العراق

جميع الصور من تصوير سيباستيان كاستيلير

حرب

قصص عراقيين فَقدوا سَمعهم خلال الحرب على "داعش"

الحرب لا تُفرق بين الأغنياء والفقراء، الجميع متساوون أمام القذيفة
22.11.18

من المسؤول عن فقداني لسمعي؟ بهذه الكلمات، وبنبرة غاضبة بدأ الحاج عبد الوهاب صالح حامد حديثه معنا بعدما وافق على المشاركة في تحقيقنا. يخاطبنا الحاج بصوت مرتفع اعتاد عليه بسبب التمزق الجزئي الذي أصاب عصبَهُ السمعي وهو على مشارف الستين من العمر؛ بعدما تلاشّت قدرته على التنسيق بين حدة الأصوات وشدّتها.

خلال الحرب، فقد الحاج حامد اثنين من أسرته في قصف لمنزله، وفقد معهم 60% من قدرته على السمع، فضلاً عن منزله الذي تضرر بشدة. الحاج حامد هو واحد من آلاف العراقيين الذين أصيبوا "بصمم الحرب" وفقدوا قدرتهم على السَمع بين عامي 2014 و 2017 ، بعد سقوط وابل من القنابل على الموصل لتحرير المدينة من قبضة داعش (قتل أكثر من 9،000 مدني عراقي خلال هذه الفترة). الكثير من سكان الموصل يعانون من الصَمم، بعد تلف عصبهم السمعي أثر أصوات القذائف والطائرات المستمرة على مدى سنوات من الحرب ضد داعش.

إعلان

على الطريق إلى الموصل أقلتنا سيارة أجرة، كلمّا تحدثنا مع سائقها كان يجيب: "بصوتٍ أعلى من فضلك! لا أستطيع سماعك." هو أيضاً يعاني من صعوبة في السَمع تؤثر على عمله وسلامته. صَمم الحرب.. هو المرض المُصاب به كلٌ من سائق الأجرة، والحاج حامد، وهو مرض معترف به في فرنسا التي تصنفه ضمن إصابات الحرب. وهو ناجم عن أصوات التفجيرات العنيفة المُتكررة خلال القتال المسلح، فضلا عن أصوات المدفعية والقذائف الجوية.

1542881576219-iraq1

عراقيين يمشون بالقرب من مبنى تضرر بشدة خلال الحرب ضد الدولة الإسلامية في الموصل، العراق.

وقد شرح لنا طبيب أنف وأذن وحنجرة من الموصل – فضل إخفاء هويته خوفاً من حساسية الموضوع – أن 90 ديسيبل (وحدة لقياس شدة الصوت) هي الدرجة التي تبدأ عندها الأذن تصاب بالضرر، ومعروف أن أصوات الإنفجارات وهدير الطائرات يتجازوان تلك الشدة بكثير.

وبالرغم من معرفتنا للإحصائيات حول عدد غارات التحالف الجوي على العراق في حربه ضد داعش، والمقدرة بـ 14 ألف غارة، معظمها قامت بها الولايات المتحدة، فإن العواقب البعيدة المدى، سواء الجسدية أو النفسية على السكان لا يمكن إحصاؤها أو تقديرها. وقد زعمت المدفعية الفرنسية إنها اتخذت احتياطاتها لضمان "عدم حدوث أية أضرار جانبية" بعد نشر مدافعها على جانب جبهة الموصل. حاولنا التواصل مع المتحدث العسكري للتحالف الدولي للحصول على رد منه بعدما تضاربت آراء المراقبين العالميين حول تصريح المدفعية الفرنسية، لكنه رفض الحديث إلينا.

الحرب لا تُفرق بين الأغنياء والفقراء، الجميع متساوون أمام القذيفة

كم عدد العراقيين الذين أصيبوا بصمم الحرب؟ لا أحد يعلم بالتحديد. هذا ما أكده أحد أطباء مدينة الموصل، الدكتور جمال ناصر قائلاً: "نحن لسنا دقيقين بشأن الإحصائيات في العراق. هناك حالات كثيرة تفلت من أيدينا." وأوضح الدكتور ناصر أن الحالة المادية للعديد من المرضى تمنعهم من الذهاب إلى المستشفى، فالفقراء لا يذهبون إلى المستشفى إلا على شفى الموت. ولكنه أكد بجزم أن عددهم يجاوز عشرات الآلاف في الموصل وحدها.

حاولنا الحصول على تصريح من جهات حكومية مختلفة، وتواصلنا مع ممثل وزارة الصحة العراقية في الموصل لكنّ اجابته كانت كالتالي: "حساسية الموضوع تمنعني من الحديث أو نقل أي معلومات عنه." وبالرغم من مسؤولية الحكومة العراقية ومنظمات الإغاثة عن إزالة الأضرار وتصحيح الوضع الراهن بكل تداعياته، الطارئة منها خاصة، إلا أنها لا تتعاون بفعالّية كافية أو جابرة للضرر، وفق ما يوضّحه الحاج حامد الذي دقّ أبواب مختَلف المنظمات الإنسانية ومختلف الجهات الحكومية ذات العلاقة في بغداد – العاصمة الإدارية للعراق – محاولاً الوصول إلى حل مناسب. يقول حامد: "لقد اتخذت الخطوات المناسبة للحصول على تعويض مالي. أنا رجل مثقف درست القانون، لكني لم أتلق أي رد من السلطات العراقية. فماذا عن العراقيين غير المتعلمين؟ لن يكون لديهم أي شيء."

1542881610216-iraq2

عبد الوهاب صالح حامد، 57 عامًا، فقد سمعه عقب تدمير منزله بواسطة صاروخ في أبريل 2017 أثناء الحرب ضد داعش.

ويشير سيف سعد الدين، ممرض يبلغ من العمر 34 عاماً، والذي كان يدير مركزاً للطوارئ خلال الهجوم لتحرير الموصل في حديثه معنا: "رأيت عدداً لا يحصى من الناس ينزفون بعد أن تعرض منزلهم للضرب. لم يكن هناك دواء مناسب، لذا وضعنا القطن على الأذن كعلاج." وأوضح سعد الدين أنه في الأسابيع التي أعقبت سقوط داعش في الموصل في يوليو 2017، زار 20 مريضاً يومياً مستشفى الموصل العام جميعهم يعانون من فقدان السمع المرتبط بالحرب. واليوم، قسم علاج الأذن، مشغول ومكتظ بالمراجعين دائماً.

الحرب قتلتني عندما فقدت السمع

ازدحام وتكدس، وأجواء غير مريحة.. وصف مختصر للوضع في مستشفى الموصل العام، الذي قمنا بزيارته يوم الخميس الموافق 11 أكتوبر، آخر أيام العمل الأسبوعية في العراق. يدخل أخصائيون طبيون متخصصون في اضطرابات السمع الى غرفة الاستشارة في مستشفى الموصل العامة، التي تفتح أبوابها للمرضى ستة أيام في الأسبوع من الساعة 8:30 إلى الساعة الواحدة ظهراً. في الممرات، ينتظر المرضى في صفوف قبل فحصهم، الوجوه جادة والابتسامات غائبة تماماً. لا يكسر هذه الحِدة سوى لعبُ مجموعة من الأطفال في ممرات المستشفى.

من بين المرضى الذين ينتظرون بالساعات كان شهاب أحمد الصباح البالغ من العمر 50 عاماً. شهاب أحد أبناء الموصل، منزله كان بالقرب من مصنع الغزل والنسيج في الموصل الذي قُصف في مارس 2017. يتذكر صباح ذلك اليوم بقوله: "سقطت عشر قذائف على المصنع وقد تضررت أذني بسبب قوة الانفجارات." صباح من ذوي الدخل المحدود، أنفق الرجل أكثر من 15 يورو للحصول على اختبار قياس السمع في مستشفى الموصل العام وشراء بعض الأدوية، أي ما يعادل يومين من العمل. وأضاف الصباح: "الحرب قتلتني عندما فقدت السمع."

1542881646431-iraq3

يذهب المرضى الى القسم المسؤول عن اضطرابات السمع في المستشفى العام في الموصل للحصول على استشارة فقط.

ويشير الدكتور ناصر الى أن المرضى يعانون في أفضل الأحوال من ثقب في طبلة الأذن، أو تلف شديد في العصب السمعي. وأضاف الأخصائي: "لا يمكن إصلاح الأعصاب، وفقدها يعني أنها فقدت القدرة على السمع إلى الأبد." يُمكن أن تساعد سماعة الأذن في هذه الحالة، ولكن للأسف لا تقدم مستشفى الموصل العامة سماعات أذن بسبب عدم وجود ميزانية. وتابع ناصر: "نحن فقط نقوم بفحص المرضى للتحقق من مستوى السمع لديهم، ولكن لا نقدم سماعات أو علاج." ويقول عبد العزيز سعد الله خضر، مدير المستشفى العام في الموصل: "أولئك الذين لديهم المال يمكنهم الحصول على سماعات الأذن من المتاجر المتخصصة."

عقيل قيس سعد الدين، البالغ من العمر 13 عامًا، لا يعرف ما إذا كان عصبه السمعي قد تمزق أو لا، وعائلته فقيرة للغاية بحيث لا يمكنه الحصول على استشارة طبية عالية الجودة. فقد هذا الصبي قدرًا كبيرًا من قدرته على السمع في مايو 2017 عندما تعرض منزل العائلة للقصف بواسطة ضربة جوية. ويتذكر عقيل ما حدث قائلا: "شعرت بألم فظيع في أذني، لكن الأولوية كانت إنقاذ حياتنا." ويضيف عقيل: "الأطفال الذين يصمّون بسبب الحرب يكونون معزولين اجتماعياً، وغير قادرين على التواصل مع أصدقائهم."

يقف عقيل بجوار والدته، وبالرغم من أنها تتحدث بصوت أعلى من المعتاد لمساعدته على الاستماع لكلماتها، لكنه لا يسمعها جيداً. ويقول عقيل: "أنا غير مرتاح، الأطفال الآخرون يسخرون من حالتي ويطلقون علي "الصبي بلا أذن." ولمساعدته، اشترى له عمه سماعات سعرها يقترب من 30 يورو من الصيدلية، وهي من نوعية رديئة، ترسل طنين ثابت، ما جعل عقيل ينزعها.

لا تملك الأسرة التي تكافح لتناول الطعام بدخل يبلغ 100 يورو شهريًا ما يكفي من المال لاستشارة طبيب خاص. ولا يقدم المستشفى العام علاجات أو أدوية، فقط استشارات، كما تقول والدة عقيل. أما عقيل فيقول أنه يحلم بأن يصبح طبيباً لمساعدة البلد على إعادة بناء نفسها نفسياً وجسدياً في مرحلة ما بعد داعش.

1542881740507-iraq4

عقيل قيس سعد للدين، 13 عامًا، فقد 60٪ من سَمعه بعد تدمير منزله من خلال غارة جوية في مايو 2017 في الموصل بالعراق.

ظهر هذا المقال بالأصل على VICE فرنسا.