رقص شرقي
جميع الصور من تصوير مروان طحطح
مقابلة

ألكسندر بوليكيفيتش: أنا "رقّاصة" وأفتخر

هذه مهنة جميلة، لا أفهم لماذا تسبّب كلّ هذه المشاكل الأخلاقيّة، والدينيّة، والاجتماعيّة
7.2.19

يُسرق بيت ألكسندر بوليكفيتش، 37 عاماً، قبل أشهر، فلا يتجرّأ على التبليغ، خشية أن يسجن هو، ويبقى السارق طليقاً. يُدعى لتسجيل حلقة تلفزيونيّة تكريماً لراقصة عربيّة كبيرة، فتكاد الضيفة تغادر الاستوديو بمجرد معرفتها أنّ هناك راقصاً رجلاً يستعدّ لأداء نمرته. يُفكّر أن يروي هاتين الحادثتين وغيرهما من فصول العنف اليوميّ في عرض مسرحيّ راقص، لكنّه لا يحب تأدية دور الضحيّة، فيتخلّى عن فكرة العرض من أساسها. "ربما لو واصلتُ الشغل على ذلك العرض، لكنتُ جلت فيه كلّ مسارح العالم، لأنّ الناس في الخارج تريد أن ترانا كضحايا، وأنا لا أريد تكريس هذه الوصمة عن الفئات المهمّشة في بلداننا."

1548160338489-GI9B9534

بين تعليم الرقص، والإعداد لعروض جديدة، والمشاركة في مهرجانات خاصة بالمحترفين، يسعى بوليكيفيتش لنقل المعرفة حول تاريخ هذا الرقص وتقنياته للآخرين. في حديثه مع VICE عربيّة عبر الهاتف يخبرنا عن سعادته الغامرة بالعودة إلى جامعته "باريس الثامنة" (حيث درس المسرح والرقص)، ولكن كمحاضر ومدرّب هذه المرّة، تلبية لدعوة من مؤرخة الرقص الفرنسيّة إيزابيل لوني التي تودّ تعريف طلّابها على تجربته بصفته أوّل راقص يقدّم مقاربةً معاصرة للرقص البلدي. ألكسندر يرى الجسد الراقص، جسداً سياسياً بامتياز، لذلك يحرص على تقديم عروضه على خشبة المسرح، وليس في المطاعم والملاهي، للتأكيد أن فعل الرقص، ورغم قيمته الترفيهيّة الكبيرة، هو فعل بمعانٍ سياسيّة وثوريّة في العمق.

VICE عربية: لاسمك وقعٌ أجنبيّ، من لا يعرفك يخيّل إليه أنّك لست لبنانيّ الأصل. هل تحمل جنسيّة أخرى غير اللبنانية؟
ألكسندر بوليكيفيتش: لا أبداً، أنا لبناني، ولا أحمل أيّ جنسيّة أخرى. عائلتي تقيم في لبنان منذ ما قبل الاستقلال، إذ هاجرت إلى الشرق في ستينيات القرن التاسع عشر، من كرواتيا، وكانت حينها تابعة للإمبراطورية النمساوية المجرية. أقام أجدادي في شتورة، وبنوا فنادقَ هناك، وبقوا في المنطقة. جدّ جدّي، كان مدير أوّل سرية درك في دير القمر. وفي العام 1943 مع الاستقلال، حملنا الجنسيّة اللبنانية، ولم يعد لنا صلات بجذورنا الأوروبيّة.

كرّرت في أكثر من مناسبة على مواقع التواصل الاجتماعي، أنّك تحبّ أن يطلق عليك لقب "رقّاصة"، لماذا؟
يستخدم البعض كلمة "رقّاصة" بغرض التقليل من قيمة الراقصة، وأحياناً بغرض الشتيمة، فأن يقال لأحد مثلاً "يا ابن الرقّاصة" في مصر، تلك شتيمة من العيار الثقيل. أريد أن أستردّ الكلمة من معناها السلبي، من خلال تبنيها. ما أودّ قوله ببساطة هو التالي: إن كانت هذه "الرقّاصة" تزعجكم، وتسبّب لكم الرعب، وتزلزل كيانكم، فأنا قرّرت أن أضعها على رأسي من فوق. حين أقف على المسرح، أكون مرآة لهذا المجتمع، ولست منفصلاً عنه، ولا أعيش في فقاعتي. ومن هذا المنطلق، إن كان أحد يريد أن يشتمني بقوله "رقّاصة" جيد، أهلاً وسهلاً، لا مشكلة لديّ، أنا رقّاصة، لا أفهم ما العيب في ذلك. سؤالي لمن يستخدمون الكلمة للتحقير، ما الذي تعرفونه عن الرقّاصات، عن حياتهنّ وتحدياتهنّ؟ من المعيب أنّ تبصق مجتمعاتنا على هذا الفن الراقي والجميل، لكنّ ذلك ناتج عن كونه فنّاً يحرّر فينا أشياء كثيرة لا يراد لها أن تتحرّر، وخصوصاً الجسد.

1548160098942-GI9B9459

ولكن، لماذا تستخدم تاء التأنيث؟ لماذا لا تقول "رقّاص" مثلاً؟
أستخدمُ تاء التأنيث، لأنّها تحرّك أسئلة جوهريّة كثيرة في ذهن من لديهم مشكلة مع الرقص، وتزلزل قواعد الفهم عندهم عمن هو الرجل، ومن هي المرأة. كثر يخافون من تاء التأنيث. نحن كراقصين نبيع حبّاً وجمالاً وفرحاً، وحين نجتمع لنرقص معاً، نعطي بعضنا طاقة جماعية مرعبة. هذه مهنة جميلة، لا أفهم لماذا تسبّب كلّ هذه المشاكل الأخلاقيّة، والدينيّة، والاجتماعيّة، والنفسيّة. لا أفهم سرّ هذا الانفصام. ففي أجمل مناسبات حياتنا يرافقنا الرقص، في حفلاتنا وأعراسنا، ولكن إن قرّرت شابة مثلاً احترافه كمهنة، تنبَذ من قبل عائلتها.

أديت رقصة مستوحاة من الاعتداءات الجنسية في ميدان التحرير في مصر، كما رقصت أيضاً على وقع الشتائم التي نسمعها في الشوارع موجّهة على أجسادنا

في الوقت ذاته، نرحّب بالراقصات الأجنبيات اللواتي يحترفن الرقص البلدي، ونحتضنهنّ. أمّا الراقصة العربيّة، والتي تخوض معارك شرسة وتواجه الدنيا كلّها لتحترف وتعيش فنها وتقدمه بشغف، فنرفضها، ونطلق عليها تسميات مسيئة، ونعيّرها بمهنتها. من هنا جاءت تاء التأنيث، كنوع من الدعم للنساء العربيات والتضامن معهنّ. على سبيل المثال، أليس غريباً أن تكون السلطة المسؤولة عن المهنة اليوم، هي شرطة الآداب، سواء في مصر أو لبنان؟ هذا معيب، لماذا لا تكون وزارة الثقافة أو نقابة الفنانين مسؤولة عنا؟ حين طلبت الانتساب إلى نقابة الفنانين اللبنانيين، جوبهت بالرفض، وكانت الحجة أنّ عمر الراقصين في الفنّ قصير. أمّا عن كوني رجلاً يرقص، فلا أعتقد أنّ رقصي هو ما يزعج البعض، بل لساني. أقرأ أحياناً تعليقات على فيديوهاتي المنتشرة على الانترنت، تطالب بذبحي أو حرقي، فأضحك. أعرف أنّ السبب ليس لأنّي أرقص، بل لأنّي أحكي، ولأنّي لست مجرّد منظر ممتع.

1548160113105-GI9B0013

تحاول تقديم مقاربة جديدة للرقص البلدي، مفادها أنّ الرقص متاح لكافة الأجساد، وأنّ الرقص الذي سمي شرقياً، هو إرث بلديّ بالغ القدم، ولا يشبه الصورة التي كرّسها الاستشراق عنه كفنّ للإغراء والعريّ فقط. حدّثنا عن مقاربتك هذه.
مشكلة المعرفة المرتبطة بالرقص في عالمنا العربي، أنها تنقل شفهيّاً. ان بحثتِ عبر غوغل عن الرقص البلدي، ستجدين فيديوهات لراقصين أجانب. لذلك فإنّي أزور مصر باستمرار، لاستقاء المعرفة من الراقصات المخضرمات الراهنات -اللواتي عايش بعضهنّ المرحلة الذهبية في الأربعينيات والخمسينيات –ونقلها، وللبقاء على تواصل مع معلّمات الكار حاليّاً مثل دينا، وفيفي عبده، وغيرهما… بشكل عام، الراقصات منغمسات في مشاكل الكار ومصاعبه، ولا يمتلكن الوقت -وأحياناً الإمكانات -لنقل المعرفة أو تسجيلها ونشرها، وهذا ما أحاول العمل عليه. من ناحية أخرى، يقوم مشروعي الفنّي على مفهوم أنّ الرقص حركة في الأساس، ولكن يمكن لهذه الحركة أن تمرّر رسائل سياسيّة واجتماعيّة وثقافيّة وفكريّة، وليس فقط رسائل مطبوعة بصبغة الاستشراق. في أحد عروضي مثلاً، أديت رقصة مستوحاة من الاعتداءات الجنسية في ميدان التحرير في مصر، كما رقصت أيضاً على وقع الشتائم التي نسمعها في الشوارع موجّهة على أجسادنا، من خلال تقنياتي الخاصة، ومقاربتي المعاصرة لخطوات الرقص البلدي المعروفة.

1548160493657-GI9B9858

تولي أهميّة خاصّة لبدلاتك، أخبرنا عن علاقة الراقص بالبدلات، خصوصاً أنّك لا تأخذ مسألة الملابس بخفّة، بل تتعاون مع فنانين مثل المصمّم كريكور جابوتيان لإنجاز ملابس عروضك.
في 2018، حين أعدت تقديم "محاولة أولى" (انتاج 2009) في "المعهد الفرنسي" في بيروت وقفت على الخشبة عارياً، من دون بدلة، ومن دون أيّ زيّ. لم يكن الهدف من ذلك الإثارة، بل لتحطيم الحواجز الجندريّة. أردت القول إنّ الرقص البلدي خلق لجسد المرأة، وتطوّر حوله ومعه، وأنّني رغم ذلك لا أقلّد المرأة، بل إنّي رجل ولديّ مقاربتي الخاصّة لهذا الفنّ. في أحدث العروض التي شاركت فيها بعنوان "فأدّبه لي" (2018) من تصميم نانسي نعّوس، أقف على المسرح ببنطلون وقميص، فالعرض قائم على تفكيك مفهوم الرجولة، ومعنى أن تكون رجلاً. في عرض "تجوال" (2011) بدأت العرض ببدلة رقص مستلهمة من تحية كاريوكا، وانتهيت بزيّ أشبه بالمومياء، يخفي أي صلة بالتذكير أو التأنيث، ويخفي وجهي حتّى.

أنا شخصيّاً أحبّ الفساتين. حلوة الفساتين

أخبركِ بذلك للقول أنّي أحاول الابتعاد عن النمطيّة، وأنّ كلّ عرض يملي عليّ الزيّ أو البدلة المناسبة، وأنّ الأزياء وجدت لتحكي قصّة. في عروضي المعاصرة قد أرتدي لباساً محايداً، وفي عروض الكباريه "منسقّط فوشيا" (يتبع كلمة فوشيا بضحكة رقيعة). الفساتين أو بدلات الرقص مهمّة جدّاً بالنسبة لي، لأنّها تسمح لي باللعب على الأدوار الجندريّة، وتعطيني قوّة، وتعلي من مستوى العمل. وللصراحة، أنا شخصيّاً أحبّ الفساتين. حلوة الفساتين.

1548160533051-GI9B9821

تحضّر حالياً لعرض كباريه راقص على أغاني جورج وسوف، ولعروض أخرى من تصميمك، لكن من أداء راقصين آخرين. هل وجدت صعوبة في ترك محور الخشبة لأحد آخر؟
كان صعباً عليّ أن أصمّم عرضاً لأحد آخر، ولكن تلك خطوة إلى لأمام في مسيرتي، خصوصاً أنّي أتعاون مع إحدى أبرز الراقصات في لبنان، خلود ياسين، وكانت زميلتي في الجامعة. ستؤدّي ياسين منفردةً على المسرح، ونسعى معاً في هذا العرض لتفكيك معنى الأنوثة، من خلال الأزياء والحركة. أمّا أبو وديع فأحبّ أغانيه كثيراً، وأشتغل على عرض كباريه أؤدّي فيه وصلاتي على وقع أغانيه فقط، من البداية إلى النهاية. وسأحاول الحصول على إذن منه لاستخدام الأغاني قبل المباشرة. بموازاة ذلك، أعمل على عرض معاصر منفرد لي، أستلهم فيه تقنية الرقص في متر مربّع من تحية كاريوكا والراقصات القديمات. أبحث عن معنى الرقص داخل المتر المربع في 2019، وأستخدمه لتفكيك مفهوم الاختناق الذي نعيشه في البلد، مستوحياً حركة الفراش حول النار.

اختلافنا يولّد نضالاً يوميّاً لا يقلّ ألماً وصعوبةً عن أيّ نضال آخر نعيشه على الصعد السياسيّة والاجتماعيّة والمعيشيّة

كما أستعدّ لتقديم عرض في فضاء "أشكال ألوان" أتعاون فيه مع الشاعرة لين هاشم، حيث أرقص من دون موسيقى على شعر عربيّ فصيح يحكي عن جنسانية المرأة، والألم، والحزن، والمعاناة اليومية للأشخاص المختلفين في مجتمعنا. ولا أعني بالمختلفين المثليين فقط، فالمرأة المطلقة مختلفة، والمرأة البدينة مختلفة، على سبيل المثال لا الحصر. اختلافنا يولّد نضالاً يوميّاً لا يقلّ ألماً وصعوبةً عن أيّ نضال آخر نعيشه على الصعد السياسيّة والاجتماعيّة والمعيشيّة. الإذلال اليومي والتمييز يحطّم المختلفين الذين لا يمتلكون الصلابة الكافية للمواجهة. وصحيح أنّ الأذى يمسّني ويؤلمني، لكنّي أرفض أن أصنّف كضحيّة، وأحرص أن أبقى صلباً، لكي أكون، قدر المستطاع، مثالاً لمن تنقصهم هذه الصلابة.

1548160565613-GI9B9739
1549541014503-GI9B9393-1
1549541022342-GI9B9354-1
1548160170471-GI9B0225

مكان التصوير: مسرح المدينة وقصر مهجور في بيروت. يمكنكم متابعة مروان طحطح على صفحته على انستغرام.