المانجا
كوكب اليابان

المانجا اليابانية.. ثقافة قديمة لأجيال عربية جديدة

من منا لا يتذكر مازنجر وجراندايزر وكابتن ماجد؟
31.7.19

في منتصف 2018، بدأت دار نشر قاهرية نشر ترجمة مُسلسلة لرواية مصورة يابانية شهيرة تدعى "جن الحافي"، التي سبق ترجمتها إلى لغات عدة، وتمثل واحدة من أنجح سلاسل المانجا اليابانية في العالم.

جاءت مبادرة دار المحروسة بنشر ترجمة "جن الحافي" بعد ظهور مواقع تبنت مبادرات عربية لترجمة القصص المصورة على يد هواة، بينها بعض سلاسل المانجا اليابانية. ما يشهد بوجود مجتمع عربي يهتم بهذا الفن الياباني القديم، الذي لم يحظ في العالم العربي بنفس الأرضية والنجاح الذي حازه فن ياباني آخر تولَّد عن المانجا، وهو فن الأنِمي- Anime.

البحث عن تاريخ ظهور فنّي الأنِمي والمانجا في العالم العربي، يقودنا إلى بداية من عام 2000؛ انقسمت علاقة الشباب العرب بالأنِمي والمانجا إلى خبرتين في جيلين مختلفين.

في مطلع الألفية، انطلقت من دمشق قناة جديدة للأطفال تدعى سبيس تون، اعتمدت على تقديم مسلسلات كارتون يابانية مدبلجة للعربية. وبدأت المدارس المصرية تشهد ظهور لعبة جديدة، عبارة عن دوائر بلاستيكية صغيرة تدعى Tazos تحمل صور وحوش غريبة باسمة تدعى "وحوش البوكيمون".

إعلان

كان الانتشار واسعًا حتى بين الأطفال الذين لا تمتلك عائلاتهم أطباق استقبال للقنوات الفضائية، التي لم تكن قد انتشرت فوق أسطح المنازل المصرية بعد. فكان سبيل كثير من الأطفال والمراهقين المصريين للتعرف على "بوكيمون" هو تبادل شرائط الفيديو التي تحوي تسجيلا للحلقات، بالإضافة إلى ساعة واحدة من الكارتون ينقلها التلفزيون المصري في منتصف اليوم قبل النشرة الإنجليزية على القناة الثانية الأرضية، قدمت خلالها بعض حلقات بوكيمون للأطفال والمراهقين المصريين. لكن معرفة الأطفال العرب -الذين صاروا الآن شبابًا- بالأنِمي الياباني، تسبق انطلاق سبيس تون بعدة سنوات.

في أوائل التسعينات، اشترى التلفزيون المصري بضع حلقات من كارتون ياباني جرت دبلجته في الأردن خلال عقد السبعينات وهو "مازنجر زي"، من ترجمة "زهير حداد". تلاه عرض بعض حلقات من أنِمي "النمر المقنع" ثم "جراندايزر" إلى جانب المسلسل الأنجح "كابتن ماجد".

هذه الحلقات القليلة المتفرقة عرَّفت جمهور صغار السن العرب من مواليد الثمانينات والتسعينات على فنون الأنِمي Anime الياباني مبكرًا، لتأتي انطلاقة سبيس تون، وما عرضته من حلقات لمغامرات بوكيمون أو دراجون بول، غير غريبة على ذائقة المتفرجين؛ وإن لحق بها جيل جديد من مواليد منتصف التسعينات ثم من ولدوا بعد عام 2000، وهؤلاء صارت علاقتهم بالأنِمي أقوي، وظهر أثره في ثقافتهم بشكل أعمق.

جيل جديد.. فن جديد
أبناء الجيل الأول من مواليد الثمانينات ممن تعرفوا على الأنِمي في طفولتهم، صار كثيرون منهم آباء لجيل ولد بعد عام 2000. ونتيجة للتطورات المتلاحقة وتغير شكل ومضامين الترفيه المتاحة لصغار السن؛ صار تعرض أبناء هذا الجيل للمحتوى الرقمي أو المحتوى الوارد عبر الفضائيات أكبر، مما جعل تحدث الأطفال دون الخامسة باللغة العربية الفصحى المكتسبة من مسلسلات الأنِمي المدبلجة، مثار تندر في بيوت كثير من الأسر المصرية. ما يشهد بتدخل الأنمِي في تشكيل لغة وثقافة الأجيال المولودة عقب عام 2000، على الأقل في مصر.

إعلان

في مقال نشرته صحيفة The National لريم غزال، تحدثت الكاتبة الإماراتية عن أثر الأنِمي في ثقافة الأجيال الجديدة بدولة الإمارات، منذ عرض مسلسلات الأنمي على شاشة التلفزيون المحلي الإماراتي في السبعينات -قبل عقد كامل من عرضها في مصر. تقول ريم غزال إن تشكيل "مجلس التعاون الخليجي" كان له بالغ الأثر في نهضة ثقافة الأنِمي في دول الخليج العربي، وبدء برامج الإنتاج والبث المشترك من خلال هيئة خاصة تشكلت عام 1976. وترصد الكاتبة أن نهاية السبعينات شهدت ظهور أول أنِمي مدبلج إلى العربية.

يختلف الحال في مصر وباقي دول العالم العربي إلى حد كبير. ففي فترة تسبق انتشار الفضائيات، كان أبناء منطقة شمال أفريقيا (مصر والسودان والمغرب العربي) يتعرضون للكارتون الأمريكي والأوروبي – خاصة الفرنسي، بينما يتعرض له أبناء سوريا والعراق للأنمي الياباني ثم الكوري، كبديل للكارتون الأمريكي في ظل انتشار ثقافة المقاطعة الثقافية للولايات المتحدة كأثر باق من آثار المد القومي العربي، وهذا في الوقت الذي كانت تتعمق فيه ثقافة الأنِمي في منطقة الخليج. ما أحدث بمرور الوقت انقسامًا واضحًا بين الروافد الثقافية لمواليد السبعينات والثمانينات من أبناء الخليج والشام، ومجايليهم من مواليد مصر والمغرب العربي. لكن انتشار الفضائيات في نهاية التسعينات وبداية الألفية؛ وحد تلك الروافد، حينما بدأ عصر "سبيس تون"، وصار الأنِمي الياباني وزميله الكوري أكثر انتشارًا وأكبر تأثيرًا بين الأجيال الأحدث.

تعود بدايات فن الكوميكس الغربي المعادل للمانجا إلى ثلاثينات القرن التاسع عشر، فيما عرفت اليابان القصص المصورة المطبوعة على الورق في بدايات القرن نفسه بين عامي 1814 و1878

ولكن؛ رغم هذا الارتباط الواضح بين كثير ممن هم دون الثلاثين وفن الأنِمي الياباني؛ إلا أن "المانجا" المطبوعة لا تحظى بذات الانتشار خارج دول الخليج العربي، ربما لاختلاف الوسيط. على الرغم من وحدة الجذور.

عندما عُرض ما يُظن أنه أول أنِمي ياباني في عام 1907، كان فن المانجا يدخل القرن الثامن من عمره. إذ يعيد بعض الباحثين ميلاد فن المانجا "شرائط مصورة متتابعة تحكي قصة واحدة"، إلى لفائف دينية ترجع للقرن الثاني عشر عرفت باسم تشوجو جيغا - Choju giga ومعناها "لفائف الحيوانات العابثة" حسبما ينقل كتاب "مانجا مانجا، عالم الكوميكس اليابانية" للأمريكي فريدريك شلودت (1983).

1555412437148-Hokusai-MangaBathingPeople

هوكوساي مانجا- ويكيبيديا

وبينما تعود بدايات فن الكوميكس الغربي المعادل للمانجا إلى ثلاثينات القرن التاسع عشر، مع صدور وتداول مطبوعات البيني دريدفولز؛ فإن اليابان عرفت بالفعل القصص المصورة المطبوعة على الورق في بدايات القرن نفسه، من خلال أعمال فناني مانجا "مانجا- كا" محترفين منهم هوكوساي، الذي كان أول من استخدام لفظة مانجا للإشارة إلى أعماله التي نشرت في سلسلة "هوكوساي مانجا" الصادرة بين عامي 1814 و1878.

ما يشهد بأن نشأة المانجا يابانية خالصة؛ هو تاريخ اليابان الذي يؤكد عزلتها التامة عن العالم حتى منتصف القرن التاسع عشر، إذ لم تنته عزلة اليابان إلا بوصول "قافلة سفن الكابتن بيري عام 1853" وإكراه اليابان بالقوة العسكرية على فتح موانئها والتبادل التجاري مع الولايات المتحدة.

إعلان

بصمة هيروشيما
لكن هناك من يُرجع تاريخ المانجا إلى أربعينات القرن العشرين، عقب غزو الحلفاء لليابان في أعقاب الحرب العالمية الثانية، على اعتبار أن ظهور الكوميكس وأفلام الكارتون الأمريكية في اليابان عقب الحرب، هو ما دفع اليابانيين لبدء هذه الصناعة. لكن هذه الرؤية يناقضها التاريخ المبكر لصناعة نشر المانجا اليابانية وطباعتها عبر ناشرين محترفين في القرن الثامن عشر، من خلال الطباعة بالألواح الخشبية على الورق المصنوع يدويًا. وكذلك ظهور أول مقطع أنِمي ياباني عام 1907 باسم Katsudō Shashin والتي تعني باليابانية "صور متحركة"، قبل عام كامل من ظهور الرسوم المتحركة في الغرب.

ويُظهر المقطع الذي لا تتجاوز مدته ثلاث ثوان، فتى يكتب على الحائط كلمات باليابانية ترجمتها "صور متحركة" ثم يستدير لتحية المشاهد. بينما يؤكد جيانلبرتو بندازي في كتابه الصادر عن جامعة إنديانا بعنوان "الكارتون/ مئة عام من التحريك السينمائي" أن أول فيلم رسوم متحركة غربي أنتج في فرنسا عام 1908، أي بعد عام كامل من أول أنِمي ياباني.

لكن الحرب العالمية الثانية أحدثت بالفعل نقلة كبيرة في فن المانجا وبالتالي في فن الأنيمي. عقب الحرب، وبفعل تأثيرها المباشر على الروح القومية اليابانية وما لحق بالمجتمع نتاج الهزيمة والآثار الاجتماعية والاقتصادية لها؛ تحولت صناعة المانجا من التركيز على قيم العسكرية وتبجيل الإمبراطور وتكريس قيم الذكورة والقوة، إلى التعامل مع القضايا الاجتماعية بشكل أكثر انفتاحًا، وبتأثير مما شهدته اليابان عقب إلقاء القنبلتين النوويتين على هيروشيما وناجازاكي؛ ظهرت تيمات فنون ما بعد الحرب الخاصة بالاغتراب ومراجعة القيم التقليدية السائدة، وتجسيد المشكلات الاجتماعية والسياسية المتولدة عن الحرب، بالإضافة لظهور المانجا التي تستخدم تيمة post-apocalyptic fiction التي ترجمها الراحل أحمد خالد توفيق بـ"أدب ما بعد المحرقة".

1555412304793-Astro-boy-Tetsuwan-atom-Image-via-mangareadernet_

أسترو بوي Astro boy من أوائل سلاسل المانجا الناجحة الصادرة عقب الحرب العالمية الثانية- المصدر مقال على موقع The wall

في تقرير بعنوان "المانجا، قلب الثقافة الشعبية"، نشرت صحيفة "اليابان اليوم" أرقام مبيعات لعدد من سلاسل المانجا اليابانية، والتي بلغت أحيانًا ما يفوق 400 مليون نسخة للرواية المصورة الواحدة، ما يجعل اليابان تتفوق على غيرها من البلدان في انتشار ثقافة قراءة القصص المصورة. فوفقًا لذات التقرير، يبلغ متوسط مبيعات أنجح كتب الكوميكس الغربية حوالي 150 مليون نسخة عالميًا، وإن تجاوزت إصدارات قليلة هذا الرقم.

ربما كان هذا النجاح مُشجَّعًا لفناني المانجا على المزيد من التخصص، فهناك سلاسل مخصصة للإناث وغيرها للذكور، وفي داخل هذين التصنيفين؛ تنقسم الإبداعات حسب عمر الفئة المستهدفة، فقصص الأطفال تختلف عن القصص الموجهة للناشئة والمراهقين، غير تلك الموجهة للشباب. وأخيرًا تختلف السلاسل الموجهة للكبار كليًا عن كل ما سبق. أثَّر هذا بالتالي على التيمات الخاصة بالمانجا ثم الأنِمي.

إعلان

يذكر هنا أن الكتابات والأفلام والمسلسلات المبنية على المانجا التي وجدت طريقها للعالم العربي ونجحت فيه، هي تلك المخصصة للأطفال وللناشئة والمراهقين، أمثال أنِمي كابتن تسوباسا الذي قُدَّم بالعربية باسم كابتن ماجد. ما جعل التيمات الخاصة بالكائنات الخرافية والمغامرات والألعاب والخيال التقني Sci-Tech هي المسيطرة على معرفة الأطفال والشباب العرب بفني الأنِمي والمانجا اليابانيين. إلى أن انخفضت أسعار اشتراكات الإنترنت وصار أكثر إتاحة مع بدايات العقد الأول من الألفية؛ ليعرف العرب "التورنت" وستوديو جيبلي Studio Ghibli، وينفتح عالم آخر مختلف من فن الأنِمي الياباني أمام الأعين العربية.

عالم ياباني آخر
علاقة من صاروا الآن فوق الثلاثين - في مصر تحديدًا - بفن الأنِمي تغيرت كثيرًا مع انتشار الإنترنت، ولكن وفق مواصفات خاصة. في عام 1984، صدر أول أفلام "ستديو جيبلي" من إخراج الكاتب والرسام والسينمائي الياباني هايو ميازاكي. ونتيجة النجاح الكبير للفيلم الأول Nausicaä of the Valley of the Wind المبني على رواية مصورة "مانجا" بالاسم نفسه كتبها ورسمها ميازاكي.

توالت أفلام ستديو جيبلي التي اعتمدت على تيمات خيال ما بعد المحرقة والاغتراب والكائنات الخرافية وعالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وغيرها من التيمات التي لم يرها المشاهد العربي سابقًا في مسلسلات وأفلام الأنمي المدبلجة التي كانت تعرضها القنوات العربية. ليتكون Cult من محبي الأنِمي الياباني، الذين أخذوا في البحث النهم عن الأفلام والمسلسلات المختلفة عن تيمات البوكيمون ودراجون بول زي؛ فاشتهرت أفلام مميزة لم ينتجها ستوديو جيبلي مثل perfect blue وpaprika وAkira وTokyo Godfathers.

أخذت هذه المجموعات Cult في الاتساع، لينتشر التعلق بالأنِمي الياباني بين فئة الشباب والكبار في العالم العربي دون الفواصل الحدودية السابق الإشارة إليها، بينما بقيت المانجا (القصص المرسومة التي لم تتحول إلى شرائط متحركة) متواضعة الشهرة، إلا من مجموعات متفرقة محبة لهذه السلاسل في دول الخليج العربي، حتى أن منتدى المانجا على موقع كوميكس جيت "أكبر بوابة عربية لعشاق الكوميكس"، يظل من أقل المنتديات تفاعلًا على الموقع، ولا يشهد نشاطًا كبيرًا في الترجمة والنشر، على الرغم من النشاط الكبير الملحوظ في منتديات الكوميكس الأمريكية والغربية، بل وفي منتدى الأنمي على الموقع نفسه.

ببطء ولكن بثقة
لا يمكن القطع بأسباب لتفاوت النجاح والانتشار بين المانجا والأنِمي في العالم العربي. ولكن يمكن سَوْق بعض الاستنتاجات من خلال مراجعة تاريخية؛ إذ ربما يكون تعرف العرب في أعمار مبكرة على الأنِمي الياباني عبر الفضائيات، في وقت لم تر فيه المكتبات العربية سلاسل المانجا سببًا. بالإضافة لارتباط المانجا في المخيلة العربية بالسلاسل المخصصة للكبار في اليابان، والتي تطرح موضوعات ومشاهد جنسية لن تسمح المجتمعات العربية بمطالعتها علنًا.

ربما كان هذان العاملان من بين الأسباب التي أسهمت في غياب المانجا وتواضع مبيعاتها ومعرفة الجمهور بها في العالم العربي، خاصة وأن سلاسل الكوميكس الأمريكية والفرنسية شهدت نشاطًا واسعًا في الترجمة والنقل إلى العربية منذ ستينات القرن الماضي، من خلال ترجمات قصص مصورة كـ"تان تان" البلجيكية و"أستريكس وأوبلكس" الفرنسية وسلاسل ديزني، بالإضافة إلى سلاسل مارفل وDC التي تُرجمت خلال السبعينات والثمانينات في دول الشام، ووجدت طريقها لباعة الصحف على أرصفة القاهرة ومكتبات الرياض ودبي والدوحة والمنامة.

واستنادًا إلى "كوميكس جيت" التجمع العربي الأكبر الذي يمكن من خلاله رصد التفاعل العربي مع ثقافة الأنِمي والكوميكس والمانجا، يظهر النمو المتصاعد لمجتمع الـNerds "مهاوييس الفنون البصرية المعتمدة على القصص المصورة" في العالم العربي، ويظهر كذلك أن عدد من يتابعون سلاسل المانجا اليابانية يبقى متواضعًا، في مقابل قاعدة واضحة من الـNerds مهاوييس الأنِمي والكوميكس. وبهذا يبقى فن "المانجا" أرضًا بكرًا لم يستكشف الخيال العربي أبعادها بعد.

1555412167584-Takiyasha_the_Witch_and_the_Skeleton_Spectre

لوحة الساحرة تاكياشا والهيكل العملاق الرهيب، من أعمال فن اليوكيو- إي، الجد المباشر لفن المانجا