مجتمع

البرلمانية اللبنانية بولا يعقوبيان لا تمثّلني كامرأة وكمواطنة

هل ستحارب بولا النهج السياسي الذي خسّر "تجار" بيروت ما قبل الحرب الكثير من الأموال؟
7.6.18

يمين- بولا يعقوبيان وزينة ناصر تحمل عريضة تقول: الهدف اسقاط النظام الزبالة

بولا يعقوبيان، امرأة في البرلمان اللبناني لا تمثّلني كإمرأة. أحقا قرأتم هذا العنوان؟ "يييي مش معقول قول هيك. بعتذر عنجد" كيف تترشّح امرأة على البرلمان وتربح وأنا أكون ضدّها؟ أيّعقل؟ امرأة تقول أن امرأة أخرى لا تمثّلها؟ وكأنّ النائب عليه أن يمثّل جميع من هم من جنسه. هذا أولا. أما ثانيا، فكيف أقول إن يعقوبيان، المرأة الذكية القوية في شتى المجالات (الاعلام، التدريب الإعلامي، إلخ) لا تمثّلني؟ وهي التي كانت المرشّحة الوحيدة الرابحة على لوائح المجتمع المدني في بيروت (دائرة بيروت الأولى تحديداً، بحسب القانون الانتخابي الجديد." لحظة. لنعيدها ببطء. ا.ل.م.ج.ت.م.ع.ا.ل.م.د.ن.ي.، المتمثّل بذلك التحالف "القوي" من شتى المجموعات التي لم تنتمي إلى أي حزب من أحزاب السلطة. ذلك التحالف الذي خاض الانتخابات النيابية في معظم الدوائر الانتخابية في لبنان.

إعلان

صراحة، لحظة علمت أن بولا يعقوبيان على تلك اللائحة "كلنا وطني" في بيروت الأولى عن مقعد الأرمن الأرثودوكس، شعرت بالخيبة. "أهذا ما أنتجته سنوات النضال الطويلة؟" تساءلت. اللحظة عينها تكرّرت حين ربحت السيدة يعقوبيان، ممزوجة بمشاعر أسى وحزن ووحدة في بلد بالكاد يمثّل الطامحين لبلد أفضل من يشبههم حقا بالفكري والعملي على حد سواء. "أهذا ما ستنتجه سنوات النضال الطويلة؟" تساءلت مجدداً… ذلك الحراك المدني ضد أزمة النفايات، الذي لم نرى بولا فيه كثيراً. من الممكن أنها ضاعت بين المئات. آه نسيت! كيف لي أن أنتقدها؟

قبل كتابة هذا المقال، أمضيت أسابيع عدةّ أشاهد حلقات قديمة من برنامج الزميلة الصحافية، كي أتمعّن أكثر في مواقفها، من خلال حواراتها. شاهدت وقرأت مقابلات معها أيضاً. هذا المقال ليس حكماً على شخصها، وإنما رحلة قصيرة عبر الأحداث، للوقوف عند ما تمثّله من أفكار، وعلى من تغيّب من أشخاص آخرين، لما يمثلونه من أفكار متراكمة، نضالية كانت أم نضالية/حقوقية. إنّ كل ما الأمر يتعلّق بالفكرة، وبالعمل النضالي الطويل، الذي لم تقنعني يعقوبيان به، كإنسان أولا، كامرأة، وكمواطنة تواقة للحصول على بديهيات العيش الكريم في هذا البلد الكريم، الذي لم يصبح وطناً بعد. أنا لا أقصد بولا الصحافية في مقالي، أو ما يمكن أن تعتبرونه "رأي " في خانة يصنّفها كلّ بحسب ميوله ومزاجاته. وإنني أتمنى تصنيفه من خلال المنطق والوقائع، والخلفيات.

“جدار العار" كما أسماه الكثير من اللبنانيين صيف 2015، بسبب اختيار الحكومة اللبنانية وضعه لخلق جدار فاصل بين المتظاهرين والسراي الحكومية. هنا تظهر بعض الشعارات والغرافيتي التي عبّر المتظاهرون بها على الجدار. (تصوير زينة ناصر)

إنما الحقيقة هي أن بولا امرأة ناجحة، حدقة، أجريت معها مقابلة هاتفية منذ بضعة سنوات، للكتابة عن قصة نجاحها، كامتداد للعزم الذي يتمسّك فيه الأرمن في ذكرى المجزرة الأرمنية. كانت متجاوبة، نعم. مهذبة وخلوقة. لكن كل هذا ليس من صفات النائب الأساسية والوحيدة. ففي النيابة، في ذلك البناء الجميل في ساحة فتحت للعموم في الماضي القريب، وهي التي كانت مغلقة على الشعب منذ بضعة سنوات، بجرم التظاهر. في النيابة، لا يُصنع سوى السياسة والتشريع. في السلطة التشريعية، تشريع. إلاّ أن أول الغسق، أول تجربة للسيدة الناجحة، كنائبة، بعيدا عن مهنيتها التي لا جدال فيها، لم يقتصر على السياسة. وصنّفت ضمن خانة "الزكزكات،" "شو كيوت."

ماذا حصل حينها؟ لا شيء، فقط أن يعقوبيان قد سمّت المخرجة السينمائية اللبنانية نادين لبكي (التي كانت قد حصلت على جائزة لجنة التحكيم عن فيلمها "كفرناعوم" في مهرجان كانّ)، كرئيسة للمجلس النيابي. وإن كان هذا يمثّل أي شيء، فهو لا يمثل سوى استخفافاً بالمجلس النيابي. لكن الحق، كل الحق، أصبح إلى جانب يعقوبيان حين طالبت بقراءة ورقتها بدلا من قول أنها "ملغاة" من دون ذكر محتواها.

لم أجد أي إدانة صرحت بها يعقوبيان ضد الرصاص الحي والمطاطي الذي رشقت به وزارة الداخلية المتظاهرين المطالبين بحلول صحية مستدامة لأزمة النفايات التي لا تزال مستمرة في لبنان

ينصح بعض من يتحدّث عن تجربة الحراك المدني، التي لا تزال كرة ثلج متراكمة، ستثمر الثمار الجيدة يوما ما، ينصح بعدم التعليق على النائبة "الوحيدة" على لوائحه. يقولون، تحت الهواء، أنها قد "لا تكون تمثّلنا مئة في المئة، لكن هذه الحالة تعتبر أفضل من ألا يكون هناك أي مرشح لدى لوائح المجتمع المدني." ولمرّة واحدة، يمكننا القول أن الناس آمنوا أن التصويت لغير الموجود يثمر. لكن جولة بسيطة على صفحة انستغرام التابعة ليعقوبيان تظهر أنها لا تمثّل الكثيرين، ومنهم أنا، كمواطنين، لا نزال نؤمن بالشارع لحلّ الأمور. صور وما بعدها صوَر، مع مجتمع مخملي. يعقوبيان حرّة بالانتماء له. إلا أنه لا يشبهني، أنا ومطالبي الحياتية البديهية في لبنان، هذا قبل الوصول إلى ما سيطوّرني، أنا، وغيري من اللبنانيين، والبلد معاً. وأحدث ما في تلك الصفحة فيديو، يمثل علامة فارقة وتحوّل بسيط في نوعية المواضيع التي تطرحها النائبة "التغييرية." فقد نشرت فيديو يظهر أن ما في برج حمود مكب عشوائي، وليس مطمر صحياً. من هنا، يمكن القول أن "الشغل الصح" قد بدأ، لمرأة بنت شهرتها وسوّقت لنفسها لسنوات طويلة. ويبان من خلال نشر ذلك الفيديو أن يعقوبيان تشجّع الحلول الصحية البيئية مقابل تلم القاتلة لها. ورغم أنها قد نشرت فيديوهات وصور مشابهة في الماضي، إلا أن الوتيرة قد أصبحت أسرع بكثير حاليا. فالوتيرة السابقة قد طغى عليها صورها مع شخصيات المجتمع "الفذة."

في مسيرتها، قد لا يجد أي كان "زيح" عن الخط الأساسي ولا كلام عشوائي. تلك السيدة التي كرّمت من قبل السفير البلجيكي في لبنان ألكس لينايرتس، بوسام ملكي رفيع منحه لها ملك بلجيكا لويس فيليب ليوبولد ماري، تقديراً لمسيرتها في العمل الإعلامي والإنساني والبيئي ولدورها في تمكين المرأة، كل كلامها "على القدّ." لكنها لا تقنعني. مش حرة أنا كمان؟ لم أجد أي إدانة صرحت بها يعقوبيان ضد الرصاص الحي والمطاطي الذي رشقت به وزارة الداخلية المتظاهرين المطالبين بحلول صحية مستدامة لأزمة النفايات التي لا تزال مستمرة في لبنان. عام 2015، نفى وزير الداخلية نهاد المشنوق أن يكون قد تم هذا الفعل من قبل العسكر "عن قصد." ووعد بمحاسبة العسكريين المعتدين، لكن الوزير نفسه كان مسؤول عن كل حبس مواطنين يطالبون بحقوقهم ساعات طويلة داخل وزارة البيئة، كما أنه هو المسؤول المباشر عن محاكمة القاصرين في المحاكم العسكرية. ستمثلني بولا لو تطرّقت لهذا الأمر، بصدق.

متظاهران يحملان قنابل مسيلة للدموع ورصاص حيّ تم استخدامه من قبل حرس مجلس النواب وعناصر مكافحة الشغب ضد المتظاهرين في مظاهرة 22 اغسطس 2015، المطالبة بحلول مستدامة لأزمة النفايات في لبنان. (تصوير زينة ناصر)

شاهدت مقابلات كثيرة تكلمت خلالها بولا بحكمة وذكاء فيها، لكن لم تجعلني أصدقها، أنا وغيري ممّن يفضّلون عدم الحديث عنها في العلن. "شو بدك بهالشغلة يا زينة؟" ستقنعني بولا لو لم تعتبر العديد من الشخصيات الفاسدة "على سلامتو،" ستقنعني لو تطرقت لموضوع المدرسة الرسمية والجامعة اللبنانية المهملة منذ سنوات عديدة على حساب المؤسسات التعليمية الخاصة. ولكن، صح، هذا لا يعجب الغرب. ستقنعني لو فعلا رأيناها أمام مخافر أبكت أهالي المتظاهرين من أجل القضايا العادلة. لو تضامنت، لو حتى "معنوياً" مع من كان يتم احتجازه لأنه "يرش الحيطان" باعتبارها حرية تعبير ولا ينصاع لأوامر "البوط."

ستقنعني بولا لو كانت نادين موسى ثانية، المحامية والناشطة التي معنا في الشارع وفي المظاهرات الصغيرة والكبيرة، مع ومن دون كاميرات. نادين التي كانت واحدة من حوّلوا مهنة المحاماة إلى مهنة تطوعية خلال الحراك المدني، للدفاع مجاناً عمّن ظلمهم النظام العسكري بقناع مدني. ستمثلني يعقوبيان، لو أنها وداد حلواني ثانية، أنهكتها وأنهضتها قضية المخفيين قسرا خلال الحرب الأهلية. لسنوات، وضعت تلك المرأة المسؤولين أمام مسؤولياتهم. لكن، هل ستفعل ذلك يعقوبيان؟

وسط- وداد حلواني، التي اختطف زوجها واختفى عام 1982، إلى جانب نساء أخريات يعانين من قضية المختطفين قسرا. (الصورة عن صفحة وداد حلواني علـى فايسبوك)

في لبنان، في المجلس النيابي اللبناني، هناك قوانين لا تزال تنتظر أن تشرّع منذ سنوات عديدة. ومن واجب بولا، كنائب، العمل عليها. تقول أنها لن تخذل من أعطاها الثقة وصوّت لها. حقاً؟ ستقفين، كممثلة للشعب، إلى جانب حقوق الموظفين، والأساتذة الثانويين والجامعيين، التي أهدرت لسنوات طويلة، ضد الهيئات الاقتصادية وضد ضرب الإدارة العامة لا سيما بالاعتماد على "التعاقد الوظيفي"؟ لو فعلت ذلك، تمثليني كمواطنة يا بولا. ستقفين ضد استمرار قضم حرش بيروت وتشويهها؟ ماذا عن شاطئ الرملة البيضاء، الشاطئ العام الوحيد المتبقي في بيروت والذي أقيم عليه مشروع سياحي مخالف للقانون، أغلق مساحة واسعة من واجهة بيروت البحرية؟ بالمناسبة، شكراً على ذكر حماية الهيئات الرقابية من الفساد، يا بولا. لكن هل ستسمين الفاسدين بالاسم؟ فالهيئات الرقابية التي ذكرتيها، كالتفتيش المركزي وغيرها، تحتوي على أشخاص، لديهم أسماء. هل تجرئين على تسميتهم؟

ثمّة مواضيع حياتية تمسّنا كل يوم أيضاً. كصحافيين مثلاً، كان لا يزال يحكمنا قانون إعلام لم يطوّر منذ الأربعينيات، والتعديل الذي حصل في قانون المرئي والمسموع لا يأخذ في عين الاعتبار حرية الرأي والتعبير، كما أنه يشير إلى عقوبات على الصحافيين خلال قيامهم بأعمالهم. هل ستطالبين بتحديثه؟ هل ستطالبين بحقوق الصحافيين المهدورة منذ سنوات عديدة من دون خجل من أية جهة؟ المواضيع الحياتية تلك تتمثل ببساطة باشتراك موقف مقابل 90 دولار أميركي شهرياً في وسط البلد. إنه مبلغ صغير للبعض، لكنه ليس بمقدور العديد من الموظفين في ذلك المنطقة. أخبرينا حقاً لم لا يزال البحر عند نقطة البيال يردم؟ ومن يعمل على جعل مدينة شرق أوسطيّة عبارة عن أعمدة باطون، إحدى أهم أسبابه الحريرية السياسية، يا بولا. هل ستحاربينها؟

أولئك الناس الذين كانوا يسيّرون العجلة الاقتصادية بالفعل لا بالقول، لأنهم يصرفون من عملهم. أتت شركة سوليدير ما بعد الحرب الأهلية لتأخذ الأموال من كل التجار

هل ستحاربين النهج السياسي الذي خسّر "تجار" بيروت ما قبل الحرب الكثير من الأموال، وأدى إلى تقلص أعداد الطبقة الوسطى في لبنان؟ هل ستذكرين في يوم من الأيام من كانوا قد أسسوا بعرق جبينهم مصالح تجارية قبل أن يأتي من يقال انه "يعمّر" لبنان. جدي أحمد كان تاجر قماش طوال عمره. كان محله المستأجر المختص بأجود أنواع الأقمشة مؤلف من ثلاث طبقات في بناية العسيلي في ما أصبح يسمى الآن "وسط البلد." "كانت الأسعار غير. كل شي غير، بيخبروني أهلي،" وكانت العائلة متوسطة الحال… كل ما يجنيه جدي يصرفه على تعليم أولاده والعيش كما يحلو لهم.

تجار بيروت، كما جدو أحمد هم من دفع الأموال لترميم محالهم طوال سنوات ما بعد الحرب. ملايين الليرات من عرق جبينهم صرفت كل شهر لإعادة الترميم. كانوا يدفعون إيجار المتجر رغم أنه كان مغلقاً. أولئك الناس الذين كانوا يسيّرون العجلة الاقتصادية بالفعل لا بالقول، لأنهم يصرفون من عملهم. أتت شركة سوليدير ما بعد الحرب الأهلية لتأخذ الأموال من كل التجار. جدي لم يعد يستطيع أن يدفع. في بداية التسعينات، انكسر مادياً، لأن أمواله ليست "نبعاً." "ما في شغل، ما في مصاري". وطبعاً، كما الكثير من العائلات في لبنان، تدهورت الأحوال كثيراً.

فندق سانت جورج في بيروت مع عريضة تطالب بوقف شركة سوليدير. وكانت إدارة الفندق اتهمت الشركة باعاقة ترميم الفندق (2 فبراير 2018). شترستوك

هل ستخبرين أو تذكرين من يصر على النهج السياسي/التجاري الجديد ببيروت القديمة وجمالها، بيروت التي كان التجار يغلقون محالهم فيها كي يقفوا ليتفرجوا على المظاهرات الطلابية؟ أخبرني والدي كيف كان التجار يفرحون بالتحركات التي تحصل في ذلك المنطقة، تحركات مطلبية لم يعتبروها في يوم من الأيام خسارة. كانت المظاهرات تعبّر عنهم أيضاً. سوليدير دفعت تعويض لا يذكر للتجار، وأصبح لدينا مدينة ليست لأهل البلد، بسبب نهج "الحريرية السياسية". فهل ستقفين في وجهها كنائبة؟

القضايا، مواقف، إما نحارب من أجلها أو نقف صامتين. لا استنسابية في العمل من أجل الخير العام، أي السياسة. هذا تعريفها، الذي لا علاقة له بالاستعراض والتسويق بتاتاً. فهل ستمثّلين كل الوطن، من دون مراعاة أي فاسد، هل ستمثليننا كمواطنين، رجالا ونساء، كباراً وصغاراً؟ نحن المواطنون نحاسب النواب، ليس فقط نواب السلطة، وإنما من يقول أنه سيقوم بالتغيير لبلدنا.