rape and society -01
مجتمع

لماذا لا يصدق الناس أننا تعرضنا للاغتصاب؟

بين التوقعات والإسقاط، يتفتت الدعم الذي يجب أن يتلقاه ضحايا الاغتصاب؛ لأنهما يجعلان المُتلقي محور الحديث، وليس مَن تعرّض للاغتصاب
6.7.20

بعض الأشخاص عندما يسمعون عن شخص تعرض/ت للاغتصاب، يبادرون بإنكاره وتكذيبه. يحدث ذلك بقصد أو بدون قصد، لكنه شائع في كل مرة تم ذكر واقعة اغتصاب فيها. في هذا المقال نُبحر سويًا في أسباب هذا الإنكار أو تكذيب ضحايا الاغتصاب: لماذا لا يصدقهم الناس؟ هناك دوافع تجعل الأشخاص يصدّقون أو يُكذّبون الاغتصاب، أهمها التوقعات والإسقاط الشخصي. ترتبط التوقعات بما يُعتقد أنه رد الفعل "الوحيد" أو "المثالي" على الاغتصاب، كضرورة وجود علامات للمقاومة مثلًا. ويرتبط الإسقاط الشخصي بما يعتقد الفرد أنه سيكون رد فعله لو كان هو/هي مَن تعرضوا للاغتصاب، مثل التكتّم أو الشعور بالخزي أو حتى الحديث العلني عن الواقعة. بين التوقعات والإسقاط، يتفتت الدعم الذي يجب أن يتلقاه ضحايا الاغتصاب؛ لأنهما يجعلان المُتلقي محور الحديث، وليس مَن تعرّض/ت للاغتصاب. السؤال الآن: هل هناك رد فعل مثالي على الاغتصاب؟

إعلان

المقاومة كدليل
هناك اعتقاد شائع أن دليل حدوث الاغتصاب هو علامات مقاومة تظهر على أجسام الضحايا، كآثار عنف مبرح أو نزيف. هذا الاعتقاد خاطئ. أحيان كثيرة يكون الاعتداء تحت تهديد السلاح، أو حدث بعد تناول عقاقير مُخدّرة، أو كحوليات، ما يجعل الضحايا غير واعين/ات بالاغتصاب أو غير قادرات/ين على المقاومة. وضع المقاومة كشرط إثبات للاغتصاب خصوصًا في القوانين، يجعل إثباته صعبًا إن لم يقاوم الضحايا لأي سبب، كالخوف أو التهديد أو فقدان الوعي، أو كان الاغتصاب صادر من شركاء حميميون. كما أنه يُنفي دور الصدمة التي يختبرها الضحايا أثناء الاعتداء والتي تجعلهم/ن غير قادرين/ات على مجرد الحركة للهروب. يُصاب الأغلبية بشيء يشبه الشلل الحركي، فلا يقومون بإبداء ردة فعّل من هول الموقف، أو الشعور بالانفصال عن الجسم والخروج منه، كأنهم/نّ يشاهدون شخصًا آخر يتعرّض للاغتصاب ولا يقدرنّ/ون على نجدته. يتم استخدام المقاومة في تكذيب وتصديق الاغتصاب من منظور أخلاقي وقيمي. فيُقال أن المُعتدى عليهم/ن لم يقاوموا/ن لأنهم/ن استمتعوا/ن جنسيًا.

الخزي
يُتوقّع من المتعرضات/ين للاغتصاب أن يشعروا بالخزي والعار، وأن يتكتمنّ/وا على الواقعة لأنها توصمهن/م بدلًا من الجناة. لكن هناك أشخاصًا لا يعتقدون أن الاغتصاب سببًا للخزي أو لا يقومون بأفعال توحي به، وتراهم الأغلبية بعين التشكك والتكذيب بناء على ذلك. بعض هؤلاء يشعرون حقيقًة أنه لا سبب للخزي أو لا داعٍ للتعبير عن الشعور بالخزي، وبعضهم/نّ لا يفعلون أشياء توحي بشعورهم/نّ بالخزي بسبب الصدمة الناتجة عن الاعتداء، ما يُعرف بالانفصال عن الواقع (Detachment).

الصدمة
يُصاب أغلب المُتعرضون/ات للاغتصاب باضطراب كرب ما بعد الصدمة (PTSD) ومراحله التي تتضمن الإنكار كحيلة دفاعيّة نفسيّة، منها إنكار حدوث اغتصاب من الأساس، ومنها لوم النفس على التعرّض للاغتصاب. عبارات مثل: أنا السبب. أنا مَن سمحت له بدخول منزلي. أنا أكثرتُ في الكحول. ملابسي شجّعته. لم أقاومه بالقدر الكافي. وغيرها من العبارات تتردد في أذهانهن/م لُمعادلة شعور الاستباحة الخارجي. كأنهن/م يحمّلن/ون أنفسهن/م جزء من مسؤولية الاغتصاب ليقاومن/ون شعور الانتهاك. كرب ما بعد الصدمة قد يتمثّل في محاولات انفصال عن الواقع (Detachment) والتي عادة لا يظهر فيها علامات الصدمة على الأشخاص ويقوم العقل اللاواعي بالإنكار أو بالتكيّف مع الانتهاك كأنه أمر عادٍ. في حالة الانفصال، لا يتم التعامل مع ضحايا الاغتصاب بجديّة كافية. حيث يُتوقّع منهن/م إبداء الشعور بالألم، أو بالحزن، أو بالضعف أو بالانكسار، في نفس الوقت الذي لا يظهر عليهن/م أي من تلك المشاعر.

إعلان

اللجوء للشرطة
يعتبر البعض أن لجوء الضحايا للشرطة أمر حتمي لإثبات الاغتصاب، وإن لم يحدث ذلك يتهمونهن/م بتلفيق الواقعة. هذا التوقع يُجرّد ناجين/ناجيات الاغتصاب من أهليتهم/ن ومن أحقيتهم/ن في اتخاذ القرار الأنسب لهم/ن. هناك عدة أسباب قد تدفع بالأشخاص بعيدًا عن إجراءات الإبلاغ والتقاضي، منها ألّا يكون الاغتصاب حديثًا (ولم يبوح به الشخص/ة بسبب الصدمة أو الخوف)، ما يجعل إثباته صعبًا وسط دلائل تعتمد في الأساس على العلامات الحديثة بالأخص العلامات الجسدية الظاهرة والتي لا تكون موجودة في كل الحالات كما ذكرنا سابقًا. ومنها أن يكون الشخص واعيًا/ة بعدم قدرته/ا على المواجهة أو أن تكون إجراءات الإبلاغ والتقاضي غير موّفرة لحماية أمنهم وسلامتهم من مُعتدين يسعوا للانتقام. كما أن الاغتصاب قد يحدث لأشخاص ذوي/ذوات هويات جندرية وميول جنسية غير نمطية، وقد يُشكّل الإبلاغ خطرًا عليهم/ن خاصة في البلدان التي تُجرّم قوانينها تلك الهويات والميول. أو يحدث من فرد من العائلة ويكون من الصعب ملاحقته قضائيًا بسبب علاقة القرابة. كما أن هناك أشخاص لا يلجئون للشرطة لتجنّب الوصم المُحيط بالاغتصاب.

السؤال: هل كان ذلك اغتصابًا؟

هذا هو السؤال الأول الذي نواجهه إن تعرضنا لأي اعتداء جنسي، وللإجابة يُمكننا أن نستخدم الدلالات التالية:

1- إن حدث ذلك دون موافقة صريحة ومباشرة، فهو اغتصاب.

2- إن بدا عليكم/نّ عدم الراحة واستكمل الطرف/الأطراف الأخرى أي فعل جنسي، فهو اغتصاب.

3- إن كان رفضك صريح، فهو اغتصاب.

4- إن وافقت تحت ضغط وإلحاح، فهو اغتصاب.

5- إن حدث أثناء غياب وعي كامل أو مؤقت، فهو اغتصاب.

6- إن حدث تحت تأثير الكحول ولم يكُن هناك اتفاق صريح قبلها بممارسة الجنس أو تم سحبه أو تم إبداء علامات عدم الارتياح، فهو اغتصاب.

إعلان

7- إن وافقت، ثم تراجعت عن الموافقة، فهو اغتصاب.

8- إن وافقت قبل ذلك، ولم توافق/ين هذه المرة فقط، فهو اغتصاب.

9- إن كنتم/نّ غير قادرين/ات على الرفض بسبب سلطة المعتدي أو الخوف من تبعات الرفض على أمنكم/نّ وسلامتكم/نّ أو وظيفتكم/نّ أو وضعكم/نّ الاجتماعي، فهو اغتصاب.

10- إن كان المُتعرضون/ات للاغتصاب أشخاص دون السن، أو لا يتمتعنّ/ون بالأهلية العقلية والقانونية، فهو اغتصاب.

ماذا نفعل لو تعرّضنا للاغتصاب؟

لا يوجد رد فعل مثالي على التعرّض للاغتصاب. هناك أشخاص يقاومون، وآخرون لا. هناك مَن يلجأ للشرطة، وهناك مَن لا يلجأ للشرطة. هناك مَن يتحدث بعلانية، وهناك مَن يتكتّم على الأمر. هناك مَن يعلن فورًا، وهناك مَن يُعلن بعد سنوات. جميعها أفعال شخصية ونسبية تمامًا، وليس فيها جواب صحيح وآخر خاطئ. إن تعرضنا للاغتصاب، قد لا نعرف كيف نتصرف، لمَن نلجأ، كيف نقول أو لا نقول، كيف نواجه أو لا نواجه، ماذا نشعر بالتحديد، وإلى أي مدى يُمكن للواقعة التأثير علينا، هذا لا نعرف جوابه إلا إن اختبرنا الموقف. لذلك، لا يجب أن نقوم بإسقاط شخصي على أخريات/آخرين تعرضنّ/وا للاغتصاب، لأن في هذا الموقف بالذات، لا أحد يعرف ماذا سيفعل. على الرغم من ذلك، هنا نقدّم لكنّ/لكم بعض من الأفكار نتمنى ألا تحتاجون إليها أبدًا.

ماذا نفعل بعد الاغتصاب؟

1- التواصل مع أشخاص تثقون بهم/نّ وأخبروهم/نّ أنكم/نّ تحتاجون لمساعدة طارئة وعاجلة.

2- إن قررتم/نّ ألا تخبروا/نّ أحد، فلا بأس. الأهم هو الفحص الطبي.

3- التوجُّه فورًا للفحص الطبي وإجراء التحاليل، تجنبًا لانتقال أي عدوى جنسية أو إيقافًا لنزيف/حمل محتمل.

4- إن قررتم/نّ الإبلاغ، فلا داعٍ للاستحمام أو تغيير الملابس، لأنها تستخدم كأدلة يُمكن التوصّل منها للجناة.

إعلان

5- إن قررتم/نّ عدم الإبلاغ، هذا حقكم/نّ.

6- إن حدث الاغتصاب في منزلكم/نّ، قد تودّون الإقامة لدى أشخاص محل ثقة. إن لم يكُن ذلك مُتاحًا، يُمكنم/نّ استخدام غرفة أخرى غير التي حدث بها الاعتداء.

7- إن كان المعتدون من أفراد الأسرة وقررتم/نّ الحكي أو الإبلاغ، اتخذوا/اتخذنّ احتياطات إضافية، كاللجوء إلى فرد/أفراد من الأسرة يمكنهم/نّ تقديم الدعم دون ضغط وبلا شروط. إن لم يكُن، قد تجدون أشخاص مقربين/مقربات يمكن الوثوق بهم/نّ، كالأصدقاء أو الأطباء النفسيين، أو مُحامين/ات، أو مراكز دعم ضحايا العنف.

8- إن حدث الاغتصاب قبل سنوات وكان القرار وقتها عدم الإفصاح ثم قررتم/نّ الإبلاغ أو الحكي لاحقًا، هذا حقكم/نّ.

9- النقاط السابقة تنطبق على جميع الأفراد المُتعرضين/ات للاغتصاب، سواء كانوا رجالًا، أو نساء، أو أشخاص ذوي/ذوات هويات جندرية وميول جنسية غير نمطية.

ماذا نتوقّع بعد الاغتصاب؟

1- صدمة نفسية: يُصاب الغالبية باضطراب كرب ما بعد الصدمة، وقد يتم تحفيز اضطرابات عقلية أخرى كالاكتئاب أو القلق المرضي أو اضطرابات الأكل والنوم وغيرها. قد تُسبب الصدمة تشوّش في الذاكرة، كأن نفقد القدرة على تذكّر تفاصيل الواقعة، أو تواجهنا مشكلات في التذكّر بوجه عام. نُرجح التواصل مع طبيب/ة نفسية. بعضنا يجد الانضمام لمجموعات دعم نفسي وسيلة جيدة للتعاطي مع الآثار النفسية والجسدية للاغتصاب.

2- أعراض جسدية: قد يُصاحب الألم النفسي أعراض جسدية، كالشد العضلي أو فقدان الرغبة الجنسية، الصداع، الرعشة، والتغيير المفاجئ في الوزن، وعدم القدرة على التركيز والعمل.

3- التحفيز: قد يُمثل الوجود في مكان الاعتداء، أو الحديث عنه، أو التواجد في محيط المعتدي، أو مشاهدة محتوٍ عنيف أو شبيه بظروف الواقعة، محفّزات قويّة لاستثارة مشاعر الألم والغضب للناجين/الناجيات. نُرجح تجنب المحفزات قدر المستطاع، والانتباه لردود أفعالنا تجاهها كالتنفس السريع أو ضيق التنفس أو بوادر نوبات هلع.

إعلان

4- اللوم: أغلبنا نلوم أنفسنا على حدوث الاغتصاب، ونضع أنفسنا موضع الشريك في الجريمة. هذا أمر طبيعي. عند الشعور باللوم أو الخزي، نُرجّح أن نتذكّر أننا لم نُساهم بأي شكل في حدوث الاعتداء. لا ملابسنا، لا سلوكياتنا، لا تواجدنا في مكان الاعتداء، لا القبول المبدئي ولا الرفض الضمني، ولا الوثوق في الجناة مُبررات للاغتصاب. المُلام الوحيد في الاغتصاب هو الجاني/الجناة.

5- الخزي: يُحيط الخزي بالاغتصاب إن كان المُتعرّض له رجُلًا مُغايرًا (Heterosexual) بسبب فكرة مغلوطة أن الاغتصاب لا يحدث إلا للنساء. لكن في الحقيقة، الاغتصاب فعل إذلال إنساني نتعرض له جميعًا. يتعرض له البعض أكثر بسبب هوياتهم/نّ الجندرية أو ميولهم/نّ الجنسية أو العمر، لكنه مازال خطرًا يُهدد الجميع. فالاغتصاب هدفه الإذلال وانتهاك كرامة الإنسان، وهو فعل عنيف قد نتعرّض له مهما كانت هويتنا الاجتماعية أو ميولنا الجنسية. المغتصبون أشخاص يسعون لممارسة سلطة على أجسامنا. يحاولون إثبات أنهم أقوى وذوي نفوذ على الآخرين/ات. في سياقات كثيرة كالحروب أو التنكيل السياسي، يتم استخدام الاغتصاب كوسيلة تحقير وإذلال بانتهاك ذو طابع جنسي يستهدف السلامة الجسدية والكرامة الإنسانية كأقصى درجات العقاب. نحنُ نكبّر على أن أجسامنا هي أغلى ما لدينا، وبالتالي يحاول المغتصبون استخدام أجسامنا ضدنا. يدفعوننا للشعور بالخزي منها، وبإخفائها واعتبارها سببًا في انتهاك كرامتنا. في حين أن السبب الأول والأخير هو المغتصبون والمناخ الذي يسمح لهم بتنفيذ جرائمهم.

6- الأنشطة التدميرية: قد ينخرط بعضنا في أنشطة تُعد مُدمرة للذات، كتناول المخدرات، الإفراط في الكحول، أو الهوس المرضي بممارسة الجنس. نُرجّح مناقشة تلك الأنشطة في جلسات الدعم النفسي.

7- ممارسة الجنس مع المغتصب: قد يُمارس بعضنا الجنس مع المعتدي بعد وقوع الاعتداء لمعادلة شعور الألم والاستباحة. تلك حيلة دفاعية يُعتقد أنها تساعد على تجاوز الاغتصاب. هذا مفهوم تمامًا. ولا يجب أن يشعر أيًا منّا بالعار تجاه ذلك. من المهم فهم دوافعنا الحقيقية للانخراط في ممارسات جنسية مع أشخاص سبق وانتهكونا جنسيًا؛ لأنها غالبًا تكون مرتبطة بفعل الاعتداء ولا تنفصل عنه.

8- الاستهداف: قد يُساور بعضنا الشعور بالاستهداف إن تعرّضنا للاغتصاب ونحنُ ذوي/ذوات هويات جندرية وميول جنسية غير نمطية. هذا الشعور حقيقي ومؤلم ولا يُمكن لأي شخص إنكاره. بعض المُعتدين يستهدفوننا لأنهم بشكل أو بآخر يضمنون الإفلات من العقاب والمُساءلة مُعتمدين في ذلك على الوصم المجتمعي لهوياتنا وميولنا الجنسية. لو افترضنا أن رجل مثلي استخدم موقع إلكتروني لمواعدة رجل مثلي آخر وقام الأخير باغتصابه، فقد يكون المغتصب مدفوعًا بخوف الشخص الأول من الإفصاح عن الجريمة بسبب ميله الجنسي. فالميل الجنسي هنا ليس سببًا للاغتصاب أو مُبرر له، إنما تم استخدامه لاستهداف الشخص الأول بجريمة الاغتصاب.

9- التجاوز: نحنُ نفعل كل شيء لتجاوز صدمة الاعتداء، لكنها عادة ما تعود إلينا أكثر توحشًا، بداية من أحلامنا وحتى كل تفصيلة في حياتنا اليومية وعلاقاتنا بالآخرين/ات. إنها ترسم لنا خطوطًا لما يُمكن أن تكون عليه حياتنا، لنظرتنا للأمور ولأنفسنا وللمُحيطين/ات بنا. نحنُ لا نتجاوز الاغتصاب، وسيظل صدمة قويّة وحادث مؤلم بالنسبة إلينا. إنما يُمكننا التعايش مع تلك الصدمة بمحاولة فهمها وإعادة توجيه أنفسنا لخطوط نحنُ نرسمها. ولا بأس إن خرجنا عن هذه الخطوط. كما قُلنا ونُعيد: ليس هناك فعل صحيح وآخر خاطئ. إنما جميعها محاولات للنجاة بالنفس والتعاطي مع موقف مُعّقد كالإغتصاب.