مجتمع

شباب يتحدثون عن العنصرية في المجتمع التونسي

أعمل في مخبز ومحل مرطبات في تونس العاصمة وبعض الزبائن يرفضون أن أقدم لهم الخبز
عنصرية
تصوير: اودولفو لوجان/فلكير

"أعمل في مخبز ومحل مرطبات في تونس العاصمة، بعض الزبائن من ذوي البشرة البيضاء يرفضون أن أقدم لهم الخبز، والأدهى من ذلك أنهم يقولونها لي مباشرة في وجهي بدون حياء أنت "كحلوش" (أي أسود) لا تقدم لي الخبز ثم يطلبون من زميل لي "أبيض" نفس الخدمة،" يروي أيمن الحريزي، 26، تجربته مع التمييز العنصري في العاصمة التونسية بعد أن دفعته الظروف المهنية لترك مسقط رأسه قابس في الجنوب التونسي. أيمن يتحدث أيضاً عن مروره بتجربة عاطفية فاشلة من خلال علاقة عاطفية جمعته بشابة بيضاء لكن مطلبه بخطبتها رسمياً والزواج منها قوبل بالرفض الرسمي من عائلتها والحجة كانت أنه "أسود."

إعلان

قد يكون مثيرا للاستغراب أن نطرح قضية التمييز العنصري على أساس اللون في هذا البلد الذي يقع شمال القارة الإفريقية، باعتباره كان من الدول الأولى التي تلغي الرق وعتق العبيد عام 1846 (أي قبل فرنسا التي ألغته نهائيًا سنة 1848 وقبل الولايات المتحدة الأمريكية). لكن رغم ذلك لا تزال رواسب التمييز العنصري موجودة في تفاصيل المجتمع التونسي سواء على المستوى الشعبي عند النظر إلى الألقاب التي يتم إطلاقها على السود والتي لا تخلو من عنصرية واضحة مثل "وصيّف" و"كحلوش" وغيرها، وعلى المستوى العام إذ لم يحتل شخص أسود البشرة أي منصب سياسي -على الأقل في تاريخ الدولة الحديث.

ايمن الحريزي -تصوير: آمال الحاج

رغم أن الدستور التونسي الجديد ينص على المساواة التامة في الحقوق والواجبات بين المواطنين، لكن يبقى ذلك حبراً على ورق

"لا توجد أي أرقام أو معطيات رسمية قامت بها الحكومات التونسية المتعاقبة حول عدد السود في تونس ولكن يرجح مختصون تراوح النسبة بين 10 إلى 15٪ من العدد الإجمالي للسكان والذي يقدر بـ 10 مليون و982 ألف نسمة بحسب آخر تعداد سكاني لسنة 2010،" بحسب توفيق الشعري، رئيس جمعية "آدم للمساواة والتنمية،" مشيراً الى أن الأقلية السوداء تتوزع في أغلب محافظات تونس لكن النسبة الأكبر تتمركز أساساً في جنوب تونس وتحديداً محافظات تطاوين ومدنين وقابس." وقد تأسست جمعية "آدم للمساواة والتنمية" للمدافعة عن حقوق السود في تونس في عام 2012، بعد عام من الثورة التونسية التي أطاحت بالرئيس التونسي زين العابدين بن علي. الهدف الأساسي للجمعية هو الدفاع عن حقوق الأقليات السود في تونس وحقوقهم المهضومة، "رغم أن الدستور التونسي الجديد ينص على المساواة التامة في الحقوق والواجبات بين المواطنين، لكن يبقى ذلك حبراً على ورق،" كما يشير توفيق.

إعلان

وينص الدستور التونسي، في الفصل 21 من باب الحقوق والحريات، على نبذ أي تمييز على أساس لون البشرة، ويؤكد أن "المواطنين والمواطنات متساوون في الحقوق والواجبات وهم سواء أمام القانون من غير تمييز." "من المثير للسخرية هنا أنه لا يوجد في القوانين التونسية أي فصل أو بند يحيل على العنصرية أو يفرق بين المواطنين السود والبيض لكن بالمقابل لا يوجد قانون خاص يحمي السود ويعاقب صراحة على الأفعال العنصرية ضدهم،" يقول الشعيري مشيراً الى أن إقرار نص قانوني يجرم فعل التمييز العنصري على أساس اللون، هو واحد من المطالب التي تصر عليها العديد من المنظمات الحقوقية في تونس.

أريج التومي، 19، تعتبر نفسها محظوظة في عائلتها الموسعة باعتبار أن والدتها بيضاء ووالدها أسود البشرة، مما جعل الشعور بالعنصرية أمراً لم تعشه طوال طفولتها لكنها تسمع الكثير من التعليقات في الشارع وفي وسائل النقل من قبيل "كحلوشة" و"وصيفة". "أتذكر أنه في أحد حفلات الزفاف لقريبة لي تعرضت لموقف مهين لم أستطيع أن أمحوه من ذاكرتي، حين تقدمت لي إحدى السيدات وأنا برفقة والدتي وتفوهت بعبارات جارحة وسألتني كيف يمكن أن تنجب أمي التي تتمتع ببشرة بيضاء فتاة سمراء مثلي، لم تكن تعلم أن والدي أسود البشرة." لكن أريج تؤكد أن هناك اختلافات، ولا تخفي سراً على أنها تعيش حالياً علاقة عاطفية مع شاب أبيض وتتمنى أن تتوج بالزواج تماما كما هو الحال مع والدها ووالدتها.

أريج التومي -تصوير: آمال الحاج

توفيق بلخير، 36، الذي يعمل موظفاً بوزارة المالية في تونس، يرى أن العنصرية كظاهرة موجودة في كل الدول وغير مرتبطة بشعب أو بدولة ما، فالمشكلة ليست تونسية فقط، ويروي لنا حادثة حصلت معه منذ نحو 3 سنوات حين خرج رفقة خطيبته الشقراء في أحد المطاعم وفوجئ بكم هائل من التعليقات من أناس يجلسون في ذات المطعم تراوحت بين التهكم والاستغراب من علاقته بخطيبته وقبولها الخروج مع شاب أسود البشرة رغم أنها شقراء.علاقة توفيق بخطيبته لم تستمر كما يقول لكنه شدد على أن السبب لم يكن لون البشرة بل أسباب أخرى لم يود الحديث عنها. ويؤكد محدثنا على أنه مصر على الزواج من فتاة بيضاء البشرة ولا يمثل له الأمر أي إشكال. "صراحة في مكان عملي لم أشعر يوما بالعنصرية من زملائي الذين يكنون لي كل الحب والاحترام ولا يقاس الإنسان بلون بشرته بل بأخلاقه وعِلمه وثقافته."

إعلان

توفيق بلخير -تصوير: آمال الحاج

تتفق نور الهدى الطرابلسي، 32، مع توفيق، فهي لا تشعر أن لون بشرتها تسبب بأي مشكلة لها. "صراحة لم أعش تجارب سيئة في حياتي تجعلني أحكم على وجود العنصرية بين التونسيين سيما وأني أشعر بالسعادة والحب مع زَوجي وعائلة زَوجي التي تَقبلتني كما أنا ولم يكن لون بشرتي المختلف عنهم عائقا بالنسبة لهم." ولكن نور تعترف أن هناك من لا يزال يرى الأمور بشكل مختلف، وخاصة حين تتجول مع زوجها في شوارع تونس ترى في عيون الناس نظرات التعجب من اختلاف لون البشرة الواضح بينهما.

نور الهدى الطرابلسي -تصوير: آمال الحاج

على الرغم من اختلاف تجارب كل من أيمن وتوفيق ونور، إلى أنها في تقييمها للوضع العام للسود في تونس مقارنة بباقي الدول، تقول مهى عبد الحميد، الباحثة التونسية والناشطة في مجال الدفاع عن حقوق السود في تونس، بأن الوضع العام " قاتم ولا يبعث على الارتياح." وتتساءل بشكل ساخر: "ما معنى أن نفتخر بأن تونس أول بلد ألغى الرق في العالم وقبل حتى أميركا والأسود ما زال يقال له "عبد" أو "وصيف" بعد 168 سنة من هذا القانون؟" وشددت الباحثة على أن استمرار النظرة الدونية للسود في تونس متأتية أساساً من عدم تفكيك وإعادة قراءة تاريخ العبودية واستمرار تلك العقلية التي ترى في الشخص الأسود "رمزا للعبد."

وحول تكافئ الفرص بين المواطنين السود والبيض في تونس على المستوى المهني والسياسي تشير دراسة أنجزتها مهى ومنصور الحمروني بعنوان :"ظهور حركة الشباب السود لمناهضة العنصرية في تونس بعد ثورة 14 يناير 2011" يقر فيها الباحثان بوجود العنصرية في تونس ويؤكدان بأنها حقيقة واقعة رغم نفي النافين من البيض وحتى السود نفسهم الذين ينكرون ذلك إما طلبا للعيش أو لتنجب الصدامات الاجتماعية والنفسية. ويشير الباحثان في ذات الدراسة إلى وجود كفاءات من السود الناجحين أكاديمياً ومهنياً ولكنهم يفشلون في التمركز في أماكن القرار السياسي والريادة الاقتصادية والاجتماعية بسبب تواصل التمييز العنصري.

إعلان

مهى نفسها تعرضت لمواقف عنصرية كثيرة حين كانت تعيش في تونس قبل أن تسافر بعدها إلى باريس، وبالرغم من تحفظها الشديد على عدم الخوض فيها باعتبارها تتحدث اليوم كناشطة تحمل هموم وقضايا السود وليس كضحية، لكنها تعود قليلا للوراء بعد إلحاح منا لتسرد حادثتين منفصلتين ظلتا معلقتين في ذهنها. "أتذكر تلك الحادثة في شهر فبراير 2007 تعرضت لهجوم عنصري من قبل أحد المسافرين خلال رحلتي في القطار من مسقط رأسي في مدينة قابس جنوب تونس نحو العاصمة، حيث تعمد شاب في الثلاثين من عمره إلى مهاجمتي بأقبح الأوصاف بسبب خلاف بسيط، لأفاجأ به يقول لي: "لاتنسي أنك عبدة هنا، ولست في أميركا حتى يكون لديك حقوق، فأنت عبدة وأنا حر."

كلمات هذا الشاب الأبيض كانت بمثابة السكين الذي غرزه صاحبه في قلبها، كما تقول مهى، مما دفعها لتقديم شكوى في مركز الشرطة مباشرة بعد الوصول للعاصمة، لكن المؤلم أن المأساة لم تنته عند ذلك الحد بل تواصلت حين حاول رئيس مركز الشرطة أن يحل الخلاف ويدون في المحضر أن القضية لا تتعدى كونها خلافا بسيطاً وليست حادثة عنصرية. حادثة أخرى مماثلة ترويها لنا الباحثة التونسية تتعلق برسالة الكترونية عبر حسابها على فيسبوك وصلتها من شاب أبيض البشرة احتج على دفاعها على قضية السود وكتب قائلا: "لقد كنا نبيع فيكم ونشتري بالكيلوغرام الواحد. ولم يكتف الشاب بهذه العبارات بل "دعاها صراحة وباقي السود في تونس إلى الهجرة الجماعية نحو الكاميرون أو حتى النيجير."

مهى عبد الحميد -الصورة مقدمة من مهى

هاتين الحادثتين دفعت مهى مع مجموعة أخرى من الشباب السود لتأسيس أول منتدى اجتماعي عبر شبكة التواصل الاجتماعي فيسبوك في 10 أبريل 2011، لطرح قضايا العنصرية في تونس ومناقشتها من خلال هذه المجموعة المغلقة تحت عنوان "ضمان المواطنة من دون ميز (تمييز) على أساس اللون" وكانت باللغة الفرنسية. "السود في العالم العربي باستثناء السودان مغيبون تماماً عن الصورة العامة للمجتمعات العربية وأغلبهم من المهمشين اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً ويعتبر تاريخهم الحلقة المفقودة في تاريخ هذا العالم،" تقول مهى، مشيرة الى انه على الرغم من أن "السود في تونس والعالم العربي هم أقلية صامتة مغلوبة على أمرها لكنهم مع ذلك، اختاروا المقاومة اليومية ضد العنصرية، لكن ذلك يتم بشكل بطيء وفي سرية تامة."

قد لا يصل التمييز العنصري في تونس إلى الأذى أو العنف الجسدي تجاههم، الا أن هناك نظرة عامة في المجتمع تنظر بدونية للأشخاص من لون البشرة الأسود، كما أن هناك تجاهل تام لهذا الأمر في الإعلام أو من قبل السياسيين، إلا في حالات معينة، مثل حادثة اعتداء بالطعن على طالبتين من الكونغو الديمقراطية، من قِبل شاب تونسي في قلب العاصمة، مما أسفر عن إصابات بليغة للطالبتين في حادثة تبيّن لاحقاً أنها عنصرية، مما فتح النقاش عن هذه الظاهرة وسلبياتها وكيفية معالجتها، وتم نسيانها لاحقاً.

بالنسبة لأيمن، هناك ضرر نفسي لم يستطع المرور عنه سواء في طريقة التعامل معه في العمل أو في الحياة العامة، ويشير بالنهاية: "صرت أخشى في كل مرة يدق فيها قلبي لفتاة بيضاء أن أتقدم لها سواء كانت العلاقة رسمية أم حتى مجرد صداقة لأنني ببساطة أعلم الجواب مسبقاً."