يقول الفيلسوف الفرنسي مونتسكيو:" إذا كان المرء يرغب فقط في أن يكون سعيدًا، فيمكن تحقيق ذلك بسهولة، لكننا نتمنى أن نكون أسعد من الآخرين، وهذا أمر صعب دائمًا، لأننا نعتقد أن الآخرين أكثر سعادة مما هم عليه."نعم، جميعنا نقارن أنفسنا وحياتنا دائمًا بالآخرين، وهذه المقارنات قد تجعلنا أقل سعادة. فحقيقة أن ما يملكه غيرنا قد تعمي عيوننا عن جمال ما نملكه نحن. فنحن دائمًا نميل لأن نرى أكثر كثيرنا قليل، وأقل كثيرهم كثير. هذه المقارنات قد تظهر في شكلها الأوضح من خلال الرغبة بمعرفة أخبار الآخرين، لنقوم بعقد المقارنة مع أنفسنا حتى نطمئن أن حياتنا أفضل أو لنشعر بالأسى على خياراتنا.
إعلان
قد يقودنا هذا الشعور إلى الرغبة بالبقاء على تواصل مع الآخرين، وضرورة أن نتواجد في كل مكان، في كل سهرة وفي كل لقاء، لأن عدم وجودنا في قلب الحدث سيشعرنا بأننا فقدنا شيئاً قيمًا أو أضعنا فرصة لا تعوض. وهذا ينطبق على الذهاب لكل الحفلات والسهرات (في عالم ما قبل كوفيد) إلى التأكد من قراءة كل الايميلات والتعليق على ترندات تويتر وانستغرام، ومشاهدة آخر مسلسلات نتفليكس وفيديوهات يوتيوب وتيك توك ... لأنك لا تريد أن تشعر أن هناك شيء "راح عليك."إذا كنت قد مررت بهذا الشعور، فأنت من كثيرين يعانون بما يعرف بمتلازمة الـ FOMO وهو اختصار لـ Fear Of Missing Out أي "الخوف من فوات أمر أو حدث ما." هذه المتلازمة ترتبط بخلطة من المشاعر، من الشعور بالقلق من تفويت حدث مهم إلى الإعتقاد بأن الآخرين يعيشون لحظات سعيدة وأنت لست معهم، وتبدأ بلوم نفسك على عدم ذهابك معهم، مع أنه قد يكون لديك أسباب وجيهة لعدم الذهاب.باختصار، متلازمة فومو، تعني أنه على الرغم من أن لديك أشياء أفضل يمكن أن تفعلها في هذه اللحظة، إلا أنه ينتابك شعور بأنك فقدت شيئًا مهمًا يختبره الآخرون في نفس اللحظة.ظهر هذا المصطلح لأول مرة في ورقة بحثية عام 1996 من قبل إستراتيجي التسويق، الدكتور دان هيرمان، الذي كان أول من صاغ مصطلح FOMO، وقد تمت إضافته إلى قاموس أوكسفورد الإنجليزي في عام 2013. ومنذ ظهور وسائل التواصل الاجتماعي أصبح مصطلح فومو أكثر وضوحًا وانتشارًا، فبات من السهل جدًا التعرف على حياة غيرك ومقارنتها بحياتك.أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي لدرجة ما منصة للتفاخر بآخر "الإنجازات" وفي حين أن التصرف المنطقي هو أن تتوقف عن مشاهدة المزيد من الفيديوهات أو الصور، فعادة ما يحدث العكس، يشعر البعض بالرغبة القهرية في البقاء أونلاين طيلة اليوم تقريبًا سواء بعد الاستيقاظ مباشرة أو قبل الذهاب إلى الفراش. الرغبة بالبقاء في قلب الحدث دون تفويت أي شيء مهما كان تافهًا، هو بالضبط ما يعانيه الأشخاص الذين يعيشون مع هذه المتلازمة.
إعلان
الخوف المستمر من تفويت أمر ما يعني أنك لا تشارك كشخص حقيقي في هذا العالم
إعلان
هذا الخوف من تفويت حدث ما، عادة ما يتم ربطه بخوف آخر، الخوف من عدم الإتصال بالانترنت، أو ما يسمى بـ Folo ويعني fear of living offline. وهذا يظهر بشكل خاص في جيل Z، أي مواليد منتصف التسعينيات والألفية الثانية. ويشير تقرير عن إدمان وسائل التواصل الإجتماعي إلى أن أكثر من نصف المراهقين يودون معرفة عدد الإعجابات والتعليقات على بوست معين، فيما أشار ثلثهم إلى أن يحتاجون لمعرفة ما إذا كان أصدقاؤهم يجتمعون بدونهم. ونتيجة لذلك، يعيش هذا الجيل بقلق متواصل من كيفية تأثير حياتهم الرقمية وهوياتهم على علاقاتهم مع الآخرين.الخوف من تفويت حديث ما، مرتبط كذلك رهاب فقدان الهاتف المحمول أو نفاذ بطاريته أو ما يسمى نوموفوبيا Nomophobia. وفي تقرير سابق تحدثنا فيه إلى شباب من السعودية حول هذا الرهاب، تقول جنى، أنها تستخدم موبايلها أكثر من 11 ساعة، وهي لا تراها مدة كافية بل "لو استطعت لاستخدمته لمدة أطول."وقد ربط الباحثون بين تداخل الفومو والنوموفوبيا في تأثيرهما على الصحة العقلية لمستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي، ووجدوا أنهما مرتبطان بسلوكيات إدمانية، وأن الاستخدام المكثف للهواتف الذكية ووسائل التواصل الاجتماعي مرتبط بشكل مباشر بانخفاض احترام الذات وزيادة عدم الاستقرار العاطفي.
إعلان
يختار أنصار الجومو البقاء في المنزل بدلاً من الذهاب إلى حفلة مثلاً، دون الشعور بالندم أو تأنيب الضمير
إعلان
كيف نقاوم شعور الفومو؟فلتجرب الامتنان أولًا، ركز على حياتك وانتبه إلى كل الأشياء الإيجابية الجيدة التي لديك.ثانياً، عليك الابتعاد عن وسائل التواصل الاجتماعي وتقليل عدد الساعات التي تقضيها على تطبيقاتها بالتدريج، فإنك كلما تصفحت هذه المواقع أكثر، كلما استمريت في مقارنة نفسك بالآخرين وأنت تعرف نهاية مطاف هذه المقارنات السخيفة.وثالثاً، قم بتذكير نفسك طوال الوقت أن الصورة التي يعرضها الأشخاص على وسائل التواصل الاجتماعي ليست بالضرورة صادقة أو تمثل الحقيقة. ورابعاً، عليك ترتيب أولوياتك وأن تتعود على قول "لا" لبعض الدعوات، ليس عليك أن تشارك في جميع الأحداث والحفلات.الأمر الأخير، هو أن تبدل شعور الـ FOMO بشعور الـ JOMO والتي تعني the joy of missing out بمعنى أن فرحة توفيت الأحداث، حيث يختار أنصار الجومو البقاء في المنزل بدلاً من الذهاب إلى حفلة مثلاً، دون الشعور بالندم أو تأنيب الضمير. هناك الكثير من الشباب الذين بدأوا باستبدال الفومو بالجومو، فقد سئموا من الضغط للظهور في كل مكان واضطرارهم إلى مواكبة جميع الاتجاهات سواء في الحياة الافتراضية أو الواقعية.نحن جميعاً بحاجة إلى وقت للتأمل الذاتي، وقضاء بعض الوقت بمفردنا بانتظام دون استخدام الهاتف الذكي أو الاتصال بالإنترنت أو لقاء الاصدقاء. عليك فعل ذلك لأجل صحتك النفسية أولاً وأخيراً.

