انفجار بيروت

انفجار بيروت: كأنها نهاية العالم

أشعر بالرغبة بالبكاء، لكني غير قادر على البكاء
غوى أبي حيدر
Beirut, LB
5.8.20
انفجار بيروت

سيارة كريس. الصورة مقدمة منه.

استيقظت اليوم على بكاء أمي وهي تشاهد الأخبار. هي تبكي منذ أمس، لكن في الصباح كانت تبكي على صوامع القمح في المرفأ التي تدمرت بفعل الإنفجار الهائل الذي شهدته العاصمة اللبنانية بيروت، وتسبب بمقتل وإصابة المئات. وزير الاقتصاد اللبناني راؤول نعمة يدعي أن "البلاد تمتلك مخزونًا كافيًا" من القمح، ولكن لم نعد نصدق أحد. وأمي لم تتوقف عن البكاء.

كل شيء محزن في بيروت صباح اليوم. الشهداء والجرحى والمستشفيات والدمار والمنازل حتى القمح في المرفأ. كل ما كنّا نخاف منه حدث بثوانٍ. شخصياً، عشت 20 يوماً من حرب تموز التي شنتها إسرائيل عام 2006، عشت القمع الثوري والقنابل المسيلة للدموع خلال ثورة أكتوبر 17، لكن هذه التجربة لم يكن لها مثيل. من مشهد النار الكبير والغيمة التي تشبه الفطر إلى مشهد ناطور المبنى الذي خرق الزجاج جسمه.

إعلان

بعد مرور بعض الوقت، تحركنا وقررنا الذهاب إلى المشفى لأنني شعرت بألم كبير في رأسي ورقبتي، ولكن لم يكن هناك مكان لاستيعابي وشعرت أنّ هناك من يحتاج لهذا أكثر منّي. ذهبت إلى المنزل، وحاولت بصعوبة استيعاب ما حصل. صباح اليوم وبعد الإعلان عن أن السبب هو "وجود مواد كيميائية قابلة للانفجار تالفة في المرفأ" تحول حزني إلى غضب، ماذا تفعل مواد مشتعلة في مرفأ يضم عمّال وبضائع وقريب من أكبر منطقة سكنية؟ من نلوم؟ ومن نحاسب؟ كيف نلوم ونحاسب؟ فالمسؤولون جلسوا ليلاً ليضعوا خطة إنقاذية لنا، ونحن هنا بسببهم.

لست وحدي من تشعر بأننا وصلنا إلى الحضيص، وأن الخسارات كبيرة ولا مجال لتعويضها، فالكثير من أصدقائي خسروا منازلهم وممتلكاتهم، ومنهم من تعرض لإصابات خطيرة. صديقتي جوليانا، 28 عاماً، التي تعيش في منطقة الأشرفية التي كانت من المناطق القريبة من الانفجار والتي تأثرت بشكل كبير، ودمرت واجهات المباني كانت خارج المنزل وقت الانفجار. ولكن الصدمة كانت عند عودتها للمنزل: "وجدت المنزل مدمراً تماماً، الشبابيك والأبواب تخلعت من قوة الإنفجار. نحن نعيش أزمة مالية، لا نمتلك حتى "دولار" لاستبدال كل ما تدمّر. أقل واجهة في المنزل تكلفنا 650 دولار أو على سعر الصرف أي 5 مليون و200 ألف ليرة لبنانية، هذا تقريباً سعر آجار المنزل على نصف سنة، وبالطبع لا نملك هذا المبلغ، ماذا سنفعل، أين سنعيش، كيف سنعيش، لا أعلم."

هذه كانت أكثر تجربة رعبًا عشتها في حياتي، وصدمة لن أنساها أبداً

مايا، 30 عاماً، من منطقة الحمرا كانت في المنزل مع والدتها، عندما سمعت صوت انفجار كبير وتكسرت النوافذ ووقع زجاج المنزل عليهم: "أصبت أنا وأمي من الزجاج المكسور ولم نجد من يسعفنا. حاولنا الإتصال مع الصليب الأحمر ولكن لم يأت أحد لنجدتنا بسبب ضخامة الخسائر، بالطبع لن تتمكن جميع الفرق أن تسعف الجميع. بعد ساعات، وصل زوجي إلى البيت وأخذنا أنا وامّي إلى 3 مستشفيات في بيروت، الزحمة كانت كبيرة جداً في الشوارع، ولم تتمكن أي مستشفى من أن استقبالنا. رجعنا إلى المنزل المدمر ونحن ننزف، والزجاج يغطي جسمنا." تقول مايا، أنها علمت من بعض الأصدقاء أنّ المستشفيات خارج بيروت تستقبل المصابين، وقرروا الذهاب إلى صيدا، التي تبعد عنّ بيروت حوالي نصف ساعة: "تمّ اسعافنا هناك بعد طول انتظار. هذه كانت أكثر تجربة رعباً عشتها في حياتي، وصدمة لن أنساها أبداً."

إعلان

كيفن، 31 عاماً، الذي يعيش في منطقة الجعيتاوي القريبة كذلك من المرفأ، كان في منزله لحظة الانفجار، تدمر كل ما حوله، ولكنه كان محظوظاً لأن الزجاج الذي تناثر حوله لم يصله، "تأذت رجلي قليلاً، لكنّ الألم خفيف. أنظر إلى المنزل وأفكر كيف يمكن أن أصلح كل هذا الدمار. عندما أفكر بكل ما خسرته، وبالمال الذي احتاجه لاستبدال ما تدمر وتكسر، وخاصة في الوقت الذي نعاني من أزمة صحية ومالية واقتصادية. أشعر بالرغبة بالبكاء، لكني غير قادر على البكاء."

كريس، 33 عاماً، كان في منزل صديقته في مار مخايل المعروفة بحياتها الليلية، لمساعدتها في نقل أغراضها. كان اليوم عادياً، قبل أن يتغير كل شيء: "كنّا على الشرفة ندخن، سمعنا أصوات تفجيرات بعيدة، دخلنا إلى المنزل خوفاً، لم نفهم شيء، كنّا نهرب من "القصف" ونحن نظن أنّ الحرب مع إسرائيل اشتعلت. ولكن أصوات الانفجارات أصبحت أقوى وأقوى، وبعدها جاء الانفجار الأكبر الذي دفعنا على الأرض، وتدمر المنزل بالكامل وكأنّنا في فيلم. لولا الحظ لكنّا متنا. المبنى تدمر، خرجنا بصعوبة على وقع صرخات الجيران. خرجنا من البيت والمشهد في الخارج يشبه نهاية العالم Apocalyptic، جرحى في الشارع والدم منتشر في كل مكان، المباني وقعت، والسيارات تدمرت. خسرت سيارتي، لكنّي ممتن أنّني على قيد الحياة."

صائب، 31 عاماً، الذي يعمل ويعيش في الإمارات، وصل إلى بيروت قادماً من دبي قبل أسبوعين فقط لقضاء إجازة عيد الأضحى مع عائلته وأصدقائه، ولكن العطلة تحولت لمأساة: "حذرني الجميع من الذهاب لبيروت. بيروت ماتت ولم يتبق منها شيء، أصبحت مدينة أشباح ومدينة بلا لون. ولكني لم أستمع لهم وسافرت. جيت وشفتها بلا روح، بيروت صارت بلا روح، واليوم بعد الانفجار، حتى الجسد راح." صائب كان في منزل استأجره لقضاء العطلة مع الأصدقاء عندما حصل الانفجار: "كان أصدقائي بانتظاري تحت المنزل، وكنت أجهز نفسي للانضمام إليهم عندما حدث الانفجار الأول. كنت قريب من الشباك وبَّعدت بلحظة لتحت الباب، وعندها صار الانفجار التاني. الباب طبعاً وقع، وكل شي حولي تكسر. ما بعرف كيف خرجت من البيت، كنت كتير خايف على رفقاتي وقريبي، حمدالله ما صار معهم شي. في البداية، فكرنا انه انفجار غاز، ولكن لما شفنا حجم الدمار الكبير اللي حولنا، تأكدنا أنه أكبر من هيك. وكنا خايفين يلحقه انفجار تاني. تمالكنا نفسنا، وبلشنا نساعد الناس اللي تأذت في الانفجار، كان شعور كله خوف، ما بشبه شي مر علي."

لم ينتهي اليوم بدون المزيد من المآسي، فقد تم الإعلان قبل وقت قصير أن عشرة من عناصر الدفاع المدني - فوج اطفاء بيروت- الذين كانوا من أول من توجهوا للمرفأ لإطفاء الحريق قضوا خلال الانفجار.

لقد خسرنا الكثير بهذا الانفجار،  لقد تم تدمير المعبر الرئيسي للاستيراد والتصدير مع العالم، كيف سيتم ادخال المواد الغذائية، الأدوية والسلع الضرورية ومواد البناء والإعمار إلى البلد؟ لقد تسبب هذا الانفجار بسحق شعور اللبنانيين بالأمن والأمل بالمستقبل، لقد حطم الإيمان القليل المتبقي لدينا في قدرة الحكومة على إخراجنا من هذه الأزمة. لقد مرت بيروت بالكثير - حرب ودمار، فقر وثورات، انقسامات وتضامن. من الصعب إيجاد الطاقة للقيام بكل ذلك مرة أخرى.