سياسة

رغم الفشل سابقًا.. حملة لمقاطعة البضائع الأمريكية، فما الجديد؟

الميزان التجاري مختلّ جداً لصالح الولايات المتحدة

إعداد سالم الريس
2019 03 11, 10:04am

بانكسي/فليكر

في يناير 2019، أطلق مجموعة من النشطاء العرب، حملة تهدف إلى مقاطعة البضائع الأمريكية، بعد فشل العديد من الحملات المطالبة بمقاطعة تلك البضائع وعدم قدرتها على الاستمرار في السنوات الأخيرة الماضية من بلدان مختلفة. هذه المرة، تنطلق الحملة من لبنان حيث ينسق القائمون عليها مع عدد من البلدان بهدف تطوير فكرة مقاطعة البضائع الأمريكية والتي "تُستخدم بمثابة الأسلحة في الحروب العسكرية والاقتصادية والثقافية التي تقوم بها الولايات المتحدة الأمريكية في الدول العربية والإسلامية،" بحسب ما قال القائمون عليها. لكن ما الدافع وراء إطلاق هذه الحملة؟ وفي ماذا تختلف عن سابقتها من حملات؟ ومن يقف خلفها؟ وما هي خطتهم للمقاطعة؟ وما علاقتها بحملات مقاطعة إسرائيل؟ نتابع التفاصيل من خلال حوار أجرته Vice عربية مع الصحفي اللبناني حمزة الخنسا، 35 عاماً، المتحدث باسم حملة مقاطعة البضائع الأمريكية.

1550643891227-IMG_20190207_222802_103
حمزة الخنسا - الصورة مقدمة منه.

VICE عربية: لماذا تركز الحملة على مقاطعة البضائع الأمريكية؟ وهل هناك علاقة بينكم وبين حملات مقاطعة إسرائيل؟
حمزة الخنسا: هناك حملات عديدة لمقاطعة إسرائيل سنتعاون معها في هذا الشق. ونحن نعتبر أن مقاطعة الولايات المتحدة هي جزء من المعركة المفتوحة مع دولة الاحتلال، ومن المعركة الدفاعية في الحرب التي تخوضها الولايات المتحدة ضدنا كدول عربية. وبالتأكيد، من أهم أوجه هذه الحرب هو الدعم اللامحدود الذي تقدمه أميركا لإسرائيل، وفي هذه النقطة بالذات يحصل التقاطع بين حملتنا والحملات الداعية لمقاطعة إسرائيل التي سنتعاون معها.

حملات مقاطعة البضائع الأمريكية فشلت تمامًا في السابق، ما الذي تغير الآن على المستوى السياسي والشعبي؟
صحيح، فشلت أغلب حملات المقاطعة، وبالخصوص تلك المتعلقة بالولايات المتحدة الأمريكية. ولكن نحن نعتقد أن المتغيّرات اليوم على الأرض مرتبطة بتعامل الادارة الأمريكية مع المنطقة. لم تتغّير السياسيات الأمريكية، بقدر ما تطوّرت وأصبحت أكثر وضوحًا وسفورًا، حتى وصلنا إلى صفقة القرن، وهذا كله يأتي في ظل رعاية عربية رسمية شاملة. الشعوب العربية التي دفعت أثمانًا باهظة للتدخلات الأمريكية وسياساتها، وخصوصًا في المرحلة الممتدة من العام 2011 حتى اليوم، صار لزامًا عليها أن تتحرّك وتقوم بخطوة ما في سياق المواجهة. ونحن رأينا أن الشق الاقتصادي من العدوان المُمارَس أمريكيًا، لا يقل خطورة عن العدوان العسكري والسياسي. ووجدنا أنّ مواجهته قد تكون أيسر بالنسبة إلى الشعوب، لا تتطلب الجهد الكبير، خصوصًا إذا ما توفّرت الأرضية المناسبة والتوجيه الصحيح، وهنا يأتي دورنا كحملة مقاطعة البضائع الأمريكية.

ماذا تعلمتم من الحملات السابقة؟ وما الذي ستغيرونه في الحملة الحالية؟
في الحقيقة، نحن درسنا التجارب السابقة. أغلب الحملات منظمة وواضحة الأهداف والرؤية، والأهم أنها كانت تقوم بناءً على ردود فعل لحظية أو مرتبطة بحدث كبير ما، كالعدوان الأمريكي على العراق مثلاً. لذا، كانت تلك الحملات تعمل بالاتكال على عاطفة الجمهور، في الوقت الذي كانت أعين العالم واهتماماته منصبّة على الفعل. إضافة إلى ذلك، لم تعمل الحملات السابقة على تحديد البدائل الوطنية، بقدر ما كانت تحث على المقاطعة كفعل واجب. المطلوب برأينا، هو المزاوجة بين المقاطعة ودعم المنتج المحلي. وهذا يفتح الباب على كثير من الفعاليات والأنشطة التي من الممكن أن تجري بالتنسيق مع جهات الإنتاج الوطنية.

نحن نأخذ في الاعتبار أن عددًا لا بأس به من المنتجات الأمريكية لا نظير عربي لها، من هنا قد تكون منتجات الدول الصديقة والحليفة (في أوروبا وروسيا والصين وغيرها)، لذلك فإننا نعكف حاليًا على إعداد دراسات شاملة تتعلّق بالمنتج الأمريكي والبديل المناسب له. لا علاقة لنا بأي حملات سابقة. ولا نعرف أي من القيّمين عليها. وقد يُصادف خلال عملنا اللقاء أو التعامل مع أي من الناشطين في حملات سابقة، لكن لا تنسيق مسبق مع أي منهم.

أطلقتم حملة المقاطعة في يناير 2019، لكن مازلتم تعدون الدراسات الشاملة التي تتعلق بالمنتجات الأمريكية والبدائل له، فما الهدف من إطلاق الحملة قبل الانتهاء من إعداد الدراسات؟
نعم، الحملة عبارة عن مراحل، احداها توفير لوائح بالبدائل الوطنية للجمهور، وهذا ما سيتم وسيكون مبنيًا على دراسات وأرقام دقيقة وليس عبر دعوات قائمة على أُسس كلاسيكية تحاكي العواطف. نحن انطلقنا وفق خطتنا في المرحلة الأولى التي تقوم على إعادة طرح فكرة المقاطعة على الجمهور، والقيام بحملات عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وتحضير الأرضية اللازمة لتنفيذ باقي مراحل الخطة الموضوعة وفقًا لتواريخ ومواقيت معينة. أيضًا، قمنا بالفعل بعقد عدة لقاءات مع اختصاصيين وصحافيين وناشطين، وهناك المزيد من جلسات العمل خلال هذا الأسبوع والأيام المقبلة، تمهيدًا للدخول في المرحلة الثانية. خطتنا متدرجة تبدأ من مواقع التواصل واللقاءات المباشرة لتحضير الأرضية، مرورًا بمرحلة الدراسات والأرقام والأنشطة على الأرض مع التجار وصولاً إلى نقل النقاش إلى وسائل الإعلام التقليدية.

لماذا فشلت الحملات السابقة برأيكم، هل بسبب عدم وجود أرضية ثقافية ثورية أم لأن موضوع مقاطعة الثقافة والمنتجات الأمريكية يحتاج أكثر من مجرد حملة بين فترة وأخرى؟
عملية المقاطعة والدعوة إليها هي ليست مجرّد ترف ثوري، أو فلكلور نضالي، إنما هي دورة متكاملة (سياسية وثقافية واقتصادية وشعبية) تفرضها الحاجة إلى الحفاظ على الهوية والسيادة الوطنية من جهة، ومواجهة الحرب الاقتصادية التي غالبًا ما تريد تحقيق أهداف سياسية. من هنا، فإن الدعوة إلى مثل هذه الحملات والعمل على إنجاحها لا بد أن يكون منظماً وواضحاً في الأهداف والرؤية، وألا يكون مبني على ردود الفعل اللحظية، والاتكال على عاطفة الجمهور فقط، إلى جانب تحديد المنتجات الوطنية البديلة، كما ذكرت سابقًا.

هل نتحدث عّن مقاطعة منتجات أم شركات، وما هو الأساس أو ما هي المعايير التي حددتم على أساسها ما الذي يجب مقاطعته؟
هناك مجموعة واسعة من الخيارات التي يمكن تقديمها كبدائل. تبدأ هذه الخيارات من المنتج الوطني المحلي، ثم المنتج العربي، وأخيرًا المنتج البديل الأنسب من الدول الحليفة والصديقة أو على الأقل الحيادية. ونقطة الحيادية هنا ننطلق في تفسيرها من مدى تأثير اقتصاد هذه الدولة في دعم العدو الإسرائيلي وعلاقتها مع الولايات المتحدة. هناك شركات وطنية كبرى قد تكون وكيلة لإحدى المنتجات الأمريكية، لهذا، فإن المقاطعة لن تكون شاملة أو عمياء بل سنعتمد أسلوب "المقاطعة الذكية" المتدرجة من المنتج بحد ذاته وصولاً إلى الشركة بشكل عام. وهذا ما يعكف فريقنا على دراسته وإعداد اللوائح الخاصة به.

ماذا تقصد بالمقاطعة الذكية؟
نعني بالمقاطعة الذكية، ألا تكون مجرّد دعوة اعتباطية للمقاطعة، ولا أن ندعو لمقاطعة الشركات المحلية الوطنية بحجة أنها تستورد منتجات أميركية. بل أن نحدّد منتج معين كـ آيفون مثلاً، صحيح أنه لا يوجد بديل وطني له، بل يوجد بدائل مثل هواوي وهو يضاهيه بالجودة. وهناك منتجات أميركية كثيرة تعج بها أسواقنا العربية ولها بدائل وطنية جيدة. مثلاً في لبنان لدينا ماركة أدوات كهربائية ومنزلية وطنية تدعى كونكود بإمكانها أن تكون بديلاً مناسبًا لجنيرال إلكتريك مثلاً. فضلاً عن العديد من السلع في كافة القطاعات (الأغذية والأدوات الصحية والألبسة ومساحيق التنظيف إلخ…).

نحن نستند في حملتنا على مجموعة من الدراسات خلصت إحداها الى أنه خلال عام 2018، استورد لبنان سلعًا ومنتجات أميركية بقيمة 1.306 مليار دولار. استحوذ الوقود المعدني والزيوت المعدنية على الحصّة الأكبر منها بنسبة 29%، تليه السيارات بنسبة 24%، من ثمّ الأدوية ومنتجات الصيدلة بنسبة 10%، المواد الغذائية 9.8%، الأجهزة والآلات والأداوت الآلية بنسبة 7%. هذه الواردات وغيرها حددنا بدائل وطنية لها وسيتم في المرحلة المقبلة العمل على المقاطعة وفقاً للبدائل المحددة. علماً أن الواردات الأميركية إلى لبنان تعادل نحو 29 مرّة قيمة الصادرات اللبنانية إلى الولايات المتحدة الأميركية. وهو ما يعبّر عن ميزان تجاري مختلّ جداً لصالح الولايات المتحدة، وهذا ما سيكون محل تركيز في حملتنا.

1550643954522-IMG-20190219-WA0154
احدى اجتماعات القائمين على الحملة.

كيف تنوون نشر الوعي بين الشباب العربي بخصوص هذه الحملة، في الوقت الذي ندرك جيدًا أن المشاركة في هذه الحملات ليست من ضمن أولويات الشباب العربي؟
هذه النقطة تشكل التحدي الأكبر بالنسبة لنا، وهي تفرض علينا أن نكون على تماس مباشر مع الشباب وكافة شرائح المجتمع. وبخلاف الحملات السابقة، سيكون عملنا، بالإضافة إلى الإعلام والفضاء الافتراضي، أيضًا مع الجمهور على الأرض من خلال الاحتكاك بصغار التجّار والدكاكين وصولاً إلى كبار المستوردين والمصدّرين، مرورًا بالمدارس والجامعات، من خلال مجموعة كبيرة ومتنوعة من الأنشطة ذات الصلة بالهدف الرئيسي. كما لدينا الآن تواصل مباشر مع عدد من الشباب الناشطين المؤمنين، أولاً بأن أمريكا ليست حليفًا للعرب، بل دولة تستهدف وحدتنا وأمننا واقتصادنا، ومؤمنين ثانيًا بخيار عدم الاستسلام لها. كما تعمل الحملة وفق خطة تقوم على تقسيم البلدان المشاركة فيها، على أن يتولى كل بلد إنتاج دراساته ووضع خطته الخاصة وفقاً لخصوصية البلد. وعليه هناك المئات من الناشطين المشاركين في كل بلد بحسب الخطة والحاجة والإمكانية.

عادة ما يقوم اليسار بهذه الحملات؟ من هي الجهة أو الحزب الذين تنتمون إليه، وهل هذه الحملة مجرد طريقة لكسب شعبية في الشارع لهذا الحزب أو ذاك؟
لا ينحصر الوعي بأهمية مواجهة المشاريع الأمريكية بفئة حزبية أو أيديولوجية أو فكرية معينة. صحيح أن التجارب السابقة كانت في أغلبها تحمل صبغة معيّنة، لكن هذا لا ينطيبق علينا. نحن حملة مستقلة وخليط من نشطاء إسلاميين إلى يساريين إلى مسيحيين وعرب وأكراد وغير ذلك من قوميات وثقافات وديانات تحفل بها منطقتنا. فطالما أن الهدف الكبير يجمع شريحة واسعة من المؤمنين به بصرف النظر عن انتمائهم الفكري أو الحزبي، فهذا يساعد على الوصول إلى شرائح أكبر. مع التشديد على عدم انتمائنا كحملة إلى أي تنظيم حزبي أو جهة سياسية.

قل لي الحقيقة، هل لديك أمل أن المقاطعة ستنجح في ظل الواقع الذي نعرفه جيدًا؟
في الحقيقة نحن نعرف مسبقًا صعوبة المهمة التي تنتظرنا، لكن كان على أحد ما القيام بالخطوة الأولى. ونحن نهدف من خلال حملتنا هذه إلى إعادة ثقافة المقاطعة إلى الأذهان والضمائر، كخطوة أولى كبيرة، بصرف النظر عن الدخول في النتائج والأرقام. نحن نمتلك خطة متكاملة للعمل، سنسعى لتنفيذها، ونترك النتائج إلى مرحلة لاحقة.