ترفيه

ستان لي.. مُبدع "عالم مارفل" ونصير المنبوذين

ملامح الأبطال الذين قضى "ستان لي" حياته في كتابة قصصهم حملت بذورًا تحررية، وزرعت أفكارًا تقدمية في أذهان النشء من جمهور الكوميكس
14.11.18
shutterstock_739638112

ستان لي يُقلد مازحًا إحدى أشهر شخصياته (سبايدر مان) - الصورة من شترستوك

"كلما شرعت في كتاب جديد، لم أتردد في أن أتكلم مع القراء، ألقي لهم بكل ما يدور في ذهني. لم أرد للكتاب أن يكون شيئًا باردًا جافًا متعاليًا، أردت أن تكون زيارتهم للكتاب كزيارتهم لصديق، ألا يقرأ أيهم كتابًا لمارفل فيتصفحه ثم يلق به بعيدًا. أردت لكل كتاب أن يعيش معهم" - ستان لي (1922- 2018).

في العاشرة من عمري، اعتدت كلما استطعت توفير مبلغ من مصروفي اليومي، أن أمر بمكتبة قريبة. كنت أتسلل من بيت جدتي منتهزة انشغالها كي أسرع للمكتبة وأشتري نسخًا مستعملة من كتب المغامرات وما أجده من روايات ومجلات اهترأت أغلفتها. وفي واحدة من تلك الرحلات، وجدت نسخة إنجليزية من مغامرات الرجل العنكبوت Spiderman، ورغم خشيتي ألا أتمكن من قراءتها لشكي في قدراتي اللغوية، إلا أن الانبهار كان أكبر من قدرتي على المقاومة. أظنني لم أتمكن فعلاً من فهم أغلب ما جاء في بالونات النص، فقررت الاحتفاظ بالكتاب حتى تتحسن إنجليزيتي.

إعلان

عندما عدت للكتاب بعد سنوات من قراءة نفس المغامرات مترجمة إلى العربية؛ توقفت كثيرًا عند تعليقات Big lee، وStingy Stan الثرثار الذي يشرح ويذَكِّر ويلقي بالنكات في أركان مربعات النص، حتى ميزت أنه نفسه Stan Lee، كاتب السكريبت، مؤلف الحكاية، صانع الشخصيات خفيف الظل، الذي يحرص على إحاطة اسمه في الصفحة الداخلية لكل كتاب بكثير من المزاح و"شد ديل" القارئ، وكما يقول في المقطع الذي تبدأ به هذه القطعة؛ يثرثر بكل ما يأتي في رأسه وينثره – نثرًا مبررًا- في أركان مربعات النص والرسوم دون خشية أن يكسر الحائط الرابع، كما سيفعل بعد سنوات أحد أبطال مارفل المميزين "ديدبول".

1542196217292-46197829_290249111824569_3894111727612067840_n

تعليقات ستان لي في مربعات النص مُزيلة بتوقيع Stigy Stan أحد ألقاب كان يوقع بها - الصورة من أرشيف عزة مغازي

حتى في ظهوراته السريعة Cameos في أفلام مارفل في نسخها الأحدث، يظهر الكاتب الذي رحل عن عالمنا مساء الاثنين الماضي، بنفس السمات؛ خفيفًا كثير الحركة متدفق الكلام، ينثر نظراته وتعليقاته الساخرة في أركان الكادر لثوان معدودة تخطفك فيها بنيته الهزيلة ونظارته الشمسية المميزة، وتنسى أولئك الأبطال الخارقين الذين خلقهم خياله، واستدعوه ليشاركهم المشهد.

قطع من ستان
ترك ستان لي مؤلف الكوميكس الذي رحل مساء أمس الأول قطعًا من شخصيته وأحلامه في الشخصيات العديدة التي ابتكرها. في رأسه المثقل بالاحلام، ابتكر ستان لي مع شقيقه لاري وشريكه وصديقه الرسام جاك كيربي حوالي 200 شخصية، تداخل معظمها في العالم الكبير المسمى "كون مارفل - Marvel Universe" الذي يضم مجموعة أبطال المنتقمون Avengers والرباعي المدهش Fantastic Four وأصحاب الطفرات الخارقة X-men بالإضافة لحماة المجرة Guardians of the Galaxy، فإن لم تكن قد قرأت أيًا من كتابته، فلابد أنك شاهدت واحدًا على الأقل من الأفلام العديدة المأخوذة عنها.

كأبطاله سبايدرمان وجرين هلْك؛ ولد ستان لي في نيويورك، وكبطله كابتن أمريكا الذي كتب مغامراته بعدما ابتكره صديقه جاك كيربي، جاء مولده في وقت مبكر من القرن العشرين (1922)، وخدم في الجيش الأمريكي، لكنه لم يكن جنديًا خارقًا، بل كستيف روجرز (كابتن أمريكا) في بداية الحكاية؛ فتى ضعيف البنية، يمارس مهامًا محدودة في إصلاح أعمدة التلغراف التابعة لاتصالات الجيش. وكبطله الأشهر سبايدرمان، كان يكسب عيشه في فترة صباه من العمل المتواضع في الصحافة، لم يكن مصورًا موهوبًا يلتقط اللقطات النادرة للأبطال الخارقين، بل كان يكتب باب النعي، جاعلًا من "رجال ونساء كل يوم" أولئك العاديين؛ أبطالاً خارقين.

لم يكن ستان لي بعيدًا عن هؤلاء العاديين، فمثل معظم رواد فن الكوميكس بوب كاين (مبتكر باتمان)، وجاك كيربي (مبتكر كابتن أمريكا)، وجو شوستر (مبتكر سوبرمان)؛ كان ستان لي فتىً يهوديًا فقيرًا ضعيف البنية، ابن لأسرة مهاجرة تحيا على الكفاف، يهرب من فقره وضعفه بحكايات يراها على شاشة السينما أو في مجلات الـ Pulp الرخيصة، التي مثلت مصدرًا جيدًا للمتعة في حدود ميزانية أُسر هؤلاء الفتية. ومثلهم، كبر ستان لي يحلم بأن يحقق بكتاباته ما عجز واقعه عن تحقيقه، أن يخلق أبطالًا خارقين قادرين على حل كل المشكلات وهزيمة كل الأشرار. ومثلهم جميعًا، كان يرى في العلم والخيال وقودًا لخلق هذه القدرات الخارقة لدى أمثاله من الضعفاء "ستيف روجرز- كابتن أمريكا"، والفقراء "بيتر باركر- سبايدرمان"، والمنبوذين "سكوت لانج- آنتمان".

إعلان

من الهامش للبطولة المطلقة
ملامح الأبطال الذين قضى ستان لي أكثر من 60 عامًا من حياته في ابتكارهم وكتابة حكاياتهم، ليست مجرد هروب من واقعه وسبيل لتحقيق الشهرة والثروة والمكانة أثناء سعيه لكتابة "الرواية الأمريكية العظيمة"؛ بل مثلت هذه الملامح بذورًا تحررية زرعت أفكارًا تقدمية سياسية واجتماعية في أذهان النشء من جمهور كتب الكوميكس.

1542199906941-shutterstock_86648998

ستان لي يوقع واحدة من قصصه في معرض نيويورك كوميك كون - شترستوك

فبعد فترة طويلة من العمل في مهنة بالغة التواضع (غمس أقلام الرسم في الحبر أو بري أقلام الرصاص للفنانين) في باب الكوميكس في مجلة رخيصة تصدرها شركة مارتن جودمان (1939)، ثم إنهاء فترة الجيش، ترقى ستان لي أخيرًا في عام 1960 ليصبح محررًا للكوميكس في شركة مارتن جودمان، وينطلق في فترة تالق ذهبية خلال الستينات والسبعينات، ابتكر فيها شخصياته وعوالمه، وحوّل شركة مارتن جودمان الصغيرة إلى العملاق الذي بتنا نعرفه اليوم باسم "مارفل كوميكس". ومن خلال الصفحات التي كتبها ورسمها له كيربي وطبعتها مارفل، انتقلت أفكار الستينات الهيبية على بساط من خيال لتدخل البيوت حتى في أعماق الريف الأمريكي المحافظ.

لم يكن ستان لي وحده في هذا بالطبع، بل كان صاحبه في الإبداع والنجاح جاك كيربي هو الروح الدافعة وراء هذا المد الخبيث/ الطيب من زرع الأفكار التقدمية في كتب الكوميكس، التي ينظر إليها الكبار بتعال مستمد من النظرة لجذورها التاريخية (البيني دريدفولز ومجلات البلب)، بينما يستقبلها الصغار بشوق للوعد بدقائق ممتدة من المتعة.

بدأت المسيرة بمنافسة أقرب للعداوة بين شركة مارتن جودمان "تايملي كوميكس - Timely comics" التي صارت مارفل كوميكس لاحقًا، ومنافستها "ديتيكتيف كوميكس - Detective comics" بعدما نجحت الأخيرة خلال الخمسينات في الاستحواذ على سوق القصص المصورة من خلال اتحاد العدالة - Justice league، فبدا ستان لي وشقيقه لاري والرسامان جاك كيربي وستيف ديكيتو في التوسع في ابتكار وكتابة شخصيات اتحاد منافس، هو المنتقمون Avengers فولدت شخصيات كابتن أمريكا، وأيرون مان، وسبايدرمان.

إعلان

كانت خطوط جاك كيربي والرؤية التي أكدها ستان لي متفقة على سمة رئيسة جعلت أبطال مارفل المنتقمون مختلفون تمامًا عن أبطال دي سي، قرر الاثنان أن يجعلا من أبطالهما الخارقين بشرًا غير كاملين؛ يضعفون ويخطئون ويخسرون أمام الأشرار أحيانًا، ترتبك بوصلتهم الأخلاقية فيرتكبون ما يضطرون لإخفائه، أو ييأسون ويتخلون عن مهامهم في إنقاذ العالم، أو تكون منصة انطلاقهم نحو البطولة هي الرغبة في التطهر من إثم عظيم ارتكبوه، كما يعرف كل من أحب شخصية سبايدرمان، الذي انبنت بطولته على التطهر من إثم الطمع في المال والغرور بالقوة.

1542200618714-Screen-Shot-2018-11-14-at-50307-PM

أغلفة أعداد قديمة من سلاسل مارفل تعود للستينيات والسبعينيات - شترستوك

من هنا ارتسمت الملامح الإنسانية لعالم مارفل، هذا العالم لا يضم أبطالًا مثاليين محبوبين لا تشوب أخلاقهم شائبة مثل سوبر مان وباتمان المنافسين؛ بل هم أبطال منبوذون معذَّبون خطائون، وممزقون بين ما يريدون كبشر، وما يتعين عليهم فعله كأبطال يحملون عبء القوة والقدرات الخارقة.

جذور يهودية
في عام 1961، قدم جاك كيربي وستان لي قصص الرباعي المدهش Fantastic Four. في كتابه "من كراكاو لكريبتون"، يشرح آري كابلان ما يراه "جذورًا يهودية" في شخصيات الرباعي المدهش – ليس هذا غريبًا فكابلان مهتم جدًا بالبحث عن أثر الديانة اليهودية في القصص المصورة استنادًا لكون ديانة معظم مؤسسي الفترتين الذهبية والفضية لهذا الفن من الكتاب والرسامين ذوي أصول يهودية.

يضرب كابلان المثل بشخصية الشيء The Thing وهو "بين جريم" الطيب، الذي تحول إلى كائن برتقالي ضخم يراه الناس مشوهًا قبيحًا. ورغم اكتسابه قوة خارقة مقابل هذا التحول في شكله؛ يكره "الشيء/ جريم" فقده لإنسانيته وما صار عليه، ينبذ قوته الخارقة ويحاول تعطيلها كي يستعيد بشريته "الجميلة". يرى كابلان أن جريم يرمز للأقليات المكروهة بسبب جذورها أو لونها المختلف، وتطلعهم لأن يتخلوا عن فرادتهم كي يصيروا "عاديين" أصحاب جمال مثل ذوي البشرة البيضاء المتفوقين عليهم اجتماعيًا.

إعلان

في العام التالي 1962، ولدت الشخصية الأشهر؛ سبايدرمان، الفتى المراهق بيتر باركر المهتز، فاقد الثقة بالنفس والمنشغل بها عما سواها في الوقت نفسه، الأناني الذي كلفته انانيته فقد أقرب الناس إليه، ما دفعه للانتفاض وعيش حياة البطولة تكفيرًا عن إثمه. وفي عام 1963، ابتكر ستان لي وجاك كيربي أول فرقة عسكرية متعددة الأعراق في تاريخ القصص المصورة في الولايات المتحدة the first fully ethnic platoon in comics كما أسماها ستان لي نفسه في تصريحات صحفية. ضمت فرقة كوماندوز الكابتن فيوري يهوديًا يدعي إيزي كوهين، ورجلا من أصول إيطالية يدعى دينو مانيللي، ونازي سابق يدعى إيريك كونيج، وأمريكي أسود هو جابرييل جونز.

ظهور البطل الأسود في سلسلة فرقة كومانوز الكابتن نيك فيوري، كان مقدمة للاشتباك مع حركة الحريات المدنية لحقوق الأمريكيين الأفارقة، ليبتكر ستان لي شخصية الفهد الأسود Black Panther البطل الأفريقي الأسمر، الذي يتحدى الصورة النمطية العنصرية ضد السود في الولايات المتحدة في ذلك الوقت من الستينات. الفهد الأسود أمير أفريقي وسيم وذكي يؤمن بالعلم ويسخره كما يسخر قوته البدنية في خدمة الناس. ولا يغيب عن المتابع أن اسم الفهد الأسود Black Panther هو نفسه اسم حركة شكلها شباب أمريكيين سود للدفاع عن أنفسهم وعن المسيرات المدنية السلمية المطالبة بالحقوق المدنية للأفارقة الأمريكيين. صدر أول عدد من بلاك بانثر في نفس السنة التي أعلنت فيها حركة الفهود السود عام 1966. ولا يرى احد أن هذا محض مصادفة.

الموصومون أيضًا أبطال
لم يصرح بها ستان لي حقيقة، لكنها وجدت طريقها للثقافة الشعبية بجلاء، وظهرت في الأعداد الجديدة التي أصدرتها مارفل كوميكس في الألفية الجديدة؛ إكس من - Xmen ذوي الطفرات المتحولون، يرمزون للمنبوذين من أبناء مجتمع الميم LGBTQ. ليست هذه معلومة جديدة على محبي فن الكوميكس. فهذه القراءة مطروحة بقوة منذ الثمانينات، التي اتسعت فيها حركة المطالبة بحقوق مجتمع الميم في أوروبا والولايات المتحدة. المتطفرون - Xmen يظهرون كأبناء مجتمع الميم؛ منبوذين، مكروهين، يخشاهم العالم ويعتبرهم خطرًا عليه، يطاردهم ويسعى لسجنهم أو إبادتهم، وفي أكثر نسخ الكراهية رحمة - من وجهة نظر أصحابها - يسعى البعض لإكراههم على التحول إلى بشر عاديين من خلال العلاج بالعقاقير التي توقف فرادتهم وتنزعها عنها.

غلاف العدد الأول من سلسلة X-men

ابتكر ستان شخصيات العدد الأول من المتطفرون Xmen ونشره عام 1963. وخلال السنوات التي شهدت حركة الحريات المدنية وثورة الشباب الاجتماعية، طرحت Xmen بلا خجل ولا تردد مشاكل الأقليات وكراهية الأجانب وقضايا مجتمع الميم. فمشكلة المتطفرون تظهر عند سن البلوغ (سن التعرف على الميول الجنسية) وتعود أصولهم إلى دول وأعراق متعددة، يواجهون أعداء ذوي ذهنية عسكرية يسعون للسيطرة على المجتمع والرقابة عليه من خلال قوانين صارمة تجبر المتطفرون على الكشف عن فرادتهم وتحويلها لهوية يُحاسبون عليها.

خلال أكثر من ستين عامًا كتب وابتكر فيها شخصيات القصص المصورة، نجح ستان لي في أن يتغلب على ضعفه وينتصر على فقره ويجبر المجتمع على الاعتراف به وباختلافه كمهاجر روماني فقير لا يشبه المجتمع البروتستانتي الأبيض الذي هاجر إليه في شيء، وخلال الرحلة خاض المعركة بأبطاله، ونقل كفاحهم من أجل السلام ونبذ التفرقة والعنصرية والخوف من الآخر إلى بيوت، لم يتصور الآباء فيها أن تلك القصص المصورة الرخيصة قد تغير عقول أبنائهم إلى هذا الحد.

مات ستان لي بعد أن رأي فهدًا أسمر في البيت الأبيض، واعترافًا بحقوق مجتمع الميم وإنهاءً لتجريم العلاقات ثنائية العرق (بين السود والبيض) وبين أبناء الجنس الواحد. حتى وإن كانت هذه المكاسب الاجتماعية والسياسية مهددة الآن؛ إلا أن حسبه أنه أسهم في تشكيل عقول قادت نحو لحظات الانتصار.