوتي في أفلام الرسوم المتحركة وألعاب الفيديو. لكن أيضًا لأن ثمة تابوه يعترض طريقه، حيث واحد من أفضل الأداءات، ليس على مستوى أفلام السوبر هيرو فقط، ولكن في السينما بشكل عام، وهو أداء هيث ليدجر للشخصية في فيلم The Dark Knight. حفر هذا الأداء مكانة خاصة لـ"جوكر هيدجر"، وعززها ما تبع نهاية التصوير من دراما حقيقية، بوفاته في يناير 2008 لأسباب يُرجح أنها متعلقة بحالة اكتئاب أصابته جراء التوحد مع الشخصية، وأدت إلى وفاته تحت تأثير جرعة عالية من أدوية النوم.

1542005331433-Screen-Shot-2018-11-07-at-12156-PM

فينيكيس في أحد مشاهد فيلم الجوكر

من هو الجوكر؟
الجوكر أحد من أكثر أشرار السينما وقصص الكوميكس شهرة. ظهر لأول مرة في القصص المصورة لدي دي سي كوميكس - DC Comics عام 1940، حيث اختاره الكُتّاب بوب كين وبيل فينغر وجيري روبنسون عدوًا لشخصية باتمان في العدد الأول من السلسلة. والجوكر استوحي بالأساس من شخصية Gwynplaine في الفيلم الصامت The Man Who Laughs إنتاج 1928.

تطورت شخصية الجوكر في عالم دي سي كوميكس، بعد أن ظهر واستمر حتى فترة الستينيات، في صورة لص محتال ومنحرف بعض الشيء، لكن الجوكر تطور لاحقًا ليصبح مريض نفسي شديد الذكاء والحس الفكاهي السادي، وظهر ذلك في السبعينيات تقريبًا حينما بدأت القصص تميل إلى السوداوية أكثر، بالتزامن مع ظهور الأسباب في التشوهات بوجه الشخصية، وقد تنوعت هذه الأسباب لكن أكثرها انتشارًا كان سقوطه في حوض نفايات كيمائية، ليتحول لون بشرته إلى الأبيض الشاحب وشعره إلى اللون الأخضر وفمه إلى الأحمر الدامي، وتقترب شخصيته من الجنون أكثر.

إعلان

التنوع في صفات الجوكر لم يضر أبدًا الشخصية على مدار الوقت، فلم يحتاج كتاب القصص المصورة التي تضمنت الشخصية إلى التوفيق مع الإصدارات السابقة أو تجاهلها، بل على العكس كان هذا الاختلاف يخدم الشخصية، ويزيد من غموضها، ولا يتعارض أبدًا مع سلوكها. والجوكر لا يمتلك أي قدرات خارقة، لكنه يمتلك علم يؤهله لتطوير غازات سامة، بالإضافة لمهاراته في استخدام الأسلحة الحادة، وقدرته الهائلة على الخداع وتدبير الكمائن لأعدائه، له هدف واحد هو نشر الفوضى، وأن يثبت أن أي شخص يمكن أن يصبح مثله بعد يوم واحد سيء.

البعض ذهب في قراءة شخصية الجوكر إلى أنه ورغم كونه غير أخلاقي، ولا يهدف لنشر الخير أو دعم المنظومة، إلا أن سلوكه مع ذلك كاشف بشكل كبير للنفاق السياسي والأخلاقي والثقافي الذي يتجاهله المجتمع إن لم يكن يدعمه. على سبيل المثال، تعمل شخصية الجوكر طيلة الوقت على وضع أعدائها في معضلات أخلاقية، وحتى مع اختيار الأعداء للخيار السليم نظريًا إلا أن ذلك يطرح أسئلة فلسفية حول ما إذا كان القرار سليمًا حقًا، ويدعم الخير والحق حقًا، منها مثلا موقف باتمان الرافض للقتل، حيث يرفض قتل شخصية الجوكر في أكثر من مواجهة ويفضل إيداعه في السجن أو المصحات النفسية، يبدو ذلك موقفًا جيد، صحيح؟ فيما يبدو لا، لأن قتل الجوكر يضمن إنهاء محاولات زعزعة الاستقرار، وإنهاء لحياة شخص شرير، قام بقتل الآلاف واستمرار حياته قد يودي بحياة آخرين، أبرياء.

ويُرجع الأغلبية من جمهور الكوميكس سلوك الجوكر إلى الأناركية أو الفوضوية، إلا أن البعض يعارض هذا التفسير، وينسب الجوكر للماركسية أكثر، والسبب في ذلك أن الأناركية بالأساس ترفض السلطة بكل أشكالها من أجل الحرية في المطلق، بينما الجوكر يسعى لهدف محدد وهو إرساء الفوضى بقوانينه، هو هنا يسعى لإجبار سكان مدينة جوثام على سلوك طريقته، ولا يقبل بالرفض فيقضي ببساطة على أي معارضة محتملة.

إعلان

في أول كتاب أكاديمي يركز على شخصية الجوكر، بعنوان "الجوكر: دراسة جادة للمهرج أمير الجريمة" أعده روبرت موسى بيسلي وروبرت وينر، يدلل الكاتبان على أن شخصية الجوكر تقترب من الماركسية أكثر من الأناركية، بوصف الجوكر بالقوة المضادة المثالية لشخصية باتمان، الرأسمالي بطبيعة الحال. باتمان لديه قناعة أن التكنولوجيا هي المنقذ للعالم، ويضع ثقته في الدولة لقمع الأشرار، بينما الجوكر يؤمن بالحرية المطلقة، وولاءه في الأغلب للطبقة الفقيرة من المدينة، ولا شهوة لديه للمال.

ويفسر الكاتب أنتوني ناويك في مقال له بعنوان "كل شيء يحترق: سيكولوجيا وفلسفة الجوكر"، حب الجمهور لشخصية الجوكر من خلال نظرية الظل للعالم النفسي كارل يونغ، والظل هو الجزء من أفكار الإنسان الذي يرفض الاعتراف به، وهو نفس الجزء الرافض للانصياع للأوامر أو النظام، وذات الجزء الذي يحثك على الأفعال الشريرة، والذي في أغلب الوقت تقوم بكبته أو توريته خلف الشخص الطيب بداخلك، وبالتالي حين تشاهد شخصية كالجوكر فأنها تكون بمثابة المساحة الآمنة لخيالك، حيث تفرغ من خلاله كل أفكار الظل الخاصة بك، دون أن تكون قد فعلت شيئًا شريرًا حقًا على أرض الواقع، تمامًا مثلما تنغمس في أحد الألعاب التي تقوم فيها بالقتل.

وهج البدايات
بالنظر إلى درجة التقدم التكنولوجي والتقني التي أصبحت عليها صناعة السينما هذه الأيام، فإن تجربة مشاهدة فيلم Batman The Movie (إنتاج عام 1966) دون وضع سياقها الزمني في الاعتبار، ستُعد بلا شك تجربة كوميدية بحتة، وأبعد ما تكون عن سينما الأبطال الخارقين بشكلها الحالي. الممثل سيزار روميرو كان أول من جسد شخصية الجوكر على شاشة السينما، لم يكن لديه مرجع لتفاصيل الشخصية وأدواتها سوى من خلال القصص المصورة، وهو ما يجعله نظريًا بمثابة من حجر الأساس للشخصية على الشاشة الكبيرة. ورغم أن شخصية الجوكر هنا لم تكن تحمل كل التعقيدات التي شاهدناها لاحقًا، على العكس فقد صورت بشكل أقرب للكرتونية، لكنها مازالت تحتفظ بوهج البدايات، فحتى مع مشاهدتك لأداءات أفضل من قبل هيث ليدجر وجاك نيكلسون، لكنك ستحب أداء روميرو الهزلي. كلاسيكية الفيلم ذاته تمنحه وهج خاص.

السطحية التي ظهر بها الفيلم سواء على مستوى القصة أو الأداء والتقنيات المستخدمة في التصوير، طال حتى المكياج، فلم يأخذ الممثل سيزار روميرو الشخصية بجدية كافية حتى تدفعه لحلق شاربه. فظهر على الشاشة وهو يغطي شاربه بطبقة من الطلاء الأبيض المميز لبشرة الجوكر، لكن ذلك للأسف لم يخفِ الشارب فظهر بشكل كوميدي للغاية.

وعلى الرغم من ذلك أفلح روميرو في شيء واحد على ما يبدو، وهو الضحكة الشريرة لشخصية الجوكر، التي أصبحت بعد ذلك بمثابة علامة، ليظل روميرو سنوات طويلة بعد تجسيده للشخصية يلبي طلبات جمهوره بتأدية ضحكة الجوكر بالفيلم. روميرو إلى جانب تجسيده لشخصية الجوكر في فيلم Batman The Movie جسد الشخصية أيضًا في سلسلة تليفزيونية لمدة ثلاثة مواسم.

إعلان

جاك نيكلسون ومستوى جديد
في فيلم باتمان - Batman إنتاج عام 1989 نعرف اسم الجوكر الحقيقي أول مرة "جاك نابير"، وهو الاسم الذي لم يظهر أبدًا في الكوميكس. هنا الجوكر مجرد شخص عادي، فاسد ومجرم ربما، معتد بنفسه بعض الشيء، لكنه عادي لا يرتقي للأشرار المختلين، القادرين على قلب الموازيين ودفع العالم إلى نهايته. لكنه حين يصطدم بباتمان والشرطة في طريقه، وبعد معركة قصيرة ظن أنه المنتصر فيها، يسقط في سائل كيميائي أخضر، يحوله للجوكر المعروف لنا. وبذلك يصبح لديه الدافع للانتقام من باتمان والشرطة ومدينة جوثام بأكملها.

بعد التحول يصبح شخصًا مهووسًا بالتدمير والفوضى، يستمتع بالقتل والفساد، وتتسم الشخصية والفيلم كله بالسوداوية بعض الشيء، وهي بذلك أكثر إخلاصًا للكوميكس من الفيلم الأول. الفيلم بمجمله لم يكن أفضل ما قدمه تيم بيرتون، لكن أداء نيكلسون هو أفضل ما يمكن الخروج به. ويبدو أن هذه النقطة تحديدًا يوافق عليها نيكلسون نفسه، الذي صرح سابقًا أنه أحب أدائه في الفيلم للغاية حد أنه كان يشاهده مرة أسبوعيًا في منزله لفترة طويلة.

وعن كون الشخصية من أكثر الشخصيات المفضلة له يقول نيكلسون إن السبب وراء ذلك هو المساحة للحرية الإبداعية التي تتركها له الشخصية، ففي حين أن كل الشخصيات يكون لها سمات محددة، فإن أهم سمة تحدد شخصية الجوكر هي أن أفعاله غير قابلة للتنبؤ، وهو ما ساعده على فعل كل ما يريد، وأن يظل في ذات الوقت ضمن سياق الشخصية.

جاك نيكلسون، الذي ظهر في الشخصية بمكياج وأزياء مدهشين، أكملا صورة الجوكر بامتياز. لم يصرح بعد تجسيده للشخصية بأي مشاكل متعلقة بعدم قدرته على الخروج منها، خاصةً وأنه كان قدم قبلها بالفعل واحدة من أكثر الشخصيات سيكوباتية بالسينما من خلال فيلم The Shining، لكنه مع ذلك وبعد وفاة هيث ليدجر قال إنه سبق وحذر الممثل الشاب من تجسيد الشخصية.

إعلان

جوكر هيث ليدجر
"بعض الرجال يريدون فقط مشاهدة العالم يحترق"، يمكننا أخذ هذه الجملة التي جاءت على لسان ألفريد "مايكل كين" في الفيلم، مفتاحًا لقراءة شخصية الجوكر، وإدراك الفلسفة التي تُحركه، لكنك ستجد بالطريق مجموعة من النظريات، التي تتنازع على الشخصية.

جوكر كريستوفر نولان في فيلم The Dark Knight شخصية محتالة، تختلق القصص حول خلفيتها طيلة الوقت، وقادرة في كل مرة على إقناعك بأداء ذكي من ليدجر، هدف الجوكر هنا هو نشر الفوضى وكسر النظام، مع خلفية مظلمة تمًاما لا نعرف دوافعها، لكن هذا يضفي المزيد من الغموض والجاذبية على الشخصية.

هنا أداء يخطف بالمعنى الحرفي الأنفس، درجة كبيرة من المعايشة مع الشخصية تظهر بشكل واضح، ليس تقمص ولا تجسيد، ولا هو استحضار أو تلبس، هنا شخصية حقيقية تمامًا قادرة على محو كل التفاصيل المتعلقة بالكوميكس وأداءات روميرو ونيكلسون من رأسك تمامًا وأنت تشاهدها.

ليدجر، الذي اعتمد في تحضيراته للجوكر على شخصية أليكس من فيلم A Clockwork Orange لستانلي كوبريك. تمكن تمامًا من التفوق على كل من سبقوه في تجسيد الشخصية، كما أنه تمكن أيضًا من التفوق على كريستيان بيل زميله في البطولة، في شخصية باتمان، التي قدمها بثلاثية نولان. خلق ليدجر للشخصية لزمات جديدة منها حركة لسانه أو تمشيط شعره بيديه، بالإضافة إلى جملته الشهيرة "?Why So Serious".

المثير في الأمر أنه عندما أعلن ليدجر قبوله تجسيد شخصية الجوكر في الفيلم الثاني من الثلاثية، أثار ذلك غضب عدد لا بأس به من الجمهور، اعتراضًا على الاختيار، وهو ما جاء متوافقًا مع مزاج جاك نيكلسون، الذي أعلن في الصحافة غضبه من عدم استشارته في مرحلة ما قبل الإنتاج أو عدم عرض الدور عليه. وقد فسر كريستوفر نولان سبب تمسكه بـ"ليدجر" لتجسيد الشخصية، بإنه - يقصد ليدجر - لا يعرف الخوف، إذ رفض عدد لا بأس به من الممثلين الدور خوفًا من شعبية جوكر جاك نيكلسون.

إعلان

خبر وفاة النجم صاحب الـ28 عامًا في الثاني والعشرين من يناير 2008 جاء بمثابة الصدمة لهوليوود، وذلك عقب وقت قصير من انتهاء تصوير الفيلم وقبل عرضه. تحدث الجمهور والمحللين وقتها عن أن انغماس ليدجر الشديد في شخصية الجوكر، وضغط التصوير وحالة الإنهاك الناتجة عن ذلك أدخلته في حالة اكتئاب أدت إلى وفاته، لكن عائلته رفضت هذه الاتهامات، بإصرار منهم على أن ليدجر عانى طيلة حياته من الأرق، وأنه اعتاد تناول وصفات طبية منومة، وأن جرعة زائدة من هذه الوصفات كانت السبب الرئيس في وفاته. صحيح أن ليدجر خسر حياته، ولا نملك دليلًا واضحًا على أن الجوكر كان السبب في ذلك، لكن ما نحن متأكدون منه أن الجوكر في النهاية أكسبه الأوسكار كأفضل ممثل مساعد.

فلسفة جوكر فارس الظلام
من المؤكد أن جوكر فارس الظلام كان له أساس فلسفي قوي، لم يظهر في الفيلمين السابقين، الشخصية هنا تصنع المعضلات الأخلاقية التي سبق وأشرنا إليها لأعدائها طيلة الوقت، ويشمل أعدائها هنا رؤساء العصابات بالمدينة، وباتمان، والمدعي العام هارفي دينت والشرطة وحتى سكان مدينة جوثام. يراهن الجوكر على الفوضى والرغبة في البقاء أو النجاة.

ويرجع البعض هذه القدرة أو الرغبة في التلاعب بالآخرين إلى نظرية اللعبة لعالم الرياضيات جون ناش. وقد أشار الكاتب أنس سمحان لهذه العلاقة في مقال له بعنوان "الجوكر ونظرية اللعبة.. المهرج أقل جنونًا مما نظن"، ويدلل سمحان على أن كل علاقات الجوكر بالشخصيات الأخرى في الفيلم قائمة على التلاعب بهم، كالمشهد الافتتاحي بالفيلم، والذي يستطيع فيه الجوكر السطو على بنك بمساعدة مجموعة من المجرمين المقنّعين، قبل أن يفوز الجوكر بالمال كله لنفسه من خلال التلاعب بباقي المجرمين، حتى مشهد النهاية الذي يتلاعب فيه الجوكر بسكان مدينة جوثام والمجرمين على عبارتين في وسط البحر.

إعلان

ربما يظن البعض أن في رفض ركاب العبارتين تفجير بعضهم البعض موقف أخلاقي، لكن آخرون يفسرونه من خلال منطق الجبن والخوف، وفي الحالتين فأن مخطط الجوكر لإرساء الفوضى لم ينجح، لكن الجوكر يمتلك دائمًا خططًا بديلة، وفي هذه الحالة، كان يراهن على أن سكان المدينة سيتحولون إلى الفوضى لا محالة بعدما يروا كيف أصبح فارسهم الأبيض، وهنا تتدخل الشرطة مرة أخرى، بتصوير هارفي بعد موته كبطل، وهو ما يعيدنا ثانية إلى نفاق المنظومة، التي تتخذ مواقف جيدة نظريًا، لكنها ليست بالضرورة مواقف سليمة حقًا.

وفي تحليل نفسي لشخصية الجوكر، يرى الكاتب أمير زكي نُشر على موقع بوابة الكوميكس أن الجوكر يتبع مفهوم نيتشه عن الإنسان الأعلى، فالجوكر ليس فوضويًا بالمعنى المعروف الذي ينادي بالمساواة ويتقارب مع الاشتراكية والإصلاح الاجتماعي. هو في مقابل هذه الفوضوية لأنه لا يريد تطبيق فلسفته من أجل الناس، إنما يريد تطبيقها من أجل نفسه أولًا.

ويدفعنا كل ما سبق لسؤال آخر، هل إذا تحقق للجوكر هدفه المنشود، وتحول العالم إلى الفوضى، هل سيكون بذلك قد وصل لنشوته؟ أم أن ذلك سيدفعه لملل آخر، فهو يحصل على متعته من وجود باتمان يحاربه، ربما وقتها يتحول الجوكر لسوبر هيرو جديد يخلص العالم من شروره.

إخفاق ليتو
جاريد ليتو وفي سياق تحضيراته لشخصية الجوكر كان يرسل لزملائه في طاقم عمل فيلم Suicide Squad فئران حية وخنازير ميتة، وقال في تصريحات عديدة سبقت حتى عرض الفيلم إن الشخصية غاية في الصعوبة وإنه وجد نفسه يفضل البقاء وحيدًا طيلة التحضيرات للشخصية، لكنك وبعد مشاهدة الفيلم لن تجد أي شيء من رائحة الجوكر، مجرد مكياج، حتى هذه النقطة شملت تغييرات كبيرة.

ليتو في تصريحات عن الشخصية ومدى صعوبتها قال "كانت فرصة فريدة، لم أكن أتخيل القيام بها بطريقة أخرى، كان من الممتع لعب هذه الألعاب النفسية، لكن في نفس الوقت، كان الأمر مؤلمًا للغاية". صاحب خبر اختيار ليتو لتجسيد الشخصية توقعات مرتفعة، خاصة وإنه كان قد حصل قبلها على جائزة الأوسكار كأفضل ممثل مساعد عن دوره في فيلم Dallas Buyers Club، لكن ليتو اعتمد في تجسيده للشخصية فيما يبدو على اختلافه عمن سبقوه للدور في الشكل وفقط، إذ اختار هو ومخرج الفيلم ديفيد آير أن يميزا شكل الجوكر بأسنان ذهبية، وعدة وشوم منهم وشم أعلى جبهته بكلمة "تالف"، مع ارتدائه للكثير من المجوهرات، وعن المظهر قال "آير" أنه استوحاه من صور تجار المخدرات على موقع إنستجرام في محاولة للاقتراب من الواقعية أكثر.

بعيدًا عن الشكل قدم ليتو الشخصية بأداء مفتعل للغاية، لم يفلح في إقناعنا بالمشاهد القليلة التي ظهر فيها بأداء الشرير المختل الذي يعاني من خلفية مظلمة، كما أنه ظهر كجزء ثانوي من قصة هارلي كوين، وهي إحدى الشخصيات الرئيسية بالفيلم. بعد الانتقادات والتقييمات السيئة التي قوبل بها الفيلم، أعلن "آير" ندمه على عدم اختيار شخصية الجوكر كشخصية رئيسة ضمن أعضاء الفرقة الانتحارية، لكن ذلك لم يكن سيشفع له أيضًا، إذ أنه قدم فيلم غير متماسك لم يلمع فيه بالكاد سوى مارجو روبي وويل سميث.

إعلان

فينكس ونسخة جديدة
Walk the Line وThe Master وHer بهذه الخلفية و3 ترشيحات للأوسكار، بالإضافة إلى جائزة أفضل ممثل من مهرجان كان عن You Were Never Really Here، بدأ خواكين فينيكس تصوير فيلمه الجديد Joker، ربما يعتقد البعض أن فشل جاريد ليتو سيجعل من الأمر سهلًا، لكن الأكيد أن فينيكس يضع أداء هيث ليدجر أمام عينيه، خاصة مع بدء عقد المقارنات بالفعل من الجمهور والصحافة، وكل المهتمين بالسينما حول العالم. الأخبار حول الفيلم تقول إنه يميل لكونه فيلم جريمة درامي أكثر من كونه فيلم سوبر هيرو، وهو ربما ما يجعل الدور مريحًا أكثر لفينيكس فهذه ساحته المفضلة، التي يلعب ويُجيد فيها أكثر.

شريحة كبيرة من الجمهور تضع آمالها على فينيكس منذ إعلان موافقته تجسيد شخصية الجوكر في شهر يوليو الماضي، تزداد آمال الجمهور مع كل صورة أو كليب جديد يُطرح، ويظهر فيه فينيكس بشخصية الجوكر. سيركز الفيلم، الذي من المنتظر أن تستقبله دور العرض في شهر أكتوبر 2019، على خلفية الشخصية وتفاصيل ما حدث بالماضي، ليصبح ما هو عليه، وذلك على عكس الأفلام السابقة، فهذا هو الفيلم الأول الذي يركز على الشخصية بشكل أساسي.

تحدث المخرج تود فيليبس، صاحب ثلاثية The Hangover، عن فيلمه الجديد قائلًا إنه استلهم شخصية بطله "أرثر فليك" من شخصية "ترافيس بيكل" الشهيرة التي جسدها روبرت دي نيرو في فيلم سائق التاكسي - Taxi Driver للمخرج مارتن سكورسيزي. والقصة بشكل بسيط تدور في الثمانينات عن شخص، يدفعه فشله في مهنته ككوميديان للتحول إلى الفوضى والجريمة.

فينيكس من جانبه تحدث عما يمكن أن نطلق عليه ملابسات قبوله تجسيد الشخصية قائلًا "أعتقد أنه خلف كل الإثارة المرتبطة بأفلام الأبطال الخارقين، ثمة شخصيات لا تُصدق تتعامل مع صراعات الحياة الواقعية، وأحيانا يُعرض ذلك وأحيانا أخرى لا يُعرض، لذلك شعرت دائمًا أن هناك شخصيات من القصص المصورة مثيرة للاهتمام حقًا، وتستحق فرصة للدراسة"، كما أشار إلى أن فكرة تقديم شخصية شريرة من القصص المصورة في فيلم مستقل بميزانية أقل من أفلام السوبر هيرو قد طرأت على فكره من قبل، لكنه لم يسع لتنفيذها أو التحدث إلى شركة وارنر بروس في هذا الأمر.

وعن التوقعات، والتي تولد بطبيعة الحال ضغوط على الممثل، قال فينيكس إنه لا يهتم كثيرًا بما يعتقده الناس، وأن محور تركيزه في أي فيلم له هو المخرج والفكرة من وراء الشخصية التي يقدمها.