ال

البحر الأحمر، جدة. جميع الصورة مقدمة من بوابة السعودية

ثقافة

بوابة السعودية: مبادرة ثقافية تسعى لتغيير الصورة النمطية للمملكة

غالبية ما يُقَدمُ عن المملكة في الإعلامِ إمّا سَلبي، أو مُتحيز، أو غير دقيق
9.10.19

أخبار كثيرة تخرج من السعودية في الآونة الأخيرة، فبعد السماح للنساء بقيادة السيارة وبعدها السفر دون ولي أمر والترخيص بإقامة حفلات موسيقية وافتتاح دور سينما، تسعى الرياض الآن لتشجيع السياحة الخارجية إلى السعودية. مؤخراً، أعلنت المملكة عن فتح أبوابها أمام السياح الأجانب للمرة الأولى، والسماح للأزواج لأجانب الحجز في الفنادق دون الحاجة إلى إثبات العلاقة. ومنذ الإعلان عن الفيزا السياحية الفورية، قام بزيارة المملكة 24 ألف سائح أجنبي خلال 10 أيام فقط بحسب وزارة الخارجية السعودية. إنعاش قطاع السياحة هو جزءا من رؤية 2030 السعودية التي أُطلقت قبل حوالي ثلاث سنوات وتسعى لتقليل الاعتماد على النفط وتنويع مصادر الدخل. ولكن هل يمكن تغيير الصورة المرتبطة بالسعودية المعروفة بالتشدد الديني والفصل بين الجنسين؟ بوابة السعودية Gateway KSA هي مبادرة تبادل ثقافي تأسست العام الماضي وهي تركز على التعليمِ من خلال السّفر، حيث يتم دعوة طلّابَ وقادةَ من جميع أنحاء العالم للمشاركةِ في برنامج من تسعةِ أيام لتعريفهم على السعودية عن قرب. تحدثنا مع الاسترالية-الهولندية نيليك كيسبيل، المؤسسة والرئيسة التنفيذية لبواية السعودية عن برامجهم الحالية وكيف يحولون تغيير الصورة النمطية عن السعودية.

1570530310849-nell

نيليك كيسبيل.

VICE عربية: بداية، هل بوابةِ السعودية مؤسسة حكوميّة؟
نيليك كيسبيل: نحنُ مؤسسة غيرُ حكومية، ولكننا نتلقى دعم من شَرِكاتٍ محليّة تملكها الدولة، لكن لا يعني ذلك أننا لا نستطيعُ الاستقلالَ في نشاطنا، ففي مؤسستنا، لا يعمل أيُّ مسؤولٍ حُكومي. أنا غيرُ سعودية؛ وبالطبعِ لا أَمْلِكُ أيَّ خُطّةٍ سياسية لهذا البلد، وهو ما كان واحداً من الأسبابِ الرئيسية التي دفعتني لبناءِ مؤسسة البَوّابة GatewayKSA. فقد شَعَرْتُ أن السعوديينَ يستحِقون امتلاكَ مِنصة، غيرِ مُتَحَيزة، وذاتَ مصداقية، يمْكنهم عَبْرَها مشاركةَ قصتهم. يوجد في العالم العديدُ مِنَ المؤسسات غيرِ الهادفةِ للربح التي يدعمها تمويلٌ محلّي أو حكومي أو فيدرالي، لكنها تتصرف بحُريّة. وفي حين أننا لا نتلقى أيّ تمويل مباشر من الحكومة، يجبُ أن يأتي التمويلُ / الدعمُ من مكانٍ آخرَ، وإلا لن نتمكَّنَ من أداء عملنا المُهمِّ.

يركز عمل بوابة السعودية على جلب طلاب ومؤثرين في شبكاتِ التَّواصُل الاجتماعي من جميعِ أنحاء العالم إلى المملكة. كيف يتم اختيارهم؟
يتم إختيار الطلابُ بناءً على نظامِ درجاتٍ يتضمن معايير مختلفة كقُدراتهم القيادية، وشبكاتهم، وانخراطِهم في أنشطةٍ وجماعاتٍ غير مدرسية … إلخ، إضافة إلى معرفتهم بالمنطقة والمملَكة، ومدى اهتمامهم بالتفاعُلِ والتَّعَلُّم. ونحن نُفَضِّل في الواقع اختيارَ الطلاب الذين لديهم منظور سلبي عن البلاد كي يأتوا ويتعرفوا على السعودية بأنفسهم. كانتِ المجموعةُ الأولى من المُؤْثِرِينَ الذين استهدفناهم من المؤثرين في مجال السفر، أَرَدْنا إعطائهم الفرصة لزيارةِ أماكن كان من الصعب زيارتها لولا ذلك. ومنذُ ذلكَ الحين، تواصل معنا آخرين عبر حساباتِ مواقع التواصُل الاجتماعي، وأصبحَ لدينا عددٌ من مُؤْثِرِي السَّفَر المتفاعلينَ والمتابعين. في الوقت الحالي، تركِيزنا هو على على المُؤْثِرِينَ ممَّن لا يقتَصِر قدومُهم على التقاطِ بعض الصور، بل من لديهم القدرة على روايةِ قِصّةٍ ما، والتفاعل بحقٍّ مع الأهالي، وتعلُّم شيءٍ جديد عن الثقافة.

1570626178895-moa-6315-1

صخرة الفيل، العُلا.

دعينا نتحدَّثْ عن الرحلات التي تقومون بتنظيمها، هل هي مجانيّة؟ وما الوجهاتُ التي تختارونها؟
تُغَطِّي بوابةُ السعودية مصاريفَ السفر عبر دعم المُمولين لتكلفةِ السفر. ولكننا لم ندفع لأيّ مُؤْثر لأجل الزيارة، وهي قاعدةٌ بدون أي استثناءات. نحن لا نُؤْمِن بدفع المال لأجل "التأثير" ونريد أن تكون تجربتهم أصيلةً وحقيقية، كما أننا لا نُوجِّهُهم فيما يشاركون أو يقولون؛ هم أحرارٌ تماماً في مشاركةِ أيِّ تجربةٍ سيئةٍ يَمُرُّونَ بها. مدة السَّفَر هي ثلاثةُ أيام تضم زيارات للرياض، وجدة، والعُلا، والدمام، وأَبْها وغيرها. كما أننا نُيَسِّرُ للمُؤْثِرين التفاعل مع الأهالي في كلِّ منطقةٍ، إمّا عَبْرَ احتساءِ القهوة مع طُلّاب وشبابٍ مثلهم، أو تناول العشاءِ في مَنْزلٍ عائلي، أو الدخول في نقاشاتٍ رسميّة مع قادةٍ من الحكومة أو الكِيانات التِّجارية. وكذلك نوفر لهم الوقت الكافي لأجل رُؤيةِ المواقع، وصنع المحتوى، وزيارة مواقعِ التُّراثِ العالمي، والاستمتاع بتجربةِ السَّفارِي في الصحراء والغَوْص في البحر الأحمر، واختبار أشكالِ الضيافة المتنوِّعة، والعرف عن قرب على ثقافةِ كلِّ منطقةٍ يزورونها.

1570529637500-KSA4

وادي لجب، جازان.

ما هي صُورةُ المملكة التي تَطْمَحُونَ إلى تغييرها عَبْرَ الجَمْعِ بين السفر والتعليم؟
الأمر يتعلّق ببشرٍ حَقيقِينَ ذوِي خبراتٍ حقيقيّة يرغبون بالتعرف على المملكة وثقافتها من خلال الحديث مع الأهالي والاستماعِ لقصصهم، ومشاركتهم خبراتهم. في هذه الحواراتِ الصريحةِ تسقط الجُدْران(من الجانبين)، ويتواصل الناس على مستوىً إنسانيٍّ. غالبية ما يُقَدمُ عن المملكة في الإعلامِ إمّا سَلْبي، أو مُتَحَيز، أو غيرُ دقيق. ونحن نريد ببساطةٍ إبرازَ أنَّ هناك جانباً آخرَ للمملكة، جانب مُتنوع وثري من الناحيةِ الثقافية، بالإضافة إلى أنه مِضْياف وَوَدُود. وبالطبعِ نريدُ إبرازَ جمال البلد الطبيعي.

ما هي الصورةُ النَّمَطِيّة عن المملكة التي يَحْمِلُها المشاركونَ قبل الزيارة؟ وما هي انطباعُاتهم بعدها؟
هناك العديدُ من الصور النمطيّة عن النساء، والنفط، والدين، والأيديولوجيا. وكلُّ ذلك نتناولُه خلال جلساتُ مناقشةٍ مع مُخصِّصِينَ يتحدثون في كلِّ موضوع. وحتى اليوم، تظهر البيانات التي نجمعُها بعد كل رحلةٍ أن كل زُوّارنا قد غادروا بانطباعٍ وتَوَجُّهٍ أكثرَ إيجابية ناحية المملكة.

1570529726318-KSA2

السوق في منطقة البلد التاريخية في جدة.

بالنسبة لك، ما هي السعودية التي لا نَعْلَم عنها شيئاً؟
ينظرُ العديدُ من الناس إلى السعودية باعتبارِها بلد غامض. وغالباً ما يتم تصنيفها من وجهاتِ السّفر الخطِرة والتي لا ترحب بالسياح. لكن ما تكشف لي عن السعودية عبر زيارتها، واختبارها مباشرةً أراني بلداً شعبُها ودودٌ ومِضْيافٌ وحريصٌ على أنْ يُسْمَع. السعودية بلدٌ ذات ثقافاتٍ فرعية عديدة، لكلِّ تراثها وجمالها وبها العديدُ من المشاهِد المتنوِّعة. لم أشعر أبداً بالخَطَرِ في السعودية؛ وذلك رغم كَوْنِي امرأةً غربيّة شابّة. لكن، ربَّما الأكثر أهميّةً هو حجم الأمور المشتركة بيننا عَبْرَ إدراكنا للثقافة الشعبية. فالشباب في السعودية، كما في العالم، يستخدمون إنستغرام ويستمعون إلى دريك ويشاهدون نيتفليكس ويَلْتَقُونَ بأصدقائهم لاحتساءِ القهوةِ في ستاربكس.

قد يقولُ أحدُهم: العالمَ مليءٌ بالأماكن التي يُمْكِنُ زيارتُها؛ فلماذا يأتي إلى السعودية؟ ما الذي يُمَيِّزُها؟
ثقافتُها النابضة، وكرمُ ضيافة أهلها، بلا شكّ. نعم، الثقافةُ مختلفةٌ للغاية عن ثقافتنا، لكنها مُتَفَردة. أظن أن العديد من بُلدانِ الشرق الأوسط قد فقدتْ هُوِيَّتَها الثقافية، وغالباً تُرِيدُ إعادةَ تشكيلها الآن تشكيلاً زائفاً؛ لأجل السياحة. لكن السعودية ليستْ كذلك؛ فهي حقيقية وغَضّة. لقد سافرتُ إلى أكثرَ من خمسٍ وثمانينَ دولةً حول العالم، ولم يستقبلني أحدٌ أبداً بهذا الدِّفْءِ الذي أَجِدُه كل مرة أزور فيها السعودية، حتى من الغرباءِ. لكن مرة أخرى، يَجِبُ أن تفهمَ أن ذلكَ شيءٌ مُتَأَصِّلٌ بعمقٍ في ثقافتهم.

1570529794726-KSA5

مسجد الرحمة العائم، جدة.

ما هو أحدثُ اكتشافاتك عن السعودية؟
سُرْعةُ تغيرِ الأشياء، ففي كلِّ مرّةٍ أعودُ فيها إلى السعودية أجِدُ شيئاً قد تغيَّر. فقد سُمح بالاختلاط بين الجِنسين في المطاعم، ورأت نساء يرتدين عباءاتِ ملونة ومُطَرَّزة، وشابات حاسرات الرأس، وهناك انتشار كبير للمطاعم الغربية كشيبرياني Cipriani، ونوزومي Nozomi، وكت وولفجانج باك Cut Wolfgang Puck. هذه فقط بعض التغيراتِ السطحيّة التي يُلاحِظُها المرءُ عند الزيارة، ولكن يَكْشِفُ الحوارُ مع الأهالي عن الإصلاحاتِ البِنْيوِيّة العميقة التي تتشكَّل في الحكومة والقطاعين الاقتصادي والاجتماعي والتي تسمح لهذهِ التغيرات أن تصبح واقعاً.