تونس

"الديكاتور".. مطعم تونسي يُقدّم طبق "حرية مشوية" وسلطة "إنقلاب"

حاولت السلطات التونسية تغيير اسم المطعم لكن دعم الدعم الشعبي والحقوقي حال دون ذلك
31.1.19
Y46A1935
التقطت جميع الصور بواسطة Ezer mnasri

"الديكتاتور" اسم غير تقليدي وقائمة طعام مبتكرة تتضمن أطباق (بينوشيه، ولازانيا ماو، والاستبداد)، هذا ما يميز أغرب مطعم في تونس العاصمة، منذ افتتاحه أواخر عام 2016 لكن صراع سببه الاسم مع الأجهزة الحكومية التي حاول مسؤولوها بطرق عديدة دفع مالك المطعم ومديره سيف بن حمودة (34 سنة) لتغييره، تسبب في ذيوع صيت المطعم غير التقليدي، دون أن ينجحوا إلا في تقديم دعاية كبيرة له، فيما فشلت جهود دفعه لتغيير اسم المطعم أو إغلاقه بدعم من زبائنه ومنظمات المجتمع المدني بالإضافة إلى تجمعات المحامين والصحفيين.

إعلان

درس سيف اختصاص التسويق في باريس، تشبع بمبادئ العمل الحر واقتصاد السوق واستراتجيات التسويق الحديثة، ثم عاد إلى تونس ليعمل بعد ذلك مديرًا في شركة لخدمات ما بعد البيع تشغل أكثر من 2،500 عامل، لكن حلم امتلاك مشروعه الخاص الذي لم يفارقه منذ سنوات، بحكم تعلقه بثقافة الأكل واطلاعه الكبير على مطابخ العالم. وبعد الثورة التونسية عام 2011 رأي الشاب التونسي الطموح الظروف مواتية لتحقيق حلمه، فقرر خوض المغامرة، و كانت الخطوة الاولى هي تحديد الطابع العام للمطعم.

تعتمد استراتيجيات التسويق الحديثة، حسب سيف، على إعطاء المحلات طابعًا معينًا؛ كأن تجد مثلا مقهى يحمل طابعًا صحفيًا، لينعكس هذا الطابع على جميع مكونات المطعم، من الجدران والديكور، وحتى التفاصيل الصغيرة مثل ملابس النادل، والأكواب، واللوحات التي تزين الحائط، إذا يجب أن توحي جميعها لمرتادي المحل بأنهم يجلسون في مقر جريدة. يرى سيف أن هذه الاستراتيجيات غير موجودة في تونس، لذلك قرر أن يطبق ذلك على مشروعه.

1548841573569-Screen-Shot-2019-01-30-at-14550-PM

واجهة المطعم

تبلورت الفكرة في رأي سيف لاحقًا "كنت رفقة صديقي نشاهد مسلسلاً أمريكيا بعنوان "المستبد - Tyrant"، كان مسلسل مشوق ومليء بالأحداث تابعناه باهتمام، ألهمني ذلك المسلسل كثيرًا، وفي نهايته أخبرت صديقي بأنني قررت افتتاح مطعم باسم (الديكتاتور)، بعد 7 أشهر من البحث عن الفكرة". ويتابع: "عانت تونس من الديكاتورية لأكثر من 50 عامًا، كما أن زخم ما بعد الثورة ما زال متواصلًا. أردت الاستفادة من المكسب الرئيسي للثورة (حرية التعبير) بعد أن ظلت طوال عقود موضوع محرم، وأدركت أن مطعمًا مثل هذا سيثير رغبة الكثيرين في الاكتشاف".

بعد أن استقر سيف على طابع خاص للمطعم الجديد، بدأت بعض الأفكار تتابع في رأسه، أفكار لها علاقة بطابع المحل العام (الدكتاتوري) في حالته، كأن يسمي يومًا من الاسبوع بـ"يوم الدكتاتور"، وأن تكون الأطباق المقدمة للضيوف في ذلك اليوم مفروضة من قبل إدارة المحل على الزبائن، كترجمة فعلية لاسم المحل. في المقابل يقول سيف أن استثنائيته منعته من اعتماد الأسماء العادية للاطباق فحاول البحث عن أسماء أخرى: "أمضيت وقًتا في البحث عن حل لهذه المشكلة إلى أن في يوم ما عثرت على كتاب بعنوان "الاكلات المفضلة للدكتاتوريين " للكاتبتين ميليسا سكوت و فيكتوريا كلارك، هذا الكتاب ساعدني بشكل كبير على التفكير في أسماء الأطباق".

إعلان

يشتمل المطعم على قائمة كبيرة من الأطباق، منها طبق بينوشيه (في إشارة إلى دكتاتور شيلي أوغستو بينوشيه)، يتكون من السباقتي ولحم الحبار والبطارخ، إضافة إلى الطماطم والفلفل الحريف، وطبق لازانيا ماو (في إشارة إلى الزعيم الصيني ماوتسي تونغ)، والذي يتكون من المعكرونة الطازجة واللحم المفروم والموزاريلا، إضافة إلى صلصلة الطماطم. بالإضافة إلى أطباق أخرى مستبطة من قاموس مصطلحات الديكتاتورية مثل "حرية مشوية" وهو عبارة عن لحم بقر مشوي مع صلصلة، طبق ديمقراطية، وهو عبارة عن طبق من لحم العجل المخبوز، بالإضافة إلى طبق الاستبداد والذي يحتوي على لحم مقلي ملفوف و باذنجان، وسبانخ. وتترواح أسعار أطباق مطعم الدكتاتور بين 6 دينارات (2 دولار) و 25 دينارات (8 دولارات).

1548841624017-Y46A1905

قائمة الطعام غير التقليدية

حقق المطعم شعبية كبيرة، و وبات وجهة للتونسيين على اختلاف ثقافاتهم، بالإضافة إلى زوار تونس من العرب والأجانب. أحمد مرزوقي 27 سنة أحد زبائن المطعم الدائمين، بعد أن جذبه للمرة الأولى بفكرته الاستثنائيه، على حد قوله. وأضاف: "الجدل الذي أثاره المطعم هو الذي جذبني في المرة الأولى، قبل أن أصبح من رواده الدائمين. المطعم عبارة عن ملتقى ثقافي، فضلًا عن الأكلات المميزة التي يقدمها، أعجبني الجو العام في البداية، لكنني عندما تذوقت الأكلات التي يقدمها أصبحت آتي إليه أسبوعيًا".

أما سناء (40 سنة) التي التقنياها عندها قصدت المطعم مع عائلتها للعشاء، فقالت: "عندما دخلنا المطعم نسينا الطعام وتجولنا بين جنباته لأكثر من 20 دقيقة لاسكتشاف المكان، بالإضافة إلى الأسئلة التي طرحها أطفالي في محاولة لمعرفة قصص الأشخاص المعلقة صورهم على جدران المطعم، نحن نحتاج تجارب مثل هذه في تونس هذا طبعاً".

إعلان

اختار سيف ألوانا داكنة لمطعمه، وعلّق على جدرانه صور ممثلين ورؤساء وزُعماء أنظمة استبدادية، وعلّق في واجهة المحلّ لافتة عليها شعار المطعم وهو عبارة عن صورة وجه شخص آسيوي شبيه بالزعيم الكوري الشمالي كيم يونغ بشارب يشبه ذاك الذي ميز أدولف هتلر.

1548841687236-Y46A1925

رموز الاستبداد عبر التاريخ من وجهة نظر مؤسس المطعم على جدرانه

لم يتضمن المطعم أية صورة لشخصيات عربية من بين صور الدكتاتوريين التي تملأ المكان، حاول سيف تجنب خلق حساسيات داخل المحل كما أنه صمم عمدًا على عدم إقحام شخصيات عربية في الموضوع تجنبًا لإحراج زبائنه العرب: "تجنبت ذلك عن عمد، فلا أريد أن تسبب في الإحراج لزبائني الذين هم من جنسيات عربية مختلفة، كما أنني أردت تجنب خلق نقاشات سياسية داخل المحل بالنظر إلى ما يعيشه العالم العربي اليوم".

يرى سيف أن الاختلاف الكبير لوجهات النظر حول الزعماء العرب هو ما شجعه على عدم حشر شخصيات عربية في الموضوع "صدام حسين يراه البعض ديكتاورًا دمويًا، فيما يراه آخرون قائدًا عربيًا شجاعًا، كذلك الحال بالنسبة للرئيس الليبي السابق معمر القذافي".

سعى سيف قبل إطلاق المشروع الجديد إلى استكمال جميع الإجراءات القانونية والحصول على التراخيص اللازمة لمزاوية نشاطه، لكن ذلك لم يكن ليمنع السلطات من مطالبة صاحب المطعم بتغيير إسم المطعم. يقول سيف أنه بعد فتح المطعم طالبه مسؤولون في الدولة التونسية وفي مرات عديدة بتغيير الاسم دون إبداء أسباب "ليس هناك أي سبب يجعلني أغير اسم المطعم، في أوروبا حانات نازية ولم تسع السلطات إلى غلقها، رغم أن طابع الحانة مخالف للقوانين التي تُجرّم النازية. لقد طالبتني السلطات بتغيير اسم المطعم في مرات كثيرة ولكني تشبثت بموقفي في عدم الرضوخ طالما لم تتوفر أسباب مقنعة للتغيير".

1548841831149-Y46A1985

رسوم على جدران المطعم

بعد تشبث سيف بموقفه بعدم تغيير الاسم سعت السلطات الحكومية بولاية أريانة إلى اعتماد أساليب أخرى من خلال المراقبة المستمرة من قبل فرق الصحة و الشرطة البلدية من أجل العثور على سبب للاغلاق، لكن في النهاية، ومن خلال الدعم الكبير من المجتمع المدني والمحامين والصحفيين تمكن سيف من تجاوز الأزمة، بعد اتفاق مع السلطات يقضي بالمحافظة على اللافتة والاسم شريطة إزالة شارب هتلر من وجه الشخص الآسيوي الشبيه بكيم جونغ أون، ليحتفظ المحل باسمه وهويته، بينما يشكر سيف السلطات على حملتها التي لم نجحت فقط في المساعدة على الترويج للمطعم بشكل لم يكن يتوقعه شخصيًا وذيوع صيته.