شهر رمضان

منافسة قوية بين القنوات التونسية في رمضان

يحتل مسلسل "المايسترو" صدارة استطلاعات الرأي ضمن أفضل الأعمال التلفزيونية
16.5.19
مريم بن شعبان

مريم بن شعبان في مسلسل مشاعر

يشهد شهر رمضان 2019 عودة قوية للإنتاج الدرامي التونسي بعد أن سجل نقصاً كبيراً على مستوى عدد الأعمال في السنوات السابقة. إذ يشهد هذا الموسم منافسة قوية بين ستة مسلسلات درامية تونسية هذا عدا السلسلات الكوميدية. ومنذ الحلقات الأولى تعالت أصوات النقاد والمتابعين مثمنة المستوى الفني لمجمل الأعمال الدرامية على مختلف القنوات. لكن رغم ذلك بدا ما يشبه المنافسة العلنية الخفية هذه السنة بين القناة الوطنية التي تعود للسباق الرمضاني بعد غيابها الموسم الفارط بعمل ضخم "المايسترو" وبين قناة الحوار التونسي بمسلسلها المثير للجدل "أولاد مفيدة."

1557996930527-

مسلسل المايسترو

للمرة الأولى تتجند القنوات التونسية لتتنافس فيما بينها دراميًا كماً وكيفاً. ففضلاً عن تعدد الأعمال في رمضان هذا العام قياساً للسنوات السابقة، بدا واضحاً أن كل قناة خاصة أو رسمية قد هيأت نفسها جيداً لدخول سباق الدراما التونسية بطبق رئيسي مميز قادر على استقطاب المشاهد التونسي الذي استاء في مناسبات عديدة من ضعف المحتوى الدرامي على الشاشات المحلية. طبق دفع، منذ الحلقات الأولى، الصحافيين والنقاد ورواد مواقع التواصل الاجتماعي لإخضاع كل الأعمال للنقاش والطرح بأوجه مختلفة وهو مؤشر يشي بولادة صحيحة وجديدة للدراما التونسية.

ويعد شهر رمضان مساحة هامة للقنوات التلفزية التونسية لعرض ما تنتجه من أعمال درامية وكوميدية سنويا الأمر الذي يخلق منافسة كبيرة بين هذه القنوات في محاولة لتحصيل أعلى نسبة مشاهدة وأكبر حصة ممكنة من الإشهار. وبعد أن كان المشاهد التونسي، في ظل محدودية الأعمال الدرامية التونسية في المواسم السابقة، لا يجد صعوبة كبيرة في اختيار الأعمال المحلية التي يتابعها أحياناً كرهاً لضيق الخيارات، بات هذه السنة في حيرة من أمره أي الأعمال يتابع لا سيما وأن المسلسلات المنتجة تطرح أفكار متنوعة برؤى وتصورات فنية مختلفة.

يجول مسلسل "نوبة" في عالم المزود والمزاودية (فن شعبي مشهور في تونس) راصدا أدق تفاصيل حياتهم اليومية

فبعد أن كان مسلسل "من أجل عيون كاترين" آخر عمل درامي تنتجه قناة نسمة سنة 2012، عادت هذه المحطة الخاصة هذه السنة لسباق الدراما بمسلسل "النوبة" من إخراج الشاب عبد الحميد بوشناق نجل الفنان لطفي بوشناق، والذي دخل غمار الدراما التلفزيونية بعد تجربة سينمائية ناجحة جداً "فيلم دشرة." ويجول مسلسل "نوبة" في عالم المزود والمزاودية (فن شعبي مشهور في تونس) راصداً أدق تفاصيل حياتهم اليومية، كيف يصنع هؤلاء من أوجاعهم ألحانا مدهشة. ونجحت كاميرا بوشناق في تلقف تفاصيل هذا العالم بدقة لا متناهية ونفض الغبار عن جماليات المزود والمزاودية التي كانت تحتاج عينا فنية تتقن ملاحقة التفاصيل والجزئيات لتصنع منها عملاً فارقاً. ويشارك في بطولة العمل البحري الرحالي والشادلي العرفاوي وسعد بن عبد الله وجميلة الشيحي وأميرة الشبلي وغيرهم.

في الأثناء دخلت قناة قرطاج بلاس الخاصة السباق بمسلسل "مشاعر" وهو عمل تونسي جزائري ضخ من 100 حلقة اعتمد فيه لأول مرة على خبرات تركية من حيث الإدارة الفنية والسيناريو والإخراج. إذ يتولى المخرج الألماني التركي محمد الجوك إخراج المسلسل بعد تجربة ثرية في إخراج عديد الأعمال الناجحة في كل من ألمانيا وتركيا وروسيا والجزائر وبلغاريا وأذربيجان. ويشارك في البطولة من تونس كل من هشام رستم ومريم بن شعبان وأحمد الأندلسي ومحمد مراد وريم بن مسعود ومعز القديدي، ومن الجزائر كل من حسان قشاش وسارة لعلامة ونبيل عسلي وعادل شيخ وغيرهم. ويطرح المسلسل قصة اجتماعية عاطفية على طريقة المسلسلات التركية.

ويتطلع العاملون في مسلسل "مشاعر" لأن ينجح العمل في التعريف بالدراما التونسية خاصة والمغاربية عموما على النطاق العربي، وأن يسهم في التعريف بالأماكن السياحية في البلاد لا سيما أن العمل قد تم تصويره في مدن تونسية عديدة وبتقنيات عالية أضفت جمالية كبيرة على الأماكن التي طالتها الكاميرا.

أما قناة التاسعة الخاصة فراهنت على مسلسل "القضية 460" الذي دخل السباق بإخراج فني مختلف وجديد على الدراما التونسية لا سيما وأن العمل قد تم تصوير بتقنيات عالية وصفت بأنها هوليودية انعكست بشكل كبير على جمالية الصورة اللافتة. وتم تصوير العمل بين موسكو وتونس وهو مسلسل تاريخي تجري أحداثه في فترة الأربعينيات ويعالج مجموعة من القضايا على غرار الجريمة والحب. والعمل من إخراج مجدي السميري الفنان متعدد المواهب، فهو مخرج وممثل ومنتج ومغني راب، وبطولة نجيب بالقاضي وعائشة بن أحمد ومحمد قريع ومحمد مراد وريم بوستة وغيرهم. ومنذ حلقاته الأولى راهن بعض المتابعين على أن العمل سيكون بمثابة المنعرج الهام في تاريخ الدراما التونسية لا سيما على مستوى الصورة.

كما واصلت قناة التاسعة الثقة في مسلسل "شورّب" لتقدمه في موسمه الثاني مع تولي مديح بلعيد الإخراج مكان ربيع التكالي وبانسحاب بعض ممثلي الجزء الأول كفريال يوسف ومعز القديري وترك المجال لمثلين آخرين مثل سميرة مقرون وعاطف بن حسين والحفاظ على لطفي العبدلي في دور البطولة. وتدور أحداث المسلسل حول شخصية "شورّب" وهو رجل عاش في أواخر القرن العشرين عرف بالإجرام وخصام الجميع والسطو على ممتلكات الغير لكنه يخشى والدته أشد الخشية. ولقي هذا العمل انتقادات كبيرة من ناحية أنه يحتفي بشخصية عرفت بتاريخها الإجرامي وطرحها في عمل درامي لن تكون له إضافة تذكر.

1557997142692-

لقطة من مسلسل اولاد مفيدة

ورغم تنوع وجودة الأعمال المطروحة على أغلب القنوات التلفزيونية التونسية هذا الموسم، إلا أن العودة القوية للتلفزيون الرسمي للسباق بمسلسل "المايسترو" سلط الأضواء عليها وأعادها للواجهة مجدداً بعد أن سحبت قناة الحوار التونسي بمسلسلها "أولاد مفيدة" المثير للجدل البساط منها لعدة مواسم. وكانت القناة الرسمية الخيار الوحيد للمشاهد التونسي على المستوى المحلي لعقود بسبب قلة القنوات المنافسة سابقاً وبما تقدمه من أعمال كانت تروق في الغالب للمشاهد المحلي، ولكنها فقدت منذ سنوات بريقها ومكانتها بسبب منافسة القنوات الخاصة التي ظهرت تباعًا على الساحة في تونس.

يطرح مسلسل "المايسترو" مشاكل الأطفال الجانحين داخل المؤسسات الإصلاحية ومحاولة إعادة تأهيلهم عن طريق الموسيقى في قالب درامي مشوق مع مسحة من الرومانسية

ولكن يبدو أن القناة الرسمية قد أدركت، ولو متأخراً، قيمة المنافسة التي باتت تعيش على وقعها، ووعت أن سنوات القناة الوحيدة قد انتهت وأن هذا يتطلب منها بحثا مكثفاً ومعمقاً عن أفكار في مستوى الرهان. ولهذا عادت في هذا الموسم بعمل درامي ضخم "المايسترو" هو بمثابة إقلاع جديد للقناة واعتذار لجماهيرها ومحاولة لاستعادتهم. ومسلسل "المايسترو" إخراج الأسعد الوسلاتي عن سيناريو وحوار لعماد الدين الحكيم، وقد بلغت تكلفته حوالي ثلاثة ملايين دولار، فهو يضم نخبة من أهم الممثلين في تونس على غرار فتحي الهداوي وأحمد الحفيان والنجمة درة التي تعود للدراما التونسية بعد غياب سنوات ووجيهة الجندوبي وغيرهم من الأسماء. ويطرح المسلسل مشاكل الأطفال الجانحين داخل المؤسسات الإصلاحية ومحاولة إعادة تأهيلهم عن طريق الموسيقى في قالب درامي مشوق مع مسحة من الرومانسية.

وأحداث "المايسترو" مستوحاة من قصة الموسيقي التونسي رياض الفهري الذي خاض تجربة تدريس الموسيقى للأطفال الجانحين بأحد مراكز الأحداث. وقد تم الإعتماد على شهادات حية لأطفال بمراكز الإصلاحية بتونس حسب ما أكد ذلك مخرج العمل في مناسبات سابقة. ويحتل مسلسل "المايسترو" صدارة استطلاعات الرأي بشأن أفضل الأعمال التي نالت إعجاب الجمهور التونسي حتى الآن، وهو مؤشر هام بالنسبة للقناة الرسمية التي راهنت بقوة على العمل، لكنه يشكل أيضا تحدي لها من ناحية أنها باتت مجبرة على إنتاج أعمال لا تقل قيمة عن هذا المسلسل.

في المقابل جددت قناة الحوار التونسي العهد مع مسلسلها المثير للجدل "أولاد مفيدة" في جزئه الرابع للمخرج وكاتب السيناريو وصاحب القناة سامي الفهري. ورهان هذه المحطة على هذا المسلسل للمرة الرابعة لم يأتي فراغ بل له ما يشرعه، ذلك أنه العمل الذي مكنها من تحقيق أعلى نسب مشاهدة لمواسم متتالية وحقق لها عائدات مالية هامة بسبب تهافت الإعلانات وقت عرض هذا العمل.

ومنذ جزءه الأول واجه العمل، الذي تدور قصته حول أرملة مع أبناءها الثلاثة الذين أنجبتهم من خيايات مختلفة وسقوطهم المستمر في الإجرام والمخدرات، سيلاً من الانتقادات وأثار جدلاً كبيراً باعتباره عملاً جريئاً بشكل مبالغ فيه ولكنه كان يحقق سنوياً أرقاما قياسية في نسب المشاهدة عند عرضه على الشاشة وعلى اليوتوب.

وبعد أن كان الجدل سابقاً يتراوح بين التنديد ببعض المشاهد أو انتقادها مع مواصلة متابعة العمل، فإن الجدل هذا الموسم بلغ حد المطالبة بمقاطعته والدعوة لتنظيم حملات في الغرض. وهذا التقلب في مزاج المشاهد التونسي قد يعود لوجود خيارات درامية أخرى ذات جودة وقادرة على جلب الانتباه أكثر من مسلسل "أولاد مفيد."

وكانت الهيئة العليا المستقلة للاتصال السمعي البصري بتونس "الهايكا" قد قررت في وقت سابق تأجيل عرض مسلسل إلى ما بعد الساعة العاشرة مساء مع رسالة تحذيرية من محتواه تعرض على الشاشة وبخط واضح تنص على أن "هذا البرنامج يحتوي على مشاهد عنف من شأنها التأثير على الفئات الحساسة وخاصة الأطفال دون سن 12 سنة." وتزامن ذلك مع تعال الانتقادات التي طالت العمل منذ بدء عرضه نتيجة تتالي مشاهد شرب الخمر والمخدرات والعنف الجسدي واللفظي خصوصاً أن المسلسل يعرض فى بعد موعد الإفطار مباشرة.