"موسيقى الشارع" تغزو معقل وزارة الداخلية التونسية بعد سنوات من المنع

تصوير حسن العيادي

FYI.

This story is over 5 years old.

موسيقى

"موسيقى الشارع" تغزو معقل وزارة الداخلية التونسية بعد سنوات من المنع

شارع الحبيب بورقيبة تحول بعد الثورة إلى مسرح مفتوح لفرق موسيقية تعزف مباشرة للناس لتعويضهم عن ارتفاع أسعار تذاكر المسرح

خلاف عابر بين معاون أمن بالزي النظامي يحرس شارع الحبيب بورقيبة ومالك السعداني، قائد فرقة جذور الموسيقية، قبل أسبوعين، نتيجة لعزف الفرقة في الشارع وتجمهر الناس حولها. وعلى الرغم من بساطة الخلاف، إلا أن وزارة الداخلية التونسية تدخلت لتعلن أنها لا تلاحق فرق موسيقى الشارع، بل تؤمنها إن اقتضى الأمر، بعد أن أصبحت واحدًا من معالم الشارع الرئيس بالعاصمة التونسية، وعلى عكس أوضاع ما قبل الثورة التونسية في مطلع العام 2011.

إعلان

تتوزع اليوم فرقتان موسيقيتان تعزفان في الشارع، فرقة جذور وفرقة أنصار السلام، إذ أنهما ظلتا قارتين في الشارع الذي يمتد بطول 1.5 كيلومترًا، تنطلق من باب البحر بالمدينة العتيقة وينتهي عند محلات بيع الورود قبل أمتار من محطة قطار الضاحية الشمالية بعد أن اختفت مجموعات عديدة وعازفون اكتسبوا جمهورًا وفيًا لهم، على عكس غيرهم من فرق لم تصمد كثيرًا واختفت في ظروف مماثلة لتلك التي ظهرت خلالها. مجموعات بأكملها اختفت تباعًا، ولم تتمكن من الصمود أمام الملاحقة أمنية أحيانًا ورفض الناس لهم في البداية، والاثنين يلتقيان في اعتبار العزف في الشارع عادة غربية لا تنتمي للثقافة التونسية.

قبل 2011 لم يسبق لشارع الحبيب بورقيبة ان شهد تقديم فرقة موسيقية هاوية لعرضها للناس مباشرة، إذ كان الشارع حكرًا على النشاطات الرسمية، إحياء ذكرى 7 نوفمبر التي كان النظام السابق يحييها باحتفالات فلكلورية تحتل شوارع تونس برمتها، أو عروض افتتاح المهرجانات الدولية، كأيام قرطاج المسرحية، أيام قرطاج السينمائية وحديثا أيام موسيقية.

حصار فرضه نظام زين العابدين بن علي على شارع الحبيب بورقيبة طوال 23 سنة، لرمزية أهم شارع بتونس العاصمة منذ فترة الاستعمار الفرنسي لتونس (1956- 1881) حيث نصبت فرنسا مقر الحماية العامة بالشارع الذي حمل اسم شارع البحرية (Avenue de la Marine)، قبل أن يصبح منذ 1900 حتى الاستقلال 1956 شارع جول فيري ( Avenue Jules-Ferry)؛ ليصبح بعد الاستقلال شارع الحبيب بورقيبة، وتنتصب به وزارة الداخلية التونسية. كسر الاحتكار فشل في مناسبات عديدة، إلى غاية يوم 14 يناير 2011 عندما تجمهر آلاف التونسيين أمام مقر وزارة الداخلية صبيحة يوم انتهى بانهيار نظام بن علي ومغادرته للبلاد، منذ ذلك اليوم بات مقصد المحتجين والمحتفلين والعازفين، وبات إسمه يقتصر على لفظ "L’avenue" أي الشارع باللغة الفرنسية.

إعلان

فرقة جذور تعزف موسيقاها في شارع بورقيبه

من بين من كسر الاحتكار بشير الدبوسي (28 عاماً) عازف الكاجون Cajón في فرقة جذور التي ظهرت في شارع الحبيب سنة 2014، ثلاثة سنوات على الثورة، ولا تزال تعزف هناك رغم حركة أفرادها بين مغادر وملتحق، إلى حين استقرارها على أربعة أفراد، تنتصب مساء كل يوم في شارع لعزف ألوان موسيقية متنوعة. خيار العزف في شارع بورقيبة يدافع عنه البشير أو كما يفضل ان يطلق عليه "باش" بشدة، فهو يقدم الوجه الجميل لتونس، من وجهة نظره، كما يحمل السعادة للناس حيث يتواجدون، بعد أن بات الذهاب إلى المسارح مكلفًا في تونس، إذ يتجاوز سعر التذكرة في أغلب الأحيان عتبة 40 دينارًا تونسيًا (حوالي 18 دولارًا)، وهي تكلفة يصعب توفيرها على من يتقاضي أقل من 400 دينار (حوالي 180 دولارًا) شهريًا، وفق سلم الأجور الذي ينص على أن الأجر الأداني يتراوح بين 360-380 دينارًا، وهو ما دفع بفرقة جذور، وفق بشير، إلى الخروج للشارع والعزف لمن لا يملكون ثمن تذكرة المسرح.

الذهاب إلى الناس وإسعادهم تطغى على "الباش" الذي تعلم العزف بمفرده على الانترنت، بالتزامن مع دراسته الموسيٍقى التي أنهاها والتحق بالعمل مع فرق موسيقية محترفة، غير فرقة جذور، التي يدين لها بالولاء ويرفض مغادرتها. يعود بشير إلى آلاته ليعزف مع فريقه لحن Hasta Siempre Che Guevara أمام عشرات تجمعوا ليحجبوا عن المارة مصدر الموسيقى ويغروهم بالاقتراب أيضًا، للإطلاع عن قرب على سبب رقص شابين وكهل بالشارع في يوم شديد البرودة. تقترب فتاتين حاملتين هواتفهما لالتقاط صور لأعضاء المجموعة، ولكن مع نزول رذاذ المطر، يسارع اعضاء الفرقة إلى حمل آلاته والاحتماء تحت سقف.

أول المحتمين كان مالك السعداني (23 عاماً) قائد الفرقة، الذي لا يزال يتذكر أول مرة له يعزف في الشارع ويقول:"الأمر كان صعبًا ومحرجًا، شعرت بالخوف من الناس، لكني عزفت." خوف تخلص منه طالب الهندسة اختصاص حاسوب وبرمجيات، جعل من العزف في الشارع هواية يخلص لها، لدرجة عدم توقفه عن العزف ليلقي التحية على والده الذي كان من بين الجمهور، رغم أنه لم يلتقي به منذ 3 أشهر. خلال السنوات الثلاثة من عمر الفريق قليل ما تغيب مالك ومن معه عن الشارع، الذي ألزم هو وثلاث عناصر في الفرقة على إن يوقعوا التزامًا بعدم العزف فيه سنة 2015، بعد أن اقتادتهم فرقة أمنية إلى مركز باب البحر بالعاصمة. حدث دفع بنشطاء إلى الاحتجاج والضغط على الحكومة ووزارة الثقافة التونسية لإنهاء حالات المنع المتكرر للفرق الموسيقية من العزف في الشارع.

احتجاج دفع بوزيرة الثقافة حينها سنية مبارك، التي تحمل شهادة الدكتوراه في الموسيقى والتلحين، إلى التحرك بل والذهاب إلى مكان عروض الفرق لتعلمهم أنها والحكومة في صفهم وأنهم لن يسمحوا بتكرار التضييق عليهم. التزمت الحكومات المتعاقبة في تونس بالوعد، فيما علق مالك بأن الحكومة لم تعد قادرة على سلب حق العزف في الشارع الذي تتقاسمه فرقة جذور مع فرقة أنصار السلام، المتكونة من ثلاثة أفراد عزفت بشكل متقطع في الشارع بعد الثورة وباتت منذ 3 سنوات متواجدة فيه.

فرقة أنصار السلام

خيار يقول أسامة الطرابلسي (32 عاماً) (عازف الدف) في فرقة انصار السلام أنه كان وليد الصعوبات التي تواجهها فرقته في توفير مكان للتمرين، فلجوء إلى الشارع لتحقيق غاياتهم وعزف موسيقى صوفية مستوحاة من تجربة ناس الغيوان المغربية. نمط غنائي يجد له جمهور عريض يتجمهر يوميًا أمام المجموعة للاستمتاع بأغانيها سواء الخاصة بها او الخاصة بناس الغيوان وجيل جيلالة، القائم على آلات إيقاعية ووترية هي بالأساس آلة البانجو Banjo. مع نضج التجربة لم يعد التمرين فقط ما يدفع مجموعة أنصار السلام للنزول الى الشارع، بل العزف للعامة او "المفقرين" كما يقول أسامة، هو ما يحركهم الآن؛ فأغانيهم تتحدث عن الهجرة غير النظامية، عن البطالة الفقر التهميش ومواضيع أخرى كانت كافية ليتعرضوا بدورهم للإيقاف في مراكز الأمن.

تجربة الايقاف تعرض لها كل من عزف في شارع الحبيب بورقيبة، كما تجربة الرفض الأولى من قبل المارين، فلا أحد تعود من قبل على أن يكون هناك فرق هاوية تعزف في أحد شوارع تونس، رفض لا يزال مستمرًا من قبل البعض، كما يؤكد نجيب بنمفتاحي (43 عاماً) قائد فرقة أنصار السلام، لكن حدته انخفضت مع الوقت الذي جعل لكلاهما معجبين يبحثون عنهم إن غابوا عن الشارع.