Vice Illustration - March 2021 - Alexandra Helou (1)
مرأة

"كنا نُعاقب لأننا أمهات"- نساء عاملات يتحدثن عن الحياة في ظل فيروس كورونا

كنت أنام وأنا أضع الكمامة أياماً متتالية لخوفي من العدوى
21.3.21

مر علينا أكثر من عام على الجائحة، تغيرت فيها الكثير من الأشياء وأعتدنا على روتين حياتي مختلف. ولكن رغم كل ما تعرضنا له من معاناة وضغط تبقى النساء هن الأكثر تأثرًا بالجائحة وبالضرر الواقع عليهن. الفئة الأصعب في الضغوطات الواقعة عليهن، هن الأمهات العاملات.

أن تكوني امرأة عاملة وأمًا في عالم يشهد جائحة يحتم عليك الاهتمام بأولادك وعملك وبيتك وبنفس الوقت الحذر من الإصابة بالفيروس.  عانت النساء كثيرًا في هذا العام، بين مؤشرات على زيادة العنف، وتأثر المستقلات وحياتهن الأقتصادية، وبين معاناة الطبيبات والممرضات في العزل، وغيرها الكثير من الأمور. قررت الحديث مع عدد من الأمهات عن ما عشنه والصعوبات التي مررن بها خلال هذه الفترة لأوثق معاناة النساء وتبعاتها في هذا الفترة الحرجة.

إعلان

داليا عاطف، 30 عامًا، طبيبة أسرة تخبرنا أن حياتها المهنية، مرهقة بشكل عام، كطبيبة وأم لطفلتين، (5 سنوات وسنتين). ولكن في وقت الوباء كانت تعيش كابوسًا مضاعفًا لم تستطع تحمله وحدها: "قبل كورونا كنت أمًا تراعي أطفالها وتلبي احتياجاتهم وزوجة تهتم بأمر الطعام والمنزل والزوج، بدون أي داعم لي لأنه لا أحد من أهلي أو أهل زوجي يعيش قريب منا. كنت أعمل في مراكز طب الأسرة بدوام يتراوح من 7 -9 ساعات في اليوم، وبالرغم من أن كل ذلك كان كثيرًا ومرهقًا، إلا أن الأمور تغيرت بشكل مرعب بعد الجائحة."

عندما بدأت الأزمة تتفاقم، أصبح وضع داليا مأساوياً كما تصفه، فكنت كانت تعمل 24 ساعة في المستشفى، مع حالات كورونا وبدون نوم، وكانت بنفس الوقت خائفة من أن تعود لأسرتها إن كنت تحمل الفيروس.

"يجب أن أعترف أنني أنهرت مرات عديدة، وبكيت كثيرًا بسبب مخاوفي. وكنت مقتنعة أنني سأقتل نفسي إن حدث لأطفالي أي شيء بسببي. كنت أتصرف بشكل هيستيري، عندما أعود للمنزل، كنت أطلب من زوجي وبناتي أن يبقوا في غرفة حتى أستحم وأغسل ملابسي وأعقم كل شيء. قبل الجائحة كنت أعود للمنزل متعبة من العمل، أما الآن، فأصبحت أحمل معي تعبي ومخاوفي أن أعدي أي أحد من أسرتي أو ألا أهتم بهم كما يجب. ولكن أنا محظوظة كون زوجي يدعمني طوال الوقت،" تضيف.

لم يقف أمر داليا عند الخوف من الإصابة بل حملت على عاتقها مسؤولية كونها طبيبة في ظل قلة عدد الأطباء العاملين في مصر، إذ يبلغ عدد الأطباء الفعليين 60 ألف طبيب، مقابل 100 مليون نسمة، وهذا لا يكفي مؤشرات منظمة الصحة العالمية التي صرحت بأن العدد الأنسب من الأطباء هو طبيب لكل 500:1000 مواطن، ولذلك كانت معاناتها مضاعفة كطبيبة وأم. 

إعلان

"عملت في إحدى مستشفيات العزل لمدة 14 يومًا. تعلمت خلال هذه الفترة الكثير مهنيًا وإنسانيًا، لكنها كانت أسوأ فترات عمري، فكنت بعيدة وقلقة على أولادي وزوجي وانحرمت من رؤيتهم تمامًا. كنت أبكي كلما تحدثت مع بناتي بالفيديو، وشعرت بحزنهم، إذ كلما أصغيت لحديثهم ونظراتهم، تساءلت كيف فعلت ذلك بهم؟"

عانيت من تعب جسدي لا مثيل له حتى الآن

بحسب تقارير، تشكل النساء يشكلن ما بين 50 إلى 70 في المئة من العاملين بالقطاع الصحي في بلدان منطقة شمال أفريقيا. ونحو 70 في المئة من القوى العاملة في الصحة على مستوى العالم، كما "أنهن يؤدين غالبية الوظائف الأصعب، والأخطر، والأكثر كثافة من حيث العمالة في هذا القطاع، ومع ذلك فهن يشغلن 25 في المئة فقط من المناصب العليا للقطاع الصحي،" بحسب بروجيب سنديكت.

تضيف داليا أن الإغلاق عمق من مشكلتها، فهي لم تتوقف عن العمل، ولم يكن هناك حضانة أو رياض أطفال لتترك بها أطفالها: "زوجي بيشتغل في بنك، ولم يتوقف عن العمل خلال الإغلاق، فهي يخرج صباحاً ولا يعود قبل السابعة مساء.ً كانت والدتي هي الخيار الوحيد أمامي رغم أنها في محافظة ثانية، لهذا أسافر من الإسكندرية للبحيرة حتى أترك فتياتي لوالدتي وأعود للعمل وبعدها أسافر لآخذهم مرة أخرى. وعلى الرغم من أن حدة عملي في المستشفى قلت قليلًا، إلا أنني لا زلت أعاني من تبعاتها وعدم الاستقرار، ولا أنكر أنني أعاني من تعب جسدي لا مثيل له حتى الآن."

سلمى (اسم مستعار)، 31 سنة، طبيبة تنظيم أسرة وأم لطفليتن (سنتين و 6 سنوات)  عانت كثيرًا لأنها أم وطبيبة في وقت حرج، وتعترف أن حياتها كانت أبسط وأكثر روتينية قبل الجائحة، فكانت هي الأم والزوجة المسؤولة عن كل شيء في المنزل، وهي طبيبة الأسرة التي تؤدي عملها دون أي كلل: "بدأت أزمتي تحديدًا عندما تم الإعلان عن وقف المدارس والحضانات، وقتها لم أعرف ماذا على أن أفعل، حماتي ووالدتي نساء عاملات، وزوجي لا يمكنه الغياب من عمله أيضًا، ولا أحد من أقاربي لديه فرصة للاعتناء بأولادي. ذهبت لأخذ إجازة وجوبية لرعاية الأطفال، وهي إجازة رسمية يمكن للأمهات أخذها، ومع ذلك رفض المسؤولين إعطائي بسبب الأوامر العليا، وقال لي أحد المعنيين "أنا مش مسؤول علاقات اجتماعية لكي أسمع قصة حياتك، وكأنني يجب أن أختار بين أطفالي وعملي. الأمر أشبه بأننا نُعاقب لأننا أمهات ولهذا كنت أبكي كثيرًا في الشارع وفي البيت طوال الوقت، بسبب قلة حيلتي، لأن الأزمة ليست يوم أو يومين، ولا قدرة لي على أتخاذ أي إجازات ولا قوانين في صالحي." 

لم أكن قادرة حتى على الذهاب إلى الحمام حتى

إعلان

تواصلت سلمى مع حضانات عدة لكي يستقبلوا بناتها مقابل أي مال يريدونه، ولم يوافق أحد. ولكن انفرجت حدة الأزمة تدريجيًا مع سلمى بعد أن خاطرت مديرتها بإعطائها إجازة لأسبوع واحد، وبعدها كانت توقع لها حضوري 3 أيام أسبوعيًا، وقد تزامن ذلك مع تقسيم العمل بين الذهاب للمقر والعمل من المنزل لمن هم خارج القطاع الطبي، وبذلك تمكنت من أن تعطي أطفالها 3 أيام لوالدتها أو حماتها، والثلاث أيام الأخرى تمضيها لها المديرة، إنسانيًا وتعاطفًا مع ظروفها.

"كنت أستيقظ مبكرًا وأوصل بناتي لأمي قبل العمل وأعود بعد العمل لأخذهم معرضة إياهم بخطر الإصابة، ولكن ما باليد حيلة. رغم كل ما عانيت إلا أن المشقة الأكبر أتت بعدما أُصبت بكورونا ولم أكن قادرة حتى على الذهاب إلى الحمام حتى، وتدريجيًا أصابت العدوى الجميع عن طريق بناتي، أسرتي كاملة أصابها الفيروس وكانت فترة عصيبة للغاية." تضيف سلمى: "لم تمر علي فترة  أسوأ من  الكورونا كأم وكطبيبة، خاصًة عند كل قرار وزاري جديد، لا أعرف ماذا سيكون مصيري فيه، ولهذا كنت أفكر جديًا في الاستقالة."

شعرت سلمى بالرعب لاحتمالية ذهابها إلى مستشفيات العزل بسبب قلة عدد الأطباء، لمسؤولية أطفالها، وكان حظها جيدًا أنه لم يتم اختيارها: "تعاملي مع المرضى كان مذهلًا بسبب تواجد حالات مشخصة بكورونا في المراكز الصحية، كان البعض يقول أن ليس لديه المال لشراء الأدوية ويأتي لأي وسيلة علاج رخيصة، ورغم ذلك تعاملت مع الأمر ولكني أشعر داخليًا بالأسى لأنني طبيبة، تعمل بجد في وقت يرتاح فيه الجميع، ومع ذلك لم أجد أي تقدير." 

نورا سعيد، 29 عامًا، ممرضة مستقلة، وأم لطفلين ( 7 و 9 سنوات)، تفاجئت مثل الكثيرين بالوباء، وبدأت رحلة معانتها كأم وممرضة في التعقيد، شددت على تعقيم كل شيء والعناية بالمنزل والأولاد وطعامهم، ولأن لديها طفل مريض حساسية الصدر التي هي مرض مناعي، أصبحت أكثر توترًا وحذرًا أغلب الوقت. كانت تخرج لتتعامل مع المرضى وتعتني بهم لأيام غير محددة، كل حالة حسب شدة مرضها:" في العادي كنت أتعامل مع مرضى عاديين ولكن عندما انتشر الفيروس تغيرت حياتي تمامًا، أصبحت أقيم مع المريضة التي يمكن أن تكون حالتها صعبة ولا أغفل عنها ولا دقيقة واحدة، خاصًة للمرضى المصابين بمشاكل في التنفس، وأعود لأعزل نفسي في المنزل من 14 إلى 20 يوم، دون أن أقترب من أولادي ولو لدقيقة واحدة، وما أصعب ذلك من شعور، كنت أنام وأنا أضع الكمامة أياماً متتالية لخوفي من العدوى."

كان لا بد من العودة للعمل بعد 7 أيام من انجاب طفلي

إعلان

ترى نورا أن مهمتها كأم أصعب من مهمتها كممرضة، فقد أخذت فترة لتشرح لأولادها لماذا تبتعد عنهم وتأخذ كل تلك الاحتياطات، كان التنسيق صعبًا بين الاعتناء بمذاكرة الأطفال والاهتمام بأنشطتهم، والعناية بالمنزل والاعتناء بالأكل الصحي والنظام الغذائي الجيد. وتضيف: "هذه الفترة كانت من أصعب ما عشت، لا أنكر أن زوجي وحماتي كانا أكبر داعمين لي، ورغمًا عن ذلك تظل المسؤولية والنصيب الأكبر من المهام يقع علي."

دينا نبيل، 31 عامًا، طبيبة أنف وأذن وحنجرة، حملت وبدأت أمومتها أثناء فترة الجائحة، وهي الآن أم لطفل عمره 8 أشهر. تخصص دينا جعلها من أوائل الأطباء الذين يتعاملون مع المرضى المحتمل حملهم للفيروس، وقد شكل ذلك خطرًا على صحتها كامرأة حامل: "كنت مرعوبة خوفًا على نفسي وطفلي وعلى من أعيش بينهم، خاصًة أنه لم يكن قد ظهر أثر الفيروس على الحوامل حينها. لم هناك أي دعم من المستشفى. طلبنا منهم منع الحوامل من البقاء في الأماكن الخطرة مثل الاستقبال ولم يتم الموافقة على ذلك حينها، مما جعلني معرضة لخطر أكبر بالإصابة."

"أثناء الولادة كنت خائفة أن يصاب أحد أقاربي الذين سيرافقوني أثناء الحمل، أو أن أصاب أنا بكورونا. كأم لطفل داخل بطني، كنت أتسامح مع فكرة أن أتعب أنا شخصيًا، ولكن لا يمكنني أن أتسامح مع إيذاء طفلي بأي حال من الأحوال."

بعدما وضعت دينا مولودها الأول كانت الإجازات الاستثنائية للحوامل ممنوعة وقتها، عكس الآن. وكان لا بد من العودة للعمل بعد 7 أيام من الوضع، لم يكن لدينا أي رفاهية، حتى إجازة التأخر والتفرغ للطفل لم تصبح متاحة لها وهذا عبء مختلف لأم حديثة وطبيبة في نفس الوقت.

إعلان

تأثرت دينا مثل كثيرات ماديًا، هي وزوجها كذلك فكرة فرض الحظر وتقليل الخروج من المنزل قللت من فرصة عملها في مكان إضافي لزيادة الدخل، بالإضافة إلى أنه أصبح لديها أهي وزوجها عبء مادي جديد بسبب وجود طفل. ولهذا كانت محاصرة من عدة جهات. 

"التعامل كطبيبة أيضًا أمر مرهق، بعد مرور كل هذه الأشهر على بدء الجائحة لا زال المرضى ينكرون إصابتهم ويرفضون العزل. وهناك نوع آخر وهم المصابين بالهلع، نصف عملي جدل وإرهاق مع المرضى. بشكل عام لم أقصر مع ابني ولكن هذا أتى على حساب صحتي النفسية وفكرة التنظيم بين بيتي وعملي، كان الأمر  مرهقًا ولا تزال الأمور على حالها إلى الآن. "

بحسب منظمة الأسكوا أن المرأة ستخسر ضعف الرجل من الوظائف بسبب الجائحة، لأن البطالة ستصيب النصيب الأكبر من العاملين في القطاع الغير منتظم وهو ما يعمل به نسبة 62% من النساء، هذا بجانب تمثيل النساء العاملات لنسبة 20% فقط من قوى العمل في العالم العربي مما يعني أنهن سيتكبدن خسارة أفدح.

لم يتأثر العاملين بالمجال الطبي وحسب، بالجائحة بل أصبحت، كل أم، شخص يعاني -من أبسط الأشياء- بشكل مضاعف. كما أشارت إحدى الجهات إلى أن عدد كبير من الأمهات تكبدن معاناة تعليم أطفالهن بمفرهدن، وأكدت أن نساء كثيرات أنهن لم يتمكنوا من العمل من المنزل دون مقاطعة أو تشتيت أولادهن مما أثر بالتأكيد على معدل إنتاجيتهن.

عزة مسعود، 40 عامًا، صحفية استقصائية، مجال عملها بالصحافة جعلها على مسافة أقرب من الجائحة، فكانت تغطي أخبار كورونا وتتواصل بشكل شبه يومي مع مصادر طبية وغيرهم من المواطنين: "عشت تجربة الإصابة بالفيروس كاملة، وانتقلت مع أصحابها من لحظة الاشتباه حتى تأكيد الإصابة؛ بعضهم تعافى والبعض الآخر فارق الحياة." أثر ذلك كثيرًا على دور عزة كأم، حيث أنها كانت تخضع لفترات عزل ذاتى بعد كل زيارة لإحدى المستشفيات ضمن خطة عملها، وهذا حرمها -بشكل متقطع- من ممارسة مهامها المتراكمة كأم وزوجة.

فرضت الجائحة مهام جديدة على عزة، مثل ضغط الأولاد الذي ازداد نتيجة قرارات إغلاق المدارس وتحويلها للنظام الافتراضي: "نعم أصبحت صحفية تُغطى الجائحة، وأعيش معاناة أصحابها، بكل ما في ذلك من ألم، وأم باتت مدرسة تشرح وتوضح وتعقد التقييمات وتتابع كل شيء من متطلبات الأولاد الدراسية والحياتية، حتى اللحظة الأخيرة. كورونا تجربة إنسانية ومهنية جعلت منظوري للحياة مختلف بعد أن أُختزل كل شيء في شاشات صغيرة بكل ما تحملة من جفاء وبرود وجمود، أتطلع بفارغ الصبر إلى عودة الحياة لطبيعتها."