مسلسل-قلب-العدالة

من مسلسل قلب العدالة 

تلفزيون

مراجعة لمسلسل "قلب العدالة" الإماراتي الذي تعرضه نيتفلكس

الكاتب الأمريكي للمسلسل لم يستطع أن يقدم التركيبة المحلية بتفاصيلها، بل رسم صورة تبدو استشراقية مُختزلة تتعلق بالإمارات
5.2.19

اختارت شبكة نيتفلكس المسلسل الإماراتي (قلب العدالة) الذي أُنتج عام 2017 لعرضه ضمن المحتوى المقدم لملايين المشاهدين حول العالم، ليصبح أول مسلسل خليجي يعرض على الشبكة. ولعل هذا الاختيار يساعد في التعريف بالدراما العربية لغير المتحدثين بلغتها والاقتراب أكثر من الثقافة التي يتم التعامل معها بشكل نمطي وسلبي. المسلسل الذي يتكون من 18 حلقة، يحكي قصة محامية شابة اسمها فرح (فاطمة الطائي) تعود من الولايات المتحدة وتقرر العمل في المحاماة بشكل مستقل عن والدها المحامي المرموق حسن محمد (منصور الفيلي)، وتدور معظم أحداث العمل داخل المحاكم الإماراتية. وقد شاركت دائرة القضاء في إمارة أبوظبي في منح فريق العمل حق التصوير في الأماكن الحقيقية.

إعلان

بناء الشخصيات الدرامية
سينما ودراما القضاء والمحاكم ليست بجديدة على المشاهدين وإن كانت جديدة نسبياً عربياً. العمل مستوحى من المسلسل الأمريكي Justice، وفق ما قاله مخرج العمل أحمد خالد موسى في لقاء تليفزيوني سابق مشيرًا إلى أن القصص كتبها مؤلف أمريكي وهو ويليام فنكلستاين، حيث أُرسلت له القضايا الحقيقية التي يُنظر فيها داخل المحاكم الإماراتية، حوالي 100 قضية، وقام المؤلف الأمريكي باختيار حوالي 40 قضية من الممكن أن ينالوا إعجاب المشاهد العربي. وأوضح موسى أن فريق العمل حاول ألا يجعل روح العمل غربية، بل سيشعر المشاهد أن المسلسل إماراتي. ومع مشاهدة العمل يمكن ملاحظة الانخراط في حياة القضاء والمحاماة من الحلقة الأولى دون الالتفات لأي أشياء أخرى فمعظم مشاهد العمل دارت بين قاعات المحاكم أو داخل منزل فرح وعائلتها، ولم نشاهد أي شيء عن الحياة داخل الإمارات.

لم يخرج النص الدرامي في نمطيته عن كثير من الأعمال العربية عندما يرسم صورة واحدة فقط عن المجتمع إما مجتمع فقير يغط في المشاكل اليومية أو مجتمع منغلق داخل عالم محاط بأسوار لا نرى فيها سوى المادة والرفاهية

من يشاهد المسلسل، سيلاحظ من الحلقات الأولى أن شخصيات العمل الإماراتية تتحلى دوماً بالقوة ويرتفع داخلها الوازع الأخلاقي الذي يحكم كل أفعالها، مما جعلها نمطية إلي حد كبير، شخصيات ذو بعد واحد. فطوال الـ 18 حلقة، لم نشاهد إماراتياً ضعيفاً، وإن أصابه الضعف فهو يقف شامخاً ويقدم التنازلات بنفسه لا يجبره أحد عليها. في حين أن كل الشرور تأتي من غير الإماراتيين المقيمين داخل الإمارات سواء كانوا عرباً أو إيرانيين أو هنود. لا أريد أن أٌحمًل العمل أكثر من طاقته، فهو مُنتَج درامي اجتماعي قبل جعله عملاً يحمل الكثير من الإسقاطات السياسية، فقد حاولتُ طوال مدة العمل أن أشتت نفسي عن هذه الفكرة لكنها كانت تظهر في كل حلقة. فالعدالة الإماراتية ناجزة للغاية، ومرجع الشرور الذي قد يهدد السِلْم المجتمعي في البلاد يأتي ممن هم أجانب، وإن أتى من قِبل إماراتي - وهذا استثناء- فسوف ينال عقوبته بالتأكيد.

1549264854499-MG_7927-1

منصور الفيلي في دور المحامي محمد حسن

كذلك لم يخرج النص الدرامي في نمطيته عن كثير من الأعمال العربية عندما يرسم صورة واحدة فقط عن المجتمع إما مجتمع فقير يغط في المشاكل اليومية أو مجتمع منغلق داخل عالم محاط بأسوار لا نرى فيها سوى المادة والرفاهية. ولكن نجحت إحدى القصص بالمزج بين هذين العالمين، عندما تورطت والدة فرح في جريمة قتل من أجل الدفاع عن نفسها، وربما تعتبر هذه أفضل القصص خلال العمل لأنها تحمل أبعاد تتعلق بالعلاقة بين الإماراتيين والهنود، وكيف يرى كل طرف الآخر، فبدت القصة أصلية.

صراعات الـ Gender
لم يخلُ المسلسل من إبراز علاقات الرجل والمرأة داخل المجتمع الإماراتي، وإظهار قوة شخصية المرأة الإماراتية من خلال فرح التي قررت الاستقلال عن والدها والعمل بمفردها، ووصل الأمر إلى أنها وقفت تترافع في المحكمة أمام والدها الذي كان محامياً للخصم، وانتصرت فرح في قضيتها. كما أن فرح كانت عقلانية في التعامل مع علاقتها العاطفية بوكيل النيابة خالد (محمد العامري) الذي ظهر في صورة الرجل الشرقي المعتدل إلا أنه غلّبّ عمله على علاقته بفرح في لحظة ما، مما جعلها تدرك أنها لا يمكن أن تكون في علاقة مثل هذه.

إعلان

تنوعت صورة الرجال خلال العمل فظهر نموذج الرجل الشرق التقليدي، الآمر الناهي في كل شيء، وكذلك ظهر نموذج الرجل الشرقي الأكثر انفتاحاً، حيث لم يطغ نموذج على آخر، وحال ظهر نموذج ذكوري متطرف فهو ليس إماراتياً، وهذا ظهر في شخصية الأب الهندي الذي أراد أن يجبر خادمة عائلة فرح أن تعود للهند من أجل الزواج، وهذا النموذج من الرجال كان متطرفاً لدرجة رغبته في قتل ابنته مما اضطر والدة فرح (ملاك الخالدي) لقتله هو وابنه للدفاع عن نفسها وعن ابنته.

1549265423087-

ملاك الخالدي

أحجام الشخصيات الدرامية
أحد عيوب المسلسل الدرامية هو عدم التوازن بين أحجام الأدوار، حيث نجد في بعض الحلقات ظهور شخصية ثانوية ثم اختفاؤها، وبعد فترة تظهر مرة أخرى في دور أكبر. وهنا مثلًا يمكن أن نذكر مثال شخصية الإيراني رضا الذي ظهر في الحلقات الأولى ثم اختفى بعد أن تم الحكم عليه بـ 15 عاماً بسبب اتهامه في جريمة قتل، ومع نهاية العمل تقريباً ظهر مرة أخرى دون مبرر درامي قوي، مما جعل ظهوره غير مستساغ. وقد تكرر هذا الأمر أكثر من مرة خلال العمل مما أفقده قدرًا من إيقاعه. على المستوى الإخراجي، لم يقدم المخرج شيئاً جديداً خلال الحلقات، فمثلًا طوال الـ 18 حلقة كان يستخدم نفس اللقطات الخارجية تقريباً مع تطبيق أسلوب الـ timelapse من أجل الإيهام بحركة الزمن، فتكررت مشاهد ناطحات السحاب كثيرًا، ويمكن ملاحظة أن اللقطة لم تتغير بل كانت هي نفس اللقطة. كذلك مشاهد حركة السيارات أو حركة السفن داخل الخليج العربي. لا أعلم لماذا لم يتحرر المخرج من هذه الحالة لمدة 600 دقيقة تقريباً فلم نشاهد أي معالم أخرى لإمارة أبوظبي سوى دائرة القضاء؟

فاطمة الطائي ومعها منصور الفيلي، أبطال العمل، كانا الأكثر تميزًا على مستوى التمثيل، أما باقي الشخصيات فكانت تؤدي دورها بشكل تقليدي

1549264877336-Farah02-D04-EP05

فاطمة الطائي بدور المحامية فرح

فاطمة الطائي ومعها منصور الفيلي، أبطال العمل، كانا الأكثر تميزًا على مستوى التمثيل، أما باقي الشخصيات فكانت تؤدي دورها بشكل تقليدي لشخصياتهم بدون إضافة لمحة تميز الشخصية. إجمالًا لا أستطيع أن أقول إن أحد الممثلين قد عَلَق أداؤه في ذهني بعد مشاهدة الحلقات، بل أن أكثر ماعلق في ذهني هو موسيقى مقدمة العمل التي ألفها راينر إيرلينجز، فقد مزجت بين حالتين موسيقيتين غربية وشرقية بكلمات خليجية مما جعلها الجزء الأكثر جذباً وجمالاً في العمل.

أكثر ماعلق في ذهني هو موسيقى مقدمة العمل التي ألفها راينر إيرلينجز، فقد مزجت بين حالتين موسيقيتين غربية وشرقية بكلمات خليجية مما جعلها الجزء الأكثر جذباً وجمالاً في العمل

في النهاية لم يكن العمل استثنائياً، خاصة أنه منحني صورة نمطية للغاية عن المجتمع الإماراتي، لم أستطع أن أكتشف مع المسلسل سوى صورة أحادية عن الشعب الإماراتي، في حين شعرت بالاقتراب أكثر من ثقافات مثل الهندية أو الإيرانية رغم أنها لم تكن محور العمل. فالتعددية التي ربما رغب صناع العمل في إبرازها لم تظهر بالشكل الإيجابي بل كانت تعددية تمييزية لا اندماج فيها. لا أعتقد أن المسلسل يمكن أن يمثل أي نقلة في صورة الإمارات، فهي نفس الصورة التي نراها في التقارير التليفزيونية عن الإمارات التي تجسد كل أشكال الرفاهية والتقدم، وحتى مع اقترابنا درامياً من الشخصيات فنحن لم نلمس أي جديد أو فريد على مستوى تركيب الشخصية الإماراتية، وتفسيري لذلك أن الكاتب الأمريكي للمسلسل لم يستطع أن يقدم التركيبة المحلية بتفاصيلها، بل رسم صورة تبدو استشراقية مُختزلة تتعلق بالإمارات التي صارت وجهة لجنسيات مختلفة حول العالم.

1549265320927-

لا شك أن عرض العمل على نيتفلكس جيد باعتباره خطوة مهمة للمسلسلات الاماراتية وفرصة لتقديم أعمال عربية في المستقبل، وخاصة أن "قلب العدالة" ليس المسلسل العربي الأول الذي تعرضه نيتفلكس، فالمسلسل المصري جراند أوتيل تم عرضه ضمن أول المختارات العربية العام الماضي، كما أن مسلسل "طايع" للمخرج عمرو سلامة سوف يتم عرضه شهر مارس المقبل وفق ما كتبه مخرج العمل على صفحته على تويتر.

الصور من ايمج ناشن أبوظبي.