أخبار

سارقو البنوك أبطال في نظر بعض الأردنيين

الحرامي مش فاسد، الحرامي محتاج
28.7.19
universal_inside-man_34591799
Inside Man/Universal Studios

أن تثير الجريمة رعباً في نفوس الأشخاص، هو أمر طبيعي، أما أن تثير نوعا من النشوة المصحوبة بالحماس وضرب التحية للمجرم، فهذا صعب التصديق. عمليتا سطو مسلح على بنكين مختلفين في نفس الأسبوع، سرق من أحدها مبلغ يقدر بـ98 ألف دينار (138 ألف دولار) والثاني ما يقارب السبعين ألف دينار، كانتا كفيلتين لإرباك الرأي العام في الأردن طيلة الأسبوع الماضي.

إعلان

ولكن على عكس ردة الفعل المتوقعة والرافضة لهذه الجرائم، كان هناك نوع من الاحتفاء بهؤلاء السارقين مما عزاه البعض الى الأوضاع الاقتصادية الحالية. وقد رفعت الحكومة الضرائب على العديد من السلع ومشتقات النفط، وأزالت الدعم عن الخبز، وهو ما سيرفع أسعاره بنسبة تتراوح بين 60 و100٪، ووجهت الدعم لمن أطلقت عليهم لقب "المستحقين" -من لا يتجاوز دخلهم السنوي 8 الآف دولار. ويأتي إنهاء دعم الخبز ضمن حزمة إصلاحات تشمل زيادات في الضرائب بتوجيه من صندوق النقد الدولي يقول إنها أساسية لخفض الدين العام وتنشيط الاقتصاد.

المضحك أن الأمن العام الأردني أخذ موضوع "الاعجاب" بمنفذي عملية السطو جدياً، وتم إصدار قرار برصد المنشورات التي تحيي وتحتفي بالمجرمين ومعاقبة المخالفين على وسائل التواصل الاجتماعي، ولم يتم تحديد العقوبة بعد. وبرغم هذا قرر العديد من الأشخاص عدم الاكتراث، وعمت حالة من اللامبالاة أرجاء العاصمة عَمان. العديد من الناس وقفوا مع السارق ضد البنك الذي يراه الكثير كمؤسسة رأسمالية تستنزف حياتهم، في الوقت الذي يعيش معظم الشعب على الدين من شهر لشهر، مع ارتفاع نسب الفقر والبطالة (حيث يعيش حوالي 15% من عدد السكان البالغ 9 مليون تحت خط الفقر، فيما وصلت نسب البطالة لحوالي 18.8%).

وفيما أعلنت الشرطة الأردنية القبض على السارقين بوقت قياسي (شكراً للكاميرات)، لم يكن الجميع سعيداً بذلك. مريم، 30، موظفة في دائرة حكومية هي واحدة من العديد من المتعاطفين مع سارقي البنوك وتقول: "أقول لمنفذي عملية السطو، لا تزعلوا ولا تخافوا. أنتم أشرف من الفاسدين الآخرين. أنا أتعاطف طبعا معهم. وضع البلد مزري." عمر، 27 عاماً، محاسب في شركة سياحية يرى أن الموضوع من وجهة نظر "الروبن هودية": "أنا أشعر بالارتياح من هذه السرقات، لأنني مدرك تماما أن الشعب لا يريد إيذاء بعضه البعض و لكنه يريد أن يشعر بالمساواة، فلا نرى طبقة غنية جداً وأخرى فقيرة جداً. وهذا برأيي هو ما دفع هؤلاء الى اقتحام البنك لسرقته عوضاً عن سرقة أي شيء آخر."

تحتل الأردن المركز الثالث بين ثماني دول عربية من حيث معدلات الفساد، بحسب استطلاع لمنظمة الشفافية الدولية، فيما يرى 75% من الشعب الأردني أن الفساد في ازدياد مستمر

آخرين ربطوا بين السرقة "الصغيرة" والفساد "الكبير." محمد 27 عاماً، نادل يقول: "حكومة لا ترحم، ولا تجعل رحمة الله تنزل على أحد. بغض النظر إذا كان فعل الحرامية صح ولا غلط. الحكومة هي الملامة أولا وأخيرا. الحرامي مش فاسد، الحرامي محتاج. والفاسدين هم من يأخذون أموالنا من تحت الطاولة." خالد، 29 عاماً، والذي يعمل في التجارة الحرة يتفق مع محمد ويقول: "أنه لو أن صاحب منصب هو من سرق تلك الأموال، لكان الآن ينام آمناً في منزله، دون أن تطاله الحكومة ولا الأمن."

أما رغدة، 23، طالبة جامعية، فتقول: "لم يبقى لنا متنفس. لو الأمن كان يسهر على محاربة الفساد والفاسدين، عوضاً عن الجائعين، لكنا في وضع أفضل." ميساء، 39، موظفة تقول أنه سبب تضارب المعايير عند البعض يرجع لعدم قدرة الحكومة على توفير الحاجات الاساسية للشعب: "لم يصل الشعب لهذه المرحلة من السذاجة في تقييم الواقع، إلا لأنه وصل مرحلة صعبة جدا تتلخص في عدم القدرة على توفير الاحتياجات الأساسية للعيش الكريم." وتحتل الأردن المركز الثالث بين ثماني دول عربية من حيث معدلات الفساد، بحسب استطلاع لمنظمة الشفافية الدولية، فيما يرى 75% من الشعب الأردني أن الفساد في ازدياد مستمر بحسب احصائيات المنظمة.

لميا أخصائية اجتماعية، والتي فضلت أن نطلق اسماً مستعاراً لها، وهذا بسبب التضييقات والتشديدات الأمنية التي حالت دون حرية الشعب في التحدث عن موضوع عمليات السطو، لما اعُتبر تحريض على الجريمة،" توضح أن سبب تعاطف كثير من الأردنيين مع هؤلاء المجرمين يرجع لعدة أسباب: "يعيش الشارع الأردني حالة من الضجر والتشتت، وعدم وضوح المستقبل، ولهذا قد يعتبر الكثيرون أن متنفسهم للتعبير عن سخطهم وغضبهم تجاه الأزمات الاقتصادية التي يمرون بها جاءت عن طريق الحرامي (السارق) الذي نفس عن ما يكمن داخلهم. و فكرة أن ما سرق هو بنك، ليس شخصا محدداً، جعل الناس تشعر بحالة من الارتياح بل وحالة من التأييد نظرا لأن ما تم سرقته هو مكان يمثل بالنسبة لهم مقرا للأموال التي لا نهاية لها."

غياب القدوة في مجتمعنا له علاقة، بجعل السارق بطلاً اذن، توافق الاخصائية لميا على ذلك وتقول: "طبعاً، فقد وصل الناس لمرحلة من التخدير حتى أصبحوا غير قادرين على الحراك، أو رفض القرارات الصادرة عن الحكومة. غياب القدوة هنا، يعني غياب ذلك الشخص الذي يقف في وجه أصحاب القرار، يعني غياب البطل الحقيقي صاحب الانجازات. ولهذا انعكست صورة البطل على السارق، الذي بنظر الكثيرين عبر عن الرفض المجتمعي للقرارات الاقتصادية السائدة."

وفي ظل كل تلك "الميمعة" كان رأي الحكومة متمثلة برئيس الوزراء هاني الملقي مختلف تماماً، والذي قال إنه "مافي مسخميين أردنيين، والجميع بخير" أمام مجموعة من النواب، خلال حديث جانبي أجراه تحت القبة. وكلمة "مسخم" في اللهجة الأردنية تعني الشخص الذي يشقى في حياته. رأي بعض النواب في البرلمان الأردني، كان مختلفا بعض الشيء عن سابقهم. فقد أعزى الكثيرون سبب حالات السطو المسلح الأخيرة إلى نسبتي الفقر والبطالة التي بات من المستحيل غض الطرف عنهما. وقالت وفاء بني مصطفى، نائبة في البرلمان "أن التضييق على الناس له كلف اجتماعية وأمنية، وهذا ما كنا دائما نحذر منه. القرارات الاقتصادية ليست بمعزل عن النظام الاجتماعي." أما النائب إبراهيم بني هاني فقال: "عندما ترتفع الأسعار، سيصبح هناك فقر ولن توجد قوة شرائية، وهذا سيؤدي لتداعيات اجتماعية خطيرة منها السرقات و الخناقات."