10 أسئلة

عشرة أسئلة لطالما أردت طرحها على لاديني

الإنسان صار قادراً على إدارة حياته دون الرجوع للسماء
8.7.19
ياسر

الصورة مقدمة من ياسر

في محافظة النجف جنوبي العراق، حيث مرقد الإمام علي، أول أئمة الشيعة وإبن عم الرسول محمد، وعاصمة المذهب الشيعي في العالم، يعيش ياسر مكي، 24 عاماً، بأفكار ومُعتقدات بعيدة عن أقرانه الذين درست مجموعات منهم الدراسات الدينية المعروفة بإسم "الحوزوية" أو الذين أكملوا الدراسات الأدبية والعلمية. ياسر الذي درس طب الأسنان ويُمارس مهنته اليوم، وُصِّف في يوم ما بأنه "يُشجع الشباب على الإلحاد ويُسيء للإسلام والنجف" بعدما نشط في المجتمع المدني وأنشأ مع أصدقائه منظمة "موجة" التي تهدف إلى التثقيف على التعددية وقبول الآخر، لكنه لا يدعي الإلحاد بل "لا ديني" لم يصل بحسب قوله إلى مرحلة نفي وجود الخالق أو عدمه. ياسر ليس وحيداً في اعتقاداته، فبحسب استطلاع أخير نشرته الـBBC فقد ارتفعت نسبة الشباب العرب الذين يصفون أنفسهم بأنهم غير متدينين من 8% في عام 2013 إلى 13% هذا العام، وكانت نسبة الزيادة الكبرى بين من هم دون سن الثلاثين من أعمارهم. تحدث إلى ياسر لمعرفة المزيد عن معتقداته وإذا كانت المشكلة برأيه في الدين أم في رجال الدين.

إعلان

VICE عربية: مرحبا ياسر، أخبرني بداية، ما هو تعريف اللاديني؟
ياسر مكي: اللاديني هو الشخص الذي لا يؤمن بالأديان، ولا يؤمن بضرورتها كعامل منظم للعلاقات بين البشر، بغض النظر عن وجود الإله من عدمه. مسألة وجود الإله هامشية بالنسبة الأسئلة المهمة التي يطرحها اللاديني. الإسلام كمكون ثقافي، ليس فقط تشريعات وصلاة وصوم وفقه، بل مكون ثقافي ومعرفي وحضاري وإنتاج فلسفي ومعرفي وفن وعِمارة. أنا مُسلم بالإسلام كثقافة ومُكون، ولا أستطيع أن أنزع هذا الإنتماء عني. الأحكام الدينية لا تعنيلي أي شيء، وأٌفضل إدارة حياتي عبر القوانين الوضعية وسيادتها وسيطرتها على الأجواء العامة وتنظيم حياة الأفراد، دون الحاجة إلى الرجوع لدين أو عقيدة معينة سماوية تفرض علينا أفكار وآراء ومناهج للحياة، ونكتشف فيما بعد أن القائمين على الدين هم المسيطرين ويفرضون علينا تقديس النصوص والأفكار من أجل أن يبقون في السُلطة والصدارة. لذا اللاديني يؤمن بأن يُدير الإنسان حياته بنفسه ويُحدد مصيرها بنفسه. وهناك فرق بين اللاديني والملحد لا يميزه البعض، أنا لستُ ملحداً، ولستُ ممن ينفون وجود الإله ولست كدلك من الذين يُدعون لعبادته. أنا أتحدث عن أن البشر لم يعودوا بحاجة إلى السماء لتمشية أمورهم، فهم قادرون على ذلك لوحدهم. أرفض أن أوصف بالملحد لأنني لست كذلك، أنا مازلت في عملية البحث عن الحقيقة.

ماذا كان العامل أو السبب الأساسي الذي جعلك لا دينياً؟
نحن الجيل الذي ولد بعد حرب عاصفة الصحراء (دخول القوات العراقية للكويت عام 1990)، وعندما حدث التغيير في العراق عام 2003 كان عمري حينها 10 سنوات. نحن رأينا الخراب والتركة الثقيلة وسنوات من الحصار والحروب استمرت لفترة طويلة وإقتصاد مُنهك ومُجتمع مفكك وعلاقات دولية سيئة. وعينا على الدنيا والأحزاب الإسلامية تُسيطر على السُلطة وعلى كل مفاصل الحياة، فرأينا أن واحدة من أسباب إستمرار الخراب في العراق هي إستغلال الدين سياسياً، واستغلاله يعني أن الأحزاب غير قابلة للنقد والانتقاد وتُحيط نفسها بغطاء مقدس تدعي إرتباطه بالسماء. صار الدين مثل العامل الأساسي الذي يحمي النخب السياسية الفاسدة التي بدأت وبشكل ممنهج تُخرب قطاعات التعليم والصحة والتربية والإقتصاد. أنا من هذا الجيل بدأنا نرى إستغلال الدين في السياسة وتجهيل الناس وتخديرهم واللعب على أوتار العاطفة الدينية من خلال إستغلال الناس دينياً بمشاريع تخدمهم. هذا ما أنتجته كمية الخراب المحيطة بنا وتلك الهالة الدينية التي حمى بها الفاسدين أنفسهم.

يمكن أن يكون الدين عاملاً للسلام والوئام والمجتمع الهادئ المسالم المتحضر، وفي ذات الوقت يمكن أن يكون أداة إرهابية وحشية بشعة تقتل وتجرف كل من لا يتفق معه

بعد عام 2010 بدأت ملامح المجتمع المدني تعود وبدأت الحركات المدنية تستعيد نشاطاتها ثم جاء فيسبوك ليبرز ذلك أكثر، وكذلك انفتاح الشباب العراقي على العالم أكثر، مما جعلنا نرى ألوان العالم وتعدديته وجعلنا ننشط في التفكير النقدي، كما أن النشاطات الثقافية حركت الشباب العراقي نحو التوسع في معرفة العالم بعد سنوات من الانغلاق في مجالات عدة. وسائل التواصل الاجتماعي ساهمت كثيراً في توسيع المدارك ونقد الخزعبلات والخرافات وغيرها، وبدأت تظهر مشاريع ساهمت في خلق حوار شبابي حول الدين والتدين، وصار الاهتمام أكثر بالعلوم مثل الفيزياء ونظرية التطور وغيرها.

هل كانت تربيتك دينية متشددة؟
عائلتي متدينة لكن ليست متشددة بالدين، كنت في المرحلتين المتوسطة والثانوية من دراستي أدرس في مدارس دينية، وكنت من المتفوقين. كانوا يعلموننا أن الشخص الذي يحلق لحيته كافر وزنديق، ولم نكن يسمح لنا بسماع الأغاني أيضاً، هذا ما كانوا يقولوه لنا في الأحكام الفقهية، لكن في المرحلة الإعدادية بدأت أتغير من خلال القراءة والإطلاع على أديان وثقافات أخرى من خلال الكتب والأفلام والسفر، بدأت وأصدقائي نتذوق العالم بشكل مختلف، وصرنا أقل تطرفاً وأكثر تقبلاً للآخر. صرنا نرى العالم، وكلما رأيناه صرنا أكثر فهماً للحياة.

إعلان

كيف تنظر إلى الدين بشكل عام؟ ألا ترى أنه يساعد في خلق مجتمع متجانس أم يسبب التفرقة؟
الدين يقبل كل شيء ويرفض كل شيء. يمكن أن يكون الدين عاملاً للسلام والوئام والمجتمع الهادئ المسالم المتحضر، وفي ذات الوقت يمكن أن يكون أداة إرهابية وحشية بشعة تقتل وتجرف كل من لا يتفق معه. يمكن أن يكون الدين ثورة وقوة لتقوية الشعوب أمام السلطات وحاكميها، وفي ذات الوقت يُمكن أن يكون أداة لإستعباد الناس وإستحقارهم وإذلالهم وسحق كرامتهم.

يجب أن يُعاد النظر بما يُسمى بأحكام المرتد والمُشرك، فحرية الاعتقاد والتفكير هي حرية شخصية

أرى أنه لابد أن تصل الدولة إلى مرحلة أن تكون بلا دين، وإذا صارت بدين مُعين في مجتمع مُتعدد، بكل تأكيد لن يكون التعامل مع المجتمعات متساوياً ومتعادلاً، لأن الدولة ستتعامل مع الذين من غير ديانات وقوميات ومذاهب بدرجة أقل من تعاملها مع الدين الذي تحمل إسمه، حتى وأن حاولت أن تكون عادلة وتُراعي ذلك. نحن بحاجة إلى دولة مواطنة، لا دولة دين أو أديان، لذا كثير من الناس يدعمون علمانية الدولة. البشرية وصلت إلى مرحلة تستطيع من خلالها أن تحكم نفسها بنفسها، وأن تقطع العلاقة مع السماء من خلال وثيقة وضعية تحكم علاقتنا مع بعضنا. القوانين الوضعية قابلة للتطوير والنقد والتغيير، أما إذا كانت قوانين إلهية وسماوية فبكل تأكيد هناك جهات ستتحدث بإسم ألله وتصل بنا إلى مرحلة التكفير، لذا على الدين أن يحافظ على نطاق الوعظ الأخلاقي وتقديم المساعدات للناس، لا أن يكون بداخل الدولة ويفرض أحكامه عليها.

هل المشكلة في الدين أم المشكلة في رجال الدين؟
ياسر، المشكلة مركبة، بهما هما الإثنين. يجب أن نتجاوز ما يُقال عن إن "الدين ملائماً لكل العصور والأوقات". في دولة النبي محمد كان هناك شيئاً من العلمانية، كل شخص في تخصصه. هناك نصوص لا يُمكن أن نستمر بإستخدامها، مثل تنظيم العبيد والميراث وغيرها، كل شيء تغير فهل يُمكن إبقاء العمل بها؟ يجب أن يُعاد النظر بما يُسمى بأحكام المرتد والمُشرك، فحرية الاعتقاد والتفكير حرية شخصية.

إعلان

الدين الإسلامي يتعارض مع الديموقراطية، فالدين يفرض الحاكمية لله وتدرُج الحكم يأتي من الأعلى، من السماء، بينما الديمقراطية تتحدث عن أن الشعب هو من يُقرر مصيره. هناك اختلافات كبيرة، وفي ذات الوقت يبقى الدين عامل أساس بما يتعلق بنصائح عدم السرقة وعدم الإعتداء على الآخر وغيرهما من آليات التثقيف والتوعية. رجال الدين يتحملون جزءاً من المشكلة، لكنهم في ذات الوقت مُحاصرين بالنصوص الدينية، فإذا تجاوز رجل الدين النصوص وتجاهلها، فلن يكون رجل دين، ستنتفي عنه هذه الصفة، فالمسألة صعبة بالنسبة لهم وهذا ما يجب أن نتفهمه نحن أيضاً.

نعمل الآن على ألا نصل إلى مرحلة التطرف اللاديني، خاصة للشباب الذين إنتقلوا من التطرف الديني إلى اللاديني، ونُفهمهم دائماً بأن لا نتيجة من إنتقال الإنسان من تطرف إلى آخر

هناك حركات تجديدية تحاول فهم النص على السياق التأريخي، الإيرانيون بارعون في ذلك من خلال محمد مجتهد شبستري ومصطفى ملكيان وعبد الكريم سروش، وعلى مستوى الوطن العربي من محمد عبده إلى جورج طرابيشي، ومن العراقيين عبد الجبار الرفاعي وغيره، هؤلاء عملوا على تفسير النص بشكل يواكب حياة الإنسان حالياً. لا ننسى أيضاً أن رجال الدين ومؤسسات دينية لديهم مصالح وأموال ومناطق نفوذ وقوى تريد الحفاظ عليها، والدفاع عن أي شيء يمس هذه المصالح، لذا فخ يعتقدون بأنهم أمام صراع مستمر.

هل لديك أي خوف أو شك بأنك على خطأ؟
بكل تأكيد أن أي إنسان سوي لديه منهج علمي ويؤمن بالمنهج العلمي والعقلانية، يبقى في شك لن يصل لنتيجة حتمية وقطعية للجزم بأنه على الصواب والطرف الآخر على خطأ، المسألة بحد ذاتها "سخيفة وتافهة" (يقول مازحاً). الأفكار والقناعات في تغير مستمر، أنا ياسر اليوم لست ياسر الأمس، ولست ياسر بعد يومين أو سنة أو عشر سنوات، وهذه حالة صحية. مانواجهه هو التمسك الشديد بالآراء، وهذه بذرة أولى للتطرف والتشدد والتكفير وإلغاء الآخر. السؤال الذي طرحته هو الذي يُبقينا في عملية حراك دائم وتواضع وبعيدين عن الغرور والإقصاء، فالإنسان يجب أن يستمر في البحث للوصول إلى جزء من الحقيقة.

إعلان

هل يعلم أهلك وأصدقائك بعدم إيمانك، وما هي ردة الفعل الأولى عندما يعلمون أنك لا ديني؟
أنا أعامل كل شخص حسب المشتركات وإمكانياته العقلية والاستيعابية، أنا لا أصرخ في الشارع بأنني لاديني. البعض يتهمني مباشرة بأنني ملحد ويطلق توصيفات من خياله. المجتمع في غالب الأحيان لا يتقبل ذلك، وغالبية الناس يسخرون من الفكرة، لأنهم ضد أن تكون حراً في تفكيرك. لكن في ذات الوقت هناك جيل من الشباب لديه لهفة كبيرة في الخروج من عباءة الدين والطيران في مساحات الحُرية والاهتمام أكثر بالعلوم والثقافات والفنون.

هل تعرضت للتهديد أو التكفير بسبب ارائك؟
في عام 2013 تعرضت أنا وأصدقائي في جامعة الكوفة إلى ضغوط كبيرة جداً وشديدة، من تهديد بالفصل من الجامعة، والتضييق علينا، إلى تعرض بعض الزميلات إلى الرسوب المُتعَمد، إلى الزيارات المستمرة لأفراد الأمن الوطني. كل هؤلاء أخافتهم حريتنا نحن "مجموعة شباب مخربطين" (يقول مازحاً). كل هذا حدث لأننا كتبنا وتناقشنا في فيسبوك عن: هل يستطيع الإنسان أن يعيش بلا دين أم لا، وهل من الصحيح إستغلال الدين في السياسة والمصالح الشخصية، وهل أن الحجاب تفرضه البيئة أم القناعة، وتمكنا من خلق حوار فكري كبير غير جامعة الكوفة وخلق جدلاً كبيراً في النجف ونشّط الشباب وحركهم، ولكنه خلق أيضاً قلق لدى الكثيرين ممن تاجروا بالدين الإسلامي.

البشرية لن تصل إلى حالة يكون فيها العالم بلا دين. الألم في العالم فظيع، والدين يُخفف من وحدة الإنسان

كان الحصار داخل الجامعة وخارجها، كُنا نُراقب من قبل جهازي الأمن الوطني والاستخبارات، عندما ننتقد إستغلال الدين سياسياً، يعتقدون بأننا نُحارب الصلاة والصوم. في إحدى المرات نشرنا كاركاتير عن الحجاب وفكرته لفتاة مصرية تقول "وانت مال أمك ان لبست الحجاب أو نزعته" حينها أثار جدلاً واسعاً في النجف، وإتهمونا بأننا نُشجع على خلع الحجاب. ولكن كل هذا الجدل شجع عدد كبير من الشباب على إعلاء صوتهم وبعض الشباب الذين كانوا ينتقدوننا، يتبنون العلمانية اليوم ويعملون معنا في المنظمة، وهذا يعني أننا نجحنا.

من خلال عمل منظمتك، هل ترى فعلاً هناك زيادة في عدد اللاديينيين في العراق والوطن العربي؟
هناك عدد كبير في النجف وكربلاء وفي كل أنحاء العراق، وحتى المناطق المُحررة من "داعش" بدأت تخرج منها مجموعات من الشباب غير المتدينين، وصارت عندهم تجمعات وينشطون بشكل كبير. هناك جيل الألفية الثالثة ينشط بشكل كبير حتى في المدارس وفي النجف تحديداً، هؤلاء كلهم يُريدون الخروج من عباءة الدين. نعمل الآن على ألا نصل إلى مرحلة التطرف اللاديني، خاصة للشباب الذين إنتقلوا من التطرف الديني إلى اللاديني، ونُفهمهم دائماً بأن لا نتيجة من إنتقال الإنسان من تطرف إلى آخر، فالعقل وحده من يوصلنا للنتائج التي نُريد وصولها، فالتطرف اللاديني لا يقل خطورة عن التطرف الديني. ليس لدي إحصائية عن اللادينيين في العراق أو في العالم العربي، لكن من خلال ما أراه أجد هناك تزايداً كبيراً بأعدادهم من خلال ما يكتبون وما يتحدثون به. الفكرة ليس أن نخلق أشخاص لا دينيين، بل أن نخلق أناس يقبلون التنوع والتعددية.

برأيك، كيف سيبدو العالم بدون دين؟
برأيي أن البشرية لن تصل إلى حالة يكون فيها العالم بلا دين. التجارب التاريخية تثبت دائماً بأن كل الشعوب والتجمعات البشرية المختلفة لديها عقائد وطقوس ومعتقدات تُحب أن تُطمئن نفسها من خلالها، لذا يجدون في الدين هو المرتع الذي يشعرهم بالراحة والطمأنينة، حتى وأن كان ديناً وهمياً. الألم في العالم فظيع، الدين يُخفف من وحدة الإنسان وآلامه، الدين مثل البلسم الذي يُخفف من الألم الوجودي ووحدة الإنسان، الدين يُعطي الراحة الداخلية. لدينا تجارب دول وحضارات حاربت الدين وواجهته بأقصى الطرق مثل الإتحاد السوفيتي والصين. لم تكن تجربتيهما جيدتين، بل سيئتين. أنا مع الدول التي تُعطي مساحات للناس بممارسة حرياتها وطقوسها، مهما كان الإختلاف.