رأي

معلش يا رانيا... حقّك علينا

تمنيتُ لو أنّها لم تعتذر. تمنيتُ لو أنّها ردّت في وجه المحامي، وهدّدته بمقاضاته لأنّه انتهكها وشهّر بها من دون وجه حقّ
6.12.18
رانيا يوسف

رانيا يوسف (شترستوك/أمير ضو)

حاولتُ تجاهل "أزمة الفستان." حاولت، وفشلت، بعدما بلغ الإذلال العلنيّ الذي تعرّضت له الممثلة المصرية رانيا يوسف ما بلغه من سرياليّة وعنف وهيجان. بسبب فستان تُجرّ سيّدة إلى التحقيق، تهدّد بالسجن، تجلد معنويّاً في العلن، تمارس عليها أقسى أشكال الترهيب تحت مسميّات "السمعة" و"الشرف" و"القيم العائليّة"، و"الأخلاق" تمضي أربع ساعات في التحقيق داخل مكتب النائب العام، ثمّ يخلى سبيلها "بضمان محلّ إقامتها". معقول؟

إعلان

مللت من حفلات الرجم العلني العشوائيّة للنساء. كما يقول صديق: كلّ أسبوع امرأة." كلّ أسبوع سيّدة تثير غضب الانترنت وحفيظته، لسبب ما: جملة، كلمة، صورة، تعليق، بسمة، تكشيرة، سنتمترات قماش ناقصة، الله وأعلم. كلّ فترة حفلة جديدة، عنيفة، ومسعورة. نساء يخدشن الحياء، والحياء "مش مستحمِل" يردّ بحزم، ويفرش لهنّ ملاية التعيير بالعهر على مدّ العين والنظر. "عاهرات" في كلّ مكان. "فلتان" مستفحل. "وسخات" كما علّق شابّ خدِش حياؤه مرّة من فيديو لمراهقة في مثله سنّه، ترقص مكشوفة البطن. يحقّ له.

ها هو الحياء العام يخدش مرّة جديدة. ألم يهترئ الحياء العام بعد لكثرة ما خدش؟

***
صور الفستان "الفضيحة" تعبر أمامي على "تويتر" في "ذا غارديان" و"ذي إندبندنت" و"ذا نيويورك تايمز" ولا أعرف أضحك أم أبكي؟ هذه التغطية المكثّفة كلّها من أجل فستان، صح؟ معقول؟ أعرف يمكن لفستان أن يصنع لحظة تاريخيّة (فستان مارلين مونرو الشفاف في عيد ميلاد جون كينيدي)، يمكن أن يختصر روح مرحلة (فستان زفاف الليدي ديانا)، أو أن يصير أيقونةً كلاسيكيّة تبهر النساء جيلاً بعد جيل (فستان أودري هيبورن الأسود في فيلم "الفطور عند تيفاني") ولا نحتاج أن نحكي عن فساتين صباح، وسعاد حسني، وأم كلثوم، وشادية، وشيريهان، وفيروز… الفستان أكثر من قطعة قماش وخيطان. الفستان ليس مسألة تافهة. لكن أن تقاس قيمة صاحبة الفستان بطوله، ونوعيّة قماشه، وما يظهره وما يخفيه، تلك قضيّة تافهة، ونقاش تافه. أن تنشغل صفحات مواقع التواصل بتحريم قماشة شفّافة، وتقييم "أخلاق" ممثلة بسبب فستان، فتلك ذروة التفاهة. بحر من التفاهة. ولكن ما العمل؟ ها هو الحياء العام يخدش مرّة جديدة. ألم يهترئ الحياء العام بعد لكثرة ما خدش؟

***
لم أعد أجد كلاماً يقال أمام النزعات التأديبيّة العنيفة الطافحة. الغضب العام الموجّه ضدّ رانيا يوسف خلال الأيام الماضية، يذكّر بـ "فضيحة" وجه الممثلة رينيه زيلويغر "الجديد" حين أطلّت بكامل تجاعيدها- يا لوقاحتها - وصدمت الناس. كلّ ما أفكّر به هو الرعب الذي يمكن أن أشعر به إن قرّر مجهولون وصفي "بالعاهرة" أو "الشمطاء" على الانترنت. ألا أهتمّ، ألا أسمح لأحد بهزّ سيطرتي الكاملة على نفسي ومشاعري وأفكاري، ألا أعتذر عن وجودي، ألا أبرّر ما لا يستحقّ التبرير، أمورٌ بديهيّة في عُرفي اليوم -لكنّها لم تكن كذلك دائماً. فهمتها مع الوقت. فهمتها، ولكنّي ما زلت أخاف، وأفهم أنّها ليست بديهيّة بالنسبة لكلّ النساء. أعرف أنّ كثيرات قد يتداعين تحت وطأة كلمة قاسية واحدة من الكلمات التي وجّهت لرانيا يوسف بعد "واقعة الفستان." ربما علينا أن نتعلّم الردّ من هيفا وهبي حين وصفها أحدهم بالـ"كحبة" فصحّحت له كاتبةً "بالقاف يا غبي." أو أن نستلهم من أقوال فيفي عبده الخالدة: "أنا عاوزة أروح جهنّم أتشوي، انت مالك؟" لكنّ المواجهة قد تكون ساحقة، ومثل رانيا يوسف، قد تجد كثيرات أنّ التوبة عن ذنب لم يقترفنه، أسهل من معركةٍ خسائرها غير محسوبة. كثيرات لا يقدرن على ردّ العنف غير المبرّر كما يجب، ويفقدن دفاعاتهنّ أمام أيّ انتهاك عشوائيّ قد يستبيحهنّ من دون وجه حقّ.

متى تصير فساتين النساء ملكهنّ، وليس ملكاً للشعب بأكمله؟

***
الغضب من رانيا يوسف يذكّر بأزمات مماثلة سابقة، مثل أزمة فستان هيفا وهبي في برنامج ستار أكاديمي، أو أزمة المتزلجة اللبنانية جاكي شمعون. يذكّر بالساعات التي أمضيناها في مناقشة أجساد نساء لا نعرفهنّ. تجاعيد لا تخصنا. ضفائر لا تخصنا. وجوهٌ لا تخصنا. أفخاذ لا تخصنا. شفاهٌ لا تخصنا. أجسادٌ مُباحة فقط لأنّها تخرج عن "مألوف" تتغيّر معاييره تبعاً لسياق المساحة التي يحتلّها الجسم الملعون. لكنّ الخاص سياسي، أليس كذلك؟ وأجساد النساء دوماً ساحة معركة، يخرجن منها مدمّرات بالكامل، سواء هزمن أو انتصرن. مدمّرات تماماً كما أطلّت رانيا يوسف في مقابلتها الأخيرة مع عمرو أديب في برنامج "الحكاية" على قناة "أم بي سي". سيدة أربعينية، ناجحة في مهنتها، نجمة يتابعها كثر، أم لابنتين، تتماسك بصعوبة كي لا تبكي أمام الكاميرا، صوتها متهدّج، الإرهاق واضح على وجهها، المذيع يكلّمها كأنها طفلة في الخامسة، يبلّغها مطمئناً أنّ المحامي المحترم قرّر سحب البلاغ، لأنّها "مثل أخته الصغيرة، وغلطت، ومش حتعمل كده تاني." ما هذا الهراء؟ أخت من؟ "ومش حتعمل كده" لمن؟ مال أمّهم أصلاً؟

طوال الحلقة، يتحدّث أديب مع رانيا يوسف بنبرة المحقّق، أو الأخ الأكبر، المتفهّم، المتسامح، الصافح عن "فضيحتها" الآخذ بيدِ عزيزة قوم ذلّت ليردّها إلى حضن الأسرة، إلى حضن الاحترام والسمعة الحسنة، إلى حظيرة النساء المحترمات اللواتي لا يرتدين فساتين تظهر أفخاذهنّ، إلى حضن الأمّة التي لا تتمثّل بناتها بملابس "الغرب." وطوال الحلقة، كان المذيع يستفسر بالتفصيل المملّ، وبحسّ سخريته الغليظ، عن بطانة الفستان الضائعة، وبنبرة تقارب التحرّش، يستعلم عن كيفيّة التقاط الصورة سبب السجال، "من قدّام أو من ورا." والممثلة بصوتها المكتوم، تحكي كمن تقف متّهمة أمام قوس محكمة، وتروي ما تعرّضت له ابنتاها في المدرسة من مضايقات بعد الأزمة المفتعلة، وعن التهديدات التي تلقّتها على هاتفها، تعتذر وتستسمح وتتأسّف، تقول إنّها اشترت الفستان بحضور شقيقها، أي بوجود شاهدٍ رجل، منحها الـ"أوكي." امرأة مدمّرة ومرتبكة، لا تعرف ماذا تقول، ولا كيف تستجمع أنفاسها. هل كانت "تستحقّ" أن تمرّ بكلّ هذا الترهيب بسبب فستان؟ ألم يكن بيان الاعتذار من مشاعر"كلّ أسرة مصريّة" كافياً؟ ألم يكن كافياً تأكيدها على "التمسّك بالقيم والأخلاق التي تربينا عليها في المجتمع المصري والتي كانت وما تزال وستظلّ محلّ احترام"؟ ولكن لماذا يكون لخيار لباس شخصيّ أن يؤذي مشاعر العامّة بهذا القدر من العنف؟ متى تصير فساتين النساء ملكهنّ، وليس ملكاً للشعب بأكمله؟

***
هل كان فستان رانيا يوسف يستحقّ كلّ هذا الغضب؟ بعضهم قال إنّ الفستان "مش حلو" ولا يستحقّ هذا الجدل. من الوارد تفسير الغضب، بكلّ بساطة وفجاجة، بأنّ الجسد الذي تحت الفستان، جسد جميل. النساء الجميلات – وفقاً لمعايير الجمال الشائعة -محبوبات بقدر ما هنّ مكروهات. ألهذا "هاشت" الذكورة الفائضة على الممثلة المصريّة؟ الذكورة الفائضة عدوّة ما تشتهيه. ذكورة مبتلية بالاشتهاء، وكلّنا مبتلون معها، وما علينا سوى "السير جوّا الحيط، مش جنب الحيط" كما قالت يوسف في مقابلتها مع عمرو أديب. قد يكون تفسير الغضب بجمال رانيا يوسف صائباً، ولكنّه تفسير تافه أيضاً. لنفترض أنّ مقاييس الممثلة لا تندرج ضمن معايير الأنوثة المشتهاة والمرضي عنها في عرف الذكورة الطاغية. عندها، كان المواطنون الصالحون تقدّموا بحقّها ببلاغين: واحد بتهمة "الفسق والفجور وخدش الحياء" وواحد بتهمة "تشويه المنظر العام." قبل أشهر، خصّص المذيع البريطاني بيرس مورغان أياماً لافتعال عاصفة غضب على "تويتر" ضدّ عارضة الأزياء الأميركيّة تيس هوليداي، بعدما ظهرت على غلاف مجلّة "كوزموبوليتان" في طبعتها البريطانيّة. اتهمها بأنّها "خطر على المجتمع وتروّج للبدانة" لأنّها عارضة أزياء من ذوات المقاس الكبير. ربما لم يفهم أنّ البدينات يشترين ثياباً مثل كلّ الناس الآخرين. قد تكون سياقات الحادثتين مختلفة، لكنّ نزعة التأديب العنيفة واحدة، والهوس الرهيب بقوننة الأجساد واحد، مع فرق أنّ أحداً لم يطالب (بعد) بجرّ هوليداي إلى المحكمة. ربما لو كانت عربيّة لكان حصل؟ أو ربما لما كانت وصلت إلى غلاف "كوزموبوليتان" أساساً؟

المشهد مألوف جدّاً. أن ترى امرأة تبتسم، رغم كلّ ما تلقّته من عنف، لأنّ النساء "الصالحات" لا يَعبسن، ولا يغضبن، ولا يرفعن أصواتهنّ، ولا يقلن لا، ولا يتفتّلن أصلاً بالفساتين "الفاضحة" أمام الكاميرات.

***
حاولتُ تجاهل "أزمة الفستان." حاولت، وفشلت، بعد مشاهدة فيديو رانيا يوسف وهي تغالب دموعها أمام عمرو أديب، وهو يطلب لها السماح من محامٍ يريد جرّها إلى السجن، بتهمة "ارتكاب الفعل العلني الفاضح، والتحريض على الفسق والفجور، وإغراء القصّر، ونشر الرذيلة". يا لطيف! تمنيتُ لو أنّها لم تعتذر. تمنيتُ لو أنّها ردّت في وجه المحامي، وهدّدته بمقاضاته لأنّه انتهكها، لأنّه تدخّل فيما لا يعنيه، لأنّه شهّر بها من دون وجه حقّ، ولأنّها لم تفعل ما يستحقّ كلّ ذلك التعنيف، ولأنّ خيارها بارتداء ما تراه مناسباً خيارٌ خاصّ جدّاً، وملكها وحدها. تمنيتُ لو أنّها انسحبت من الحلقة مع عمرو أديب. تمنيتُ لو أنّها لم تضطر، حفاظاً على معنويات ابنتيها، أن تطلّ في حلقة تلفزيونيّة أصلاً. لكنّ هذا المشهد مألوف جدّاً. أن ترى امرأة تبتسم وتغالب دموعها وتعتذر، بالرغم من أنّها هي المعتدى عليها، بالرغم من أنّها هي المنتهكة. المشهد مألوف جدّاً. أن ترى امرأة تبتسم، رغم كلّ ما تلقّته من عنف، لأنّ النساء "الصالحات" لا يَعبسن، ولا يغضبن، ولا يرفعن أصواتهنّ، ولا يقلن لا، ولا يتفتّلن أصلاً بالفساتين "الفاضحة" أمام الكاميرات. هذا المشهد مألوف جدّاً. أن ترى امرأة منتهكة ومحطّمة نفسيّاً تطلب السماح. ممّن؟ ولماذا؟ هو في إيه؟ تمنيتُ أن أحضن رانيا يوسف وأقول لها: "معلش يا حبيبتي، حقّك علينا."