مجتمع

"البالة في مصر" وسيلة الطبقة الوسطى للتشبث بدرجة "وسطى"

الأسعار رخيصة ولا تُقارن بمثيلاتها في التوكيلات والمحال الكبيرة لكن إيجاد الموديل والمقاس المناسبين يعتمد على الحظ
25.10.18
"البالة في مصر" وسيلة الطبقة الوسطى الأخيرة للتشبث بدرجة "وسطى"
سوق "وكالة البلح" للملابس المستعملة في القاهرة - التقطت جميع الصور بواسطة نادر نصر الدين

"الوكالة" اسم مختصر لمصطلح يحمل الكثير من المعاني، حسب السياق، ككثير من مصطلحات اللغة العربية، لكنه في العاصمة المصرية (القاهرة) يشير بشكل مباشر إلى "وكالة البلح"، أحد الأسواق الشعبية المتخصصة في بيع الملابس المستعملة والمستوردة من الخارج، فيما يُعرف باسم "البالة".

طوال سنوات تمكنت الوكالة من تحقيق أحلام عدد من أبناء الطبقات الفقيرة بارتداء ملابس تحمل شعار علامات تجارية عالمية لم يكن بمقدورهم الحصول عليها في الظروف العادية، لكن اليوم، ونتيجة لمتغيرات اقتصادية واجتماعية باتت الوكالة مقصدًا لطبقات مختلفة، مع ارتفاع أسعار الملابس بشكل غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة، خاصة تحرير سعر صرف الدولار في نوفمبر 2016 والذي خفض قيمة الجنيه المصري للثلث تقريبًا.

إعلان

"(البالة) تُلبي احتياجاتي لأن سعرها متوسط، مقارنة مع الجديد، كما أنها منتجات أصلية ذات جودة عالية تظهرني كأحد المنتمين للشريحة العليا من الطبقة المتوسطة"، هكذا أجاب خالد عبدالعزيز (38 عامًا) على سؤالنا عن سبب ارتياده "وكالة البلح" لشراء احتياجاته من الملابس. يعمل عبد العزيز مندوب مبيعات، ما يتطلب اهتمامًا خاصًا بالمظهر، يبدو أن سوق البالة الشهير قادر على ضمان استمراره حتى الآن.

اتجه عبد العزيز، الذي يعمل مندوبًا للمبيعات لشراء ملابس البالة لأنها ماركات أجنبية أصلية غير مقلدة، منها بضائع غير مُباعة في محلات أمريكية أوروبية، وأخرى مستعملة (استعمال خفيف) في أمريكا وأوروبا. ويوضح: "البنطلون الذي يُباع توكيلا العلامة الأصلية بسعر يقترب من الألف جنيه (55 دولار تقريبًا) يمكنك أن تشتريه بـ300 جنيه أو أقل (نحو 16 دولار)، حسب درجة الجودة."

حين تدخل إلى سوق الوكالة، سواء دخلت من شوارع وسط القاهرة الرئيسية (التحرير أو الإسعاف أو رمسيس) أو عبرت نهر النيل قادمًا من حي الزمالك، فإنك ستشعر بصخب أصوات الباعة يرتفع في أذنك، وهم متراصون كالبنيان على جانبي الطريق، كل منهم يريد جذب الزبون إليه لتحسين حالة الركود التي تفرض نفسها على سوق الملابس المصري بشكل عام.

تحتل محلات الوكالة الطوابق الأولى من بنايات مصرية الطابع تنتمي إلى الحقبة الملكية، وعلى الرغم من تناقض هندستها كلاسيكية الطابع مع واجهات المحال وأضواء لافتتاها الحديثة، فضلًا عن معروضاتها المتنوعة من الملابس، إلا أن المشهد في مجمله يبدو متناغمًا بشكل ما. ولا تنتهي منطقة الوكالة بنهاية الشارع الرئيسي (شارع 26 يوليو)، بل تمتد إلى داخل الشوارع الجانبية المتفرعة عنه (الحارات والأزقة)، يفترش هذه الشوارع باعة آخرين دون محلات، بأسعار أقل من نظيرتها في الشوارع الرئيسية.

1540197891272-1-7

امتداد محال الوكالة في الشوارع الجانبية

وعلى الرغم من أن بعض محلات الملابس المستعملة في منطقة "وكالة البلح" التي تقع بحي بولاق أبو العلا بجوار وسط القاهرة، تقترب الأسعار فيها من الملابس والأحذية الجديدة إلا أنها ما تزال تملك ميزة، يقول عبد العزيز: "اشتريت منذ أيام حذاء بـ350 حنيهًا (20 دولار تقريبًا)، والبائع لا يشعر بغرابة عندما يذكر أنه يبيع حذاء مستعمل بسعر يقترب من الجديد، لأنه يعلم أن الحذاء ذاته في التوكيل يباع بأكثر من ألف جنيه (55 دولار)، وبالسعر ذاته يمكن أن اشتري منتج صناعة محلية أو (صيني)، إلا أنه لن يتحمل شهرين أو ثلاثة أشهر، بينما منتج الوكالة ماركة أجنبية أوروبية يستمر معي فترة طويلة تتجاوز العامين."

منذ صغره، اعتاد خالد ارتياد الوكالة لشراء ملابس، إذ يمتلك نظرية خاصة في شراء احتياجاته من الملابس: "لدي 3 أبناء يحتاج كل منهما أن يرتدي ملابس قَيّمة" لذلك يفضل الظهور أمام عائلته بأنه يشتري ملابس غالية، كما أنه لا يستطيع توفير ألفي جنيه لشراء ملابس الموسم لكل منهم، فيجعل قبلته إلى الوكالة التي تلبي احتياجاته بأسعار معقولة.

1540197855793-1-14

معروضات محال الوكالة مع الأسعار التي يمكن أن توجد إلا هنا

تنشط عملية البيع يومي الجمعة والأحد مقارنة ببقية أيام الأسبوع، فالجمعة يُعد إجازة غالبية الموظفين، ويفضل بعضهم استغلاله للشراء، أما الأحد فهو إجازة أصحاب محال الوكالة، ويأتي باعة من خارج الوكالة يفترشون بضائع أخري مستغلين شهرة السوق وموقعه القريب من معظم أرجاء القاهرة.

أنت وحظك
عن طريق السمع والمحادثات علمت ندى أحمد (35 عامًا) من صديقتها أنها تستطيع حل أزمة أسعار الملابس التي تعاني منها منذ أعوام، جراء غلاء المعيشة وارتفاع أسعار جميع السلع، وعلى رأسها الملابس، وربما تكون هي طريقة جيدة في الفترة الحالية لشراء ملابس، حتى وإن كانت مستعملة، وفي الوقت ذاته عدم إحراج أطفالها بسبب تكرار ظهورهم أمام أقرانهم بالملابس ذاتها في الأعياد والمناسبات.

إعلان

تقول ندى: "صديقتي أخبرتني عن الملابس في الوكالة ولذلك، نزلت أجرب نوعية وجودة الملابس والأسعار، في البداية سمعت أنها أرخص من الملابس الجديدة". وتتابع: "قلت لا مانع أن أخوض التجربة، وبالفعل وجدتها هكذا، الملابس رخيصة جدًا وسعرها سيوفر مبالغ جيدة.. واستطعت شراء أكثر من قطعة ملابس، بالمصادفة عثرت على قطع جديدة وأصلية."

لكن هناك مشكلة واجهت "ندى"، خلال تجولها في محال الوكالة، أنها عثرت على قطعة ملابس أعجبت بشكلها لكن المقاس غير ذلك، ولم تستطع أن تجد مقاسها، فنسبة وجود قطع مماثل قليل، كما تقول، وتوضح: "هناك فرق شاسع هنا، في أشكال وألوان كثيرة، وضروري أن تستمر في البحث عما تريده، والمشكلة أن تجدي القديم وتكون حالته مستهلكة بشكل كبير بجوار متوسط الاستهلاك بجوار الجيد، الأمر الذي أرهقني في البحث حتى أجد الموديل والمقاس الذي أريده، واليوم أنا عرفت أن الشراء في الوكالة أنت وحظك."

العصر الذهبي
في السياق ذاته، يخبرنا سامح حنفي، صاحب محل في الوكالة، 41 عامًا، طبيعة المنتج الذي يُباع في الوكالة. يقول: "في الماضي كانت أسعار البالة الأرخص على مستوى جمهورية مصر العربية، والملابس المستعملة كانت بخمسة أو عشرة جنيهات قبل 2010 (دولار تقريبًا حينها، ونصف دولار حاليًا)، أما الآن الأسعار ارتفعت بسبب تكاليف الجمارك التي تضاعفت، وأكتر ناس تتجه للبالة الطبقة المتوسطة وتحت المتوسطة، على الرغم من أنها مستعملة من قبل إلا أنها جيدة لأن الخامة المصنوعة منها جيدة جدًا، وإذا أردنا أن نصنع نفس القطعة بذات الجودة ستتكلف ثلاث أضعاف المستوردة، لذلك جودة المنتج المحلي منخفضة بسبب التكاليف، وهذه ميزة البالة."

1540195710076-

سامح

يشتري "حنفي" الملابس المستعملة بالطن أو بجملة 50 كيلو في صناديق كبيرة "كونتنرات"، وتكون الملابس بداخلها مقسم إلى أنواع، الأطفال والحريمي والرجالي. ويُضيف: "كونتنتر البالة يزن 50 كيلو نفتحها وإحنا ورزقنا، والطن قبل 2011 كان يساوي 40 ألف جنيه (نحو 8 آلاف دولار حينما كان سعر الصرف 5 جنيهات تقريبًا)، أما الآن ارتفع إلى 120 ألف جنيه ( نحو 7 آلاف دولار)، ويتحمل العميل هذا الفرق، الأمر الذي تسبب في انخفاض الإقبال على البالة خلال العامين الماضيين."

يصمت "حنفي" للحظة ويكمل ضاحكًا: "أفضل وقت عملنا فيه كان في الفترة ما بين عامي 1997 و2005 هذا أفضل وقت للتجارة في مصر، والحياة كانت رخيصة، والقطعة التي كنا نكتب عليه 5 جنيهات (نحو ربع دولار) تُباع الآن بـ 100 جنيه ( 6 دولارات تقريبًا)، نفس الجودة والخامة."

إعلان

ملابس العرائس.. أكثر كمية بأقل سعر
أما آية علي، 27 عامًا، ترى أن البالة عكس الصورة الذهنية التي لدى البعض أنها ملابس مهترئة رثة وبالية، إنما في العادة تكون ملابس بها غلطات صناعة أو استعملت استعمال خفيف في أوروبا وأمريكا، أو تكون ملابس انتهت فترة عرضها بالمحلات، وفي كل الأحوال فهي تلبي احتياجات طبقات عدة في المجتمع، في ظل الارتفاع الملحوظ للأسعار بينما الراتب الشهري كما هو ثابت تقريبًا.

وتقول: "تتميز ملابس الوكالة أن أسعارها زهيدة جدًا، استطيع أن اشتري سروال بسعر 50 جنيهًا ويكون ماركة أجنبية كل مشكلته أنه يحتاج زر، والملابس عندما يتم ارتدائها لا تبدوا أنها مستعملة، تشعر أنك ترتدي قطعة باهظة الثمن بسعر قليل، هذا الأمر ساعد على تقليل مصروفاتي على الملابس." وتستكمل: "ارتفاع تكاليف المعيشة في القاهرة بالنسبة لفتاة مغتربة مكلف جدًا، لا سيما إذا كانت تريد شراء ملابس كل حين"، وتضيف: "اشتريت 4 بلوزات وكانت جميلة، القطعة تصل إلى 50 جنيهًا (3 دولارات)، وكانت ماركات أجنبية، وبالمصادفة كانت كالجديدة."

1540200159108-1-8

ملابس نسائية معروضة بالسوق

تذهب الفتيات عندما يجهزن للعرس إلى الوكالة من أجل شراء أكبر كمية ملابس بأقل سعر، فبحسب آية فإن: "أفضل واجهة للعروسة أن تذهب الوكالة لأنها تشتري ملابس كثيرة بأسعار قليلة جدًا، وهو ما لن تستطيع فعله في الظروف العادية، إلا إذا كانت القطعة بـ 20 أو 25 جنيهًا، وكنت شاركت زميلاتي في شراء ملابسهن قبل الزفاف."

الأغنياء فقط يمتنعون
يشرح الأمر أكثر، كرم رمضان، 39 عامًا، الذي يملك محل في الوكالة، أن سعر المنتج الذي يبيعه مناسب للمواطن، وفي متناول يده في ظل حالة التضخم التي تمر بها البلاد. وبخلاف المنتج المصري أو المستورد الجديد من الصين، يتجه البعض إلى الوكالة، وعلى الرغم من أن سعر قطعة الملابس تساوي 30 جنيهًا (نحو دولارين تقريبًا) إلا أن الزبون يُفاصل في سعرها، وأنا أضع سعر موحد، مثلًا القميص تصل تكلفته الإجمالية لنحو 20 جنيهًا أبيعه على 25 جنيهًا (دولار ونصف الدولار تقريبًا)، ويرغب الزبون في التخفيض السعر أيضًا".

1540195670551-2

كرم

ويرى "رمضان"، أن الملابس الجديدة أفضل من نظيرتها البّالة، إلا أن الناس وطبقات عدة بدأت تلجأ إلى البالة كي (تُساير أمورها)، ويوضح: "الناس تحاول التكيف مع الغلاء، إذا كنت موظفًا وتحصل على راتب 2000 جنيه (120 دولار تقريبًا)، متسائلًا :هل ساشتري قميص بنطال بنصف الراتب؟، وكيف سأكمل الشهر؟، لذلك البالة تحقق احتياجات طبقات معينة في المجتمع". ويقول: "يوجد بالمحل ما يقترب من 400 قطعة ملابس، يمكن أن يحتوي على قطع جودتها عالية جدًا"، بحسب كرم، وتباع بحد أقصى 35 جنيهًا (نحو دولارين تقريبًا)، وهناك قطع تحتوي على مشاكل أو أخطاء بسيطة وأحيانًا لا تذكر، و90% من الملابس الوارد ذات جودة متوسطة."

ويُقسّم كرم أنواع الملابس حسب الجودة، فيرى أن الجودة العالية يمكن تباع بـ 35 جنيهًا (دولارين تقريبًا) والمتوسط بـ 25 جنيهًا (دولار وربع) أما القطع ذات الجودة المنخفضة أو الردئية يمكن أن تباع 10 جنيهات (نحو نصف دولار)، وأحيانًا التصفية بـ 5 جنيهات (نحو ربع دولار)." ويواصل: "الآن أصبحت كل الطبقات عدا "العليا" ميسورة الحال زبائن للوكالة، فمن يحصل على 3 آلاف جنيهًا، يمكنه بـ 500 جنيًا تدبير (كِسوة) كاملة لثلاثة من أفراد أسرته، الأمر الذي لن يحدث إذا أراد شراء ملابس جديدة من خارج الوكالة، إلا بضعفيّ هذا المبلغ على الأقل."