sofia-sforza-APHuyhlnEuc-unsplash
Photo by Sofia Sforza on Unsplash

مجتمع

"ما يحدث في لبنان هو تهجير، وليس هجرة طوعية"

مع ازدياد شدة الأزمة الاقتصادية، الخيار الوحيد أمام الكثير من اللبنانيين هو المغادرة

"أنه يوم جميل لمغادرة البلاد، شكراً لبنان على اللا شيء،" هكذا عبرت راشيل كيروز، 31 عاماً، عن يوم رحيلها من لبنان الشهر الماضي إلى الدوحة في قطر لإيجاد عمل أفضل في مجال المجوهرات. تقول راشيل في حديثها مع Vice عربية: "أنا سعيدة لمغادرتي لبنان، وأعتبر نفسي من المحظوظين/المحظوظات الذي استطاعوا مغادرة البلد. الأمر الوحيد الذي يشعرني بالأسى هو أنني لم أستطع جلب كل الذين أحبهم معي، أهلي طلبوا مني عدم العودة ولو حتى زيارة. أخي سيغادر كذلك بعد شهر، ورفاقي يحاولون بشتى الطرق الخروج من لبنان."

إعلان

راشيل هي واحدة من كثير من اللبنانيين الذين يرون أن مغادرة البلد هو أمر فُرض عليهم فرضاً: "لا أحد يقرر المغادرة إن كان يعيش حياة كريمة في بلده، ولكن للأسف الخيارات السياسية أوصلتنا إلى جهنم، وعندما رفضنا وانتفضنا، تم قمعنا وقالوا لنا "الي مش عاجبوا يفل" (قالها رئيس الجمهورية بعد انتفاضة 17 أكتوبر 2019). هذا تهجير."

IMG_0692 (1).jpg

راشيل كيروز. الصورة مقدمة منها.

وعلى الرغم من عدم وجود أرقام واضحة لعدد المسافرين منذ بدء الأزمة الاقتصادية في ٢٠١٩، إلا أن إحصاءات مكاتب الأمن العام اللبناني أظهرت أن عدد جوازات السفر المصدرة من مطلع عام 2021 ولغاية نهاية أغسطس بلغ نحو 260 ألف جواز سفر، مقارنة بنحو 142 ألف جواز سفر في الفترة نفسها من عام 2020، أي بزيادة نسبتها 82 في المئة

"غادر شقيقي هشام وعائلته لبنان إلى السويد هذه الليلة للعمل والإقامة هناك. بمغادرته تكون عائلة أبي قد "اندثرت" في لبنان بعدما توزعنا بين السويد، الولايات المتحدة، والإمارات." هكذا عبر الصحافي هيثم خوند عن هجرة آخر فرد من عائلته من لبنان في بوست على فيسبوك. في مقابلة مع VICE عربية، يضيف هيثم: "في سبتمبر كان موعد الوداع مع أخي وعائلته الذين غادروا إلى السويد وهو آخر من بقي من عائلتي في لبنان. بمجرد صعوده على تلك الطائرة، اقفل بيت عائلتي في لبنان."

غادر هيثم لبنان إلى أبوظبي، الإمارات عام 2015 قبل أن ينتقل إلى واشنطن، وهو يصف موجة الهجرة التي يشهدها لبنان منذ بدء الأزمة الاقتصادية في ٢٠١٩ بأنها "تهجير وليست هجرة": "هذا تهجير، هروب.. سمه ما شئت لكنها ليست هجرة طوعية. أنا غادرت إرادياً تلبية لعروض عمل كان من الصعب علي رفضها. أما اليوم فالأمر مختلف. الهجرة طوق نجاة أخير، مُهجرون نحن في هذه البلدان الجديدة ولسنا منتشرون."

إعلان
image0 (7).jpeg

هيثم خوند. الصورة مقدمة منه.

يتفق محمد صالح، 29 عاماً، وهو أستاذ رياضيات في مدرسة خاصة في النبطية، بأن ما يحصل هو تهجير: "عندما أريد البقاء في لبنان، ولكني أطرد بطريقة ما من هذا البلد، فهذا يعني أنه تهجير، وليست هجرة طوعية بحثاً عن الأفضل." ويُقدر البنك الدولي أن شخصاً من كل خمسة فقد وظيفته منذ 2019.

يشير محمد إلى أنه كان يخطط لحياة بسيطة يعيشها في قريته ومكتفياً براتبه، ولكن الأزمة الاقتصادية تسببت في فقدان قيمة أكثر من نصف راتبه في الوقت الذي ارتفع سعر كل شيء بأكثر من ٥٠٠٪: "كانت لي طموحاتي ومشاريعي في القرية وحياتي الهادئة مع أهلي وأصدقائي. كان لدي حلم أن أكمل ما بدأه أبي في الأرض والبقاء إلى جانب أمي. ولكن الأزمة الاقتصادية جعلت هذه الأحلام البسيطة جداً مستحيلة التحقق. لهذا قررت التقديم لبرنامج ماجستير في باريس بالرغم من أنني أحمل شهادة ماجستير من الجامعة اللبنانية، إلا أن هذه هي الطريقة شبه الوحيدة للوصول إلى أوروبا."

يُقَدِّر البنك الدولي أنَّ لبنان يحتاج في أحسن الأحوال إلى ١٢ عاماً ليعود إلى مستويات الناتج المحلي التي كانت في سنة ٢٠١٧، وفي أسوأ الأحوال إلى ١٩ سنة

شهد لبنان منذ تأسيسه وحتى اليوم موجات هجرة كبيرة. واليوم، يعيش موجة هجرة جديدة نتيجة لتداعيات الأزمة الاقتصادية الأسوأ في تاريخه، مع انقطاع للمحروقات والسلع الرئيسية في البلاد، مثل الأدوية وحليب الأطفال، وانهيار كبير لقيمة الرواتب بالعملة المحلية الليرة، وارتفاعاً في نسب البطالة التي وصلت لـ 40 في المئة، فيما تجاوز معدل الفقر نصف السكان.

وتشير دراسة لمرصد الأزمة التابع للجامعة الأميركية في بيروت، في تقرير حول "موجة الهجرة الثالثة" بأنه سبق للبنان أن شهد موجتين كبيرتين من الهجرة، الأولى في أواخر القرن التاسع عشر امتدادًا حتى فترة الحرب العالمية الأولى (1865 - 1916) حيث يُقدر أن 330 ألف شخص هاجروا من جبل لبنان آنذاك. والموجة الكبيرة الثانية جاءت خلال الحرب الأهلية اللبنانية (1975 -1990)، حيث يقدر الباحث، بول طبر، أعداد المهاجرين في تلك الفترة بحوالي 990 ألف شخص.

إعلان

ويقدر عدد المغتربين في الخارج في حوالي 12 مليون مغترب، ألا أن لا أرقام دقيقة عن أعدادهم، فبعد المصادر تشير إلى أن العدد يتراوح بين 12 مليون و18 مليون - عدد سكان لبنان لا يزيد عن ٧ مليون.

وتضيف الدراسة أن 3 مؤشرات مقلقة تنذر بموجة هجرة كبيرة من لبنان وهي:

1- ارتفاع فرص الهجرة عند الشباب اللبناني، إذ أشار ٧٧% منهم أنهم يفكرون بالهجرة ويسعون إليها -وهي أكبر نسبة في كل دول العالم العربي، حتى تلك التي تشهد صراعات مثل العراق وليبيا. 

2- هجرة المتخصصين والمهنيين الكثيفة (ولاسيَّما من العاملين والعاملات في القطاع الصحي كالأطباء والممرضين)، وكذلك العاملين في قطاعي التعليم العالي والثانوي (من أساتذة جامعيين ومدرسين)، وجميعهم يبحثون عن ظروف عمل أفضل ومداخيل أعلى. 

3- توقُّع أن يطول أمد الأزمة اللبنانية، يُقَدِّر البنك الدولي أنَّ لبنان يحتاج في أحسن الأحوال إلى ١٢ عاماً ليعود إلى مستويات الناتج المحلي التي كانت في سنة ٢٠١٧، وفي أسوأ الأحوال إلى ١٩ سنة.

وقد بدأت الهجرة تؤثر على قطاعات كثيرة في لبنان، خاصةً القطاع الطبي الذي تضرر كثيراً جراء الأزمة الإقتصادية بسبب نقص الأدوية والمعدات الطبية المستوردة واستمرار انقطاع الكهرباء والتخوف من عدم قدرة المستشفيات على تقديم الجراحات والرعاية الطبية العاجلة للمرضى جرّاء الأزمة المالية. في ظل هذا الوضع، لم يجد البعض أمامهم سبيلاً سوى الهجرة، خلال عامين، هاجر أكثر من 2،000 طبيب و1،500 ممرض وممرضة، وتم إغلاق 600 صيدلية خاصة، بحسب ما أعلن عنه تيدروس أدهانوم غيبريسوس، المدير العام لمنظمة الصحة العالمية في حديث صحفي في سبتمبر.

وفي هذا السياق تقول جنوب عبد النبي خزعل، 38 عاماً، طبيبة توليد وجراحة، هاجرت مؤخراً إلى قطر: "لم أغادر من أجل الحصول على أجر مادي أفضل، ولكن سبب هجرتي الأساسية هي انعدام الأمن. تعاطي المرضى معنا أصبح عنيفاً جداً بسبب نقص الأدوية وغلاء تسعيرة المستشفى، وهو ما جعل العلاقة متوترة بيننا وبين المريض الذي لم يعد قادراً على تأمين علاجه لأسباب لا علاقة لنا بها مثل انقطاع الكهرباء."

وتابعت: "يضطر زملائي الأطباء لإغلاق عياداتهم وإلغاء الكثير من المواعيد بسبب انقطاع الكهرباء، ولا يمكنهم تشغيل ماكينات التصوير والسكانر دائماً، الأمر الذي يعيق عمل الطبيب من جهة، ويعيق حق المريض بالحصول على علاجه. هذه الأمور جعلت رؤساء أقسام أعرفهم في المستشفيات ومدراء مستشفيات أكبر مني بالعمر يفكرون بالهجرة وترك البلد."

وداعات كثيرة نشهدها مؤخراً جراء الهجرة التي تزداد يوماً بعد يوم، كتبت الصحافية آيا اسكندراني في تموز الماضي عن هجرة أبيها الطبيب للمرة الثانية من لبنان، بعد أن عاد إليه في التسعينيات مع انتهاء الحرب الأهلية. ربما هذه الحالة تعبر بشكل مكثف ومختصر عن الحياة في لبنان، هجرة، عودة، هجرة مجدداً.

في ظل وضع "ميؤؤس منه" كما يصفه البعض، فإن الشعور بالذنب الذي كان يشعره من ترك البلد، تحول لشعور بالذنب على من بقي في البلد. ويشير هيثم: "ذنب الناجين تضاعف بعد الانهيار الكبير نهاية ٢٠١٩، وهذا ما يدفعني للبحث عن مخارج لأصدقائي ومن يعنيني أمرهم للخروج من هذا المستنقع. من استطاع الخروج فليفعل."