18-11-2020-Final
سوشيال ميديا

إن كنت تعاني من الفومو فما عليك إلا بالجومو

متلازمة الفومو قد تؤدي إلى عدم الرضا الشديد عن شكل حياتنا ولها تأثير ضار على صحتنا الجسدية والعقلية

يقول الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو:" إذا كان المرء يرغب فقط في أن يكون سعيدًا، فيمكن تحقيق ذلك بسهولة، لكننا نتمنى أن نكون أسعد من الآخرين، وهذا أمر صعب دائمًا، لأننا نعتقد أن الآخرين أكثر سعادة مما هم عليه."

نعم، جميعنا نقارن أنفسنا وحياتنا دائمًا بالآخرين، وهذه المقارنات قد تجعلنا أقل سعادة. فحقيقة أن ما يملكه غيرنا قد تعمي عيوننا عن جمال ما نملكه نحن. فنحن دائمًا نميل لأن نرى أكثر كثيرنا قليل، وأقل كثيرهم كثير. هذه المقارنات قد تظهر في شكلها الأوضح من خلال الرغبة بمعرفة أخبار الآخرين، لنقوم بعقد المقارنة مع أنفسنا حتى نطمئن أن حياتنا أفضل أو لنشعر بالأسى على خياراتنا. 

إعلان

 قد يقودنا هذا الشعور إلى الرغبة بالبقاء على تواصل مع الآخرين، وضرورة أن نتواجد في كل مكان، في كل سهرة وفي كل لقاء، لأن عدم وجودنا في قلب الحدث سيشعرنا بأننا فقدنا شيئاً قيمًا أو أضعنا فرصة لا تعوض. وهذا ينطبق على الذهاب لكل الحفلات والسهرات (في عالم ما قبل كوفيد) إلى التأكد من قراءة كل الايميلات والتعليق على ترندات تويتر وانستغرام، ومشاهدة آخر مسلسلات نتفليكس وفيديوهات يوتيوب وتيك توك ... لأنك لا تريد أن تشعر أن هناك شيء "راح عليك."

إذا كنت قد مررت بهذا الشعور، فأنت من كثيرين يعانون بما يعرف بمتلازمة الـ FOMO وهو اختصار لـ Fear Of Missing Out  أي  "الخوف من فوات أمر أو حدث ما." هذه المتلازمة ترتبط بخلطة من المشاعر، من الشعور بالقلق من تفويت حدث مهم إلى الإعتقاد بأن الآخرين يعيشون لحظات سعيدة وأنت لست معهم، وتبدأ بلوم نفسك على عدم ذهابك معهم، مع أنه قد يكون لديك أسباب وجيهة لعدم الذهاب.

باختصار، متلازمة فومو، تعني أنه على الرغم من أن لديك أشياء أفضل يمكن أن تفعلها في هذه اللحظة، إلا أنه ينتابك شعور بأنك فقدت شيئًا مهمًا يختبره الآخرون في نفس اللحظة.

ظهر هذا المصطلح لأول مرة في ورقة بحثية عام 1996 من قبل إستراتيجي التسويق، الدكتور دان هيرمان، الذي كان أول من صاغ مصطلح FOMO، وقد تمت إضافته إلى قاموس أوكسفورد الإنجليزي في عام 2013. ومنذ ظهور وسائل التواصل الاجتماعي أصبح مصطلح فومو أكثر وضوحًا وانتشارًا، فبات من السهل جدًا التعرف على حياة غيرك ومقارنتها بحياتك.

أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي لدرجة ما منصة للتفاخر بآخر "الإنجازات" وفي حين أن التصرف المنطقي هو أن تتوقف عن مشاهدة المزيد من الفيديوهات أو الصور، فعادة ما يحدث العكس، يشعر البعض بالرغبة القهرية في البقاء أونلاين طيلة اليوم تقريبًا سواء بعد الاستيقاظ مباشرة أو قبل الذهاب إلى الفراش. الرغبة بالبقاء في قلب الحدث دون تفويت أي شيء مهما كان تافهًا، هو بالضبط ما يعانيه الأشخاص الذين يعيشون مع هذه المتلازمة.

إعلان

الخوف المستمر من تفويت أمر ما يعني أنك لا تشارك كشخص حقيقي في هذا العالم

في الفيلم الوثائقي فومو يتحدث الشاب المصري محمد نصر بأنه يعاني من هذه المتلازمة ويقول: "أنا طول اليوم على الفيسبوك ومش بركز بشغلي، فكرت أروح لمعالج نفساني بس مع الأسف، لو رحت حكيت لحد أنا مدمن سوشيال ميديا مش هيصدقني، وممكن يضحك علي أصلًا، في ثقافتنا ما فش حاجة زي كدة."

ولكن في الواقع، في حاجة زي كده، حيث تشير الدراسات إلى أن متلازمة فومو قد تؤدي إلى عدم الرضا الشديد عن شكل حياتنا ولها تأثير ضار على صحتنا الجسدية والعقلية بما في ذلك تقلبات المزاج، والوحدة والشعور بالدونية وانخفاض احترام الذات والقلق الاجتماعي الشديد وزيادة مستويات السلبية والاكتئاب. 

كما أشارت دراسة أخرى حول الارتباطات التحفيزية والعاطفية والسلوكية لهذه المتلازمة بأن أولئك الذين لديهم مستويات منخفضة من الرضا عن حياتهم يميلون إلى الشعور بمستويات أعلى من الخوف من تفويت حدث ما. كما أن مستخدمي مواقع التواصل يميلون لمقارنة إنجازاتهم مع إنجازات الآخرين بشكل أكبر. وتشير عالمة الحاسوب الأمريكية مويرا بورك: "إذا تحدثت امرأتان مع أصدقائهما بنفس القدر من الوقت، لكن إحداهن كانت تقضي وقتًا أكثر بتصفح وسائل التواصل الاجتماعي، فإن التي تقضي وقتًا أطول على وسائل التواصل، معرضة للشعور بالاكتئاب أكثر من الأخرى."

وقد وجدت دراسة أمريكية أن جيل الشباب يتعرض لضغوط شديدة مقارنة بالأجيال الأكبر سنًا، حيث قال 95٪ من المجيبين إنهم يتعرضون للتوتر من حين لآخر، واعترف 52٪ من المشاركين بقضاء الكثير من الوقت على الإنترنت ومقارنة حياتهم بالآخرين.

إعلان

هذا الخوف من تفويت حدث ما، عادة ما يتم ربطه بخوف آخر، الخوف من عدم الإتصال بالانترنت، أو ما يسمى بـ Folo ويعني fear of living offline. وهذا يظهر بشكل خاص في جيل Z، أي مواليد منتصف التسعينيات والألفية الثانية. ويشير تقرير عن إدمان وسائل التواصل الإجتماعي إلى أن أكثر من نصف المراهقين يودون معرفة عدد الإعجابات والتعليقات على بوست معين، فيما أشار ثلثهم إلى أن يحتاجون لمعرفة ما إذا كان أصدقاؤهم يجتمعون بدونهم. ونتيجة لذلك، يعيش هذا الجيل بقلق متواصل من كيفية تأثير حياتهم الرقمية وهوياتهم على علاقاتهم مع الآخرين.

الخوف من تفويت حديث ما، مرتبط كذلك رهاب فقدان الهاتف المحمول أو نفاذ بطاريته أو ما يسمى نوموفوبيا Nomophobia. وفي تقرير سابق تحدثنا فيه إلى شباب من السعودية حول هذا الرهاب، تقول جنى، أنها تستخدم موبايلها أكثر من 11 ساعة، وهي لا تراها مدة كافية بل "لو استطعت لاستخدمته لمدة أطول."

وقد ربط الباحثون بين تداخل الفومو والنوموفوبيا في تأثيرهما على الصحة العقلية لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، ووجدوا أنهما مرتبطان بسلوكيات إدمانية، وأن الاستخدام المكثف للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي مرتبط بشكل مباشر بانخفاض احترام الذات وزيادة عدم الاستقرار العاطفي.

إعلان

يختار أنصار الجومو البقاء في المنزل بدلاً من الذهاب إلى حفلة مثلاً، دون الشعور بالندم أو تأنيب الضمير

وتشير  الدكتورة دارلين ماكلولين، أستاذة مساعدة في كلية الطب بمركز تكساس إيه آند إم للعلوم الصحية وأخصائية الطب النفسي والصحة السلوكية، بأن "حياتنا أصبحت قائمة على الحشد الافتراضي الذي يراقبنا وينتقدنا ويثني على كل خطوة نقوم بها." وهذا يعني أن رضانا تجاه حياتنا الحالية يعتمد على ما نرى غيرنا يتباهى به، إن كنا لا نملك هذا الشي فبالتأكيد سنشعر بالسخط حيال الحياة بأكملها وقد تتولد لدينا مشاعر مختلطة من الحسد والغيرة والكراهية وغيره.

وتضيف ماكلولين: "المشكلة مع الفومو هي أن الأفراد الذين تؤثر عليهم يتطلعون إلى الخارج بدلاً من الداخل. عندما يكون عقلك الباطن منتبهًا أكثر إلى" الآخر "أو" الأفضل " فإنك تفقد إحساسك الحقيقي بذاتك، فهذا الخوف المستمر من تفويت أمر ما يعني أنك لا تشارك كشخص حقيقي في هذا العالم."

وفي حين أن ماكلولين تشدد على أن الفومو قد يؤدي إلى الشعور بالقلق والاكتئاب، لكنها ترفض اعتباره حالة نفسية، وتضيف "إنه أحد الأعراض لمشكلة أكبر." وفقًا لماكلولين، يتم تشخيص ما لا يقل عن ثلاثة إلى 13٪ من السكان بحالة تسمى القلق الاجتماعي، "جزء من القلق الاجتماعي هو الخوف من أن يحكم علينا الآخرون أو إحراج النفس في التفاعلات الاجتماعية. الـ FOMO مؤذي جدًا لشخص يعاني من اضطراب القلق هذا لأنه يغذي الشعور بانعدام الثقة بالنفس والتجنب الاجتماعي."

في حين أننا قد لا نعاني جميعًا من قلق اجتماعي حاد، ولكن يعاني الكثير منا من حالات سيئة جدًا من الفومو - حتى لو لم نكن راغبين في الاعتراف بذلك. وهذا القلق المستمر بشأن ما يفعله الآخرون يجعلنا نفقد حياتنا أكثر.

إعلان

كيف نقاوم شعور الفومو؟

فلتجرب الامتنان أولًا، ركز على حياتك وانتبه إلى كل الأشياء الإيجابية الجيدة التي لديك.

ثانياً، عليك الابتعاد عن وسائل التواصل الاجتماعي وتقليل عدد الساعات التي تقضيها على تطبيقاتها بالتدريج، فإنك كلما تصفحت هذه المواقع أكثر، كلما استمريت في مقارنة نفسك بالآخرين وأنت تعرف نهاية مطاف هذه المقارنات السخيفة.

وثالثاً، قم بتذكير نفسك طوال الوقت أن الصورة التي يعرضها الأشخاص على وسائل التواصل الاجتماعي ليست بالضرورة صادقة أو تمثل الحقيقة. 

ورابعاً، عليك ترتيب أولوياتك وأن تتعود على قول "لا" لبعض الدعوات، ليس عليك أن تشارك في جميع الأحداث والحفلات.

الأمر الأخير، هو أن تبدل شعور الـ FOMO  بشعور الـ JOMO والتي تعني the joy of missing out بمعنى أن فرحة توفيت الأحداث، حيث يختار أنصار الجومو البقاء في المنزل بدلاً من الذهاب إلى حفلة مثلاً، دون الشعور بالندم أو تأنيب الضمير. هناك الكثير من الشباب الذين بدأوا باستبدال الفومو بالجومو، فقد سئموا من الضغط للظهور في كل مكان واضطرارهم إلى مواكبة جميع الاتجاهات سواء في الحياة الافتراضية أو الواقعية.

نحن جميعاً بحاجة إلى وقت للتأمل الذاتي، وقضاء بعض الوقت بمفردنا بانتظام دون استخدام الهاتف الذكي أو الاتصال بالإنترنت أو لقاء الاصدقاء. عليك فعل ذلك لأجل صحتك النفسية أولاً وأخيراً.