فيلم

بوهيميان رابسودي: السيرة التي لن تهزّكم

أعطونا فيلماً تقليدياً عن أناسٍ ليس فيهم شيءٌ تقليدي
7.11.18
malak

رامي مالك بدور فريدي ميركوري. 20th Century Fox

مع كل فيلم سيرة ذاتية جديد تثار الأسئلة نفسها. كيف يمكن تناول شخصية أيقونية، كيف تنقل حياة شخص بواقعية إلى فيلم سينمائي؟ وهل سيعادل الفيلم عظمة شخصياته؟ أفلام السيرة الذاتية هي ألغام قد يستحيل تفاديها. الفشل يكاد يكون مصيرها، أما نجاحها فهو خروجٌ بأقل الأضرار الممكنة. "بوهيميان رابسودي" (Bohemian Rhapsody) فيلم عن فرقة الروك الإنجليزية "كوين" التي اصدرت حوالي 15 ألبوماً حتى انفراط عقدها عام 1991 بعد وفاة مغنيها الرئيس فريدي ميركوري جراء اصابته بمرض الايدز. سيرة ذاتية جديدة في السينما تتجدّد معها الأسئلة. هل قدم الفيلم جديداً؟ وهل عبر حدود الأفلام الوثائقية إلى السينما الحقّة والدراما الواقعية؟

إعلان

يرافق الفيلم البدايات. يخبرنا عن الفرقة وتأسسيها عام 1970، ويتناول أصول فريدي الذي ولد في زنجبار وكبر حاملاً اسم فاروق بولسارا، لقاءه بزميليه برايان ماي وروجر تايلور، واجتماع الثلاثة لتأسيس الفرقة. يقدّم الفيلم بعضاً من حياتهم مع التركيز على المغني الرئيس وصولاً إلى حفل "لايف إيد" الأسطوري في ملعب ويمبلي في لندن عام 1985.

يمرّ الفيلم بعجلٍ على الأحداث: العلاقة بين أفراد الفرقة، صراع فريدي العائلي، مثليته الجنسية، مرضه بالإيدز، وعلاقته مع ماري أوستن (حبيبته السابقة وصديقته المقربة لاحقاً). تمرّ الوقائع كألبوم صور مع بعض الوقفات الموسيقيّة. في نصف الساعة الأولى من الفيلم، دراما اجتماعية إنجليزية عن طفولة فريدي، واختباره الغنائي الأول أمام بريان ماي وروجر تايلور بعد طردهما المغني الرئيس في فرقتهما، ترددهما في قبوله، تغييرهما اسمه، تخوفهما من أسنانه البارزة وصولاً إلى انطلاقتهم معاً.

يبدو فريدي طوال الفيلم حزيناً على عكس الضحكة والمتعة والشغف التي رافقت حفلاته والمقابلات التي أجريت معه

لسوء الحظّ، لم يكمل الفيلم ما بدأ به. بدا كلّ شيء متواضعاً أمام حجم وأهمية الفرقة التاريخية. المرحلة السابقة للشهرة بقيت مبهمة، أمّا الأحداث الشخصية التي كان لها تأثير على موسيقى الفرقة وكلمات أغانيها وكوّنت شخصيّة فريدي، فأتت باهتة. تلهّى صنّاع الفيلم باللمعان والأضواء والمؤثّرات لإبهار المشاهد، ثمّ أضافوا إليها قصصاً تقليدية لإيهامه أن ما رآه من سطحية في المعالجة، هو كلّ ما يمكن التكلم عنه.

1541575279929-bohemian_rhapsody_-_Twentieth-Century-Fox

20th Century Fox

أتت معالجة شخصيات مخيبة للآمال. يبدو فريدي طوال الفيلم حزيناً على عكس الضحكة والمتعة والشغف التي رافقت حفلاته والمقابلات التي أجريت معه. لوهلة تنسى أنّها سيرة ذاتية واقعية. بطريقة سحرية فجة وغير قابلة للتصديق، تسير القصة. فجأة تختفي العقبات العامة وتتحلحل المشاكل الشخصية التي واجهت الفرقة يوم الحفل. وهذا أسخف ما يمكن فعله في فيلم سيرة ذاتية. هل ما شاهدته قصّة حقيقية؟ شخصياً أعتقد أنّه أقرب إلى الفانتازيا. وأقول فانتازيا وسخافة لأن صناع الفيلم الفيلم استخدموا تلاعباً سافراً بالحقيقة من أجل غايات درامية غير مبررة. مثلاً في الفيلم علم فريدي قبل يومٍ من حفل "لايف ايد" (Live Aid) في لندن بإصابته بالايدز وهذا ما لم يحصل واقعياً. كما أن الحفل لم يكن لماً لشمل الفرقة، فالفرقة لم تكن منفصلة قبل الحفل بل أدت عدّة حفلات مجتمعة قبل اسابيع من "لايف إيد." هذان هما مثلان بسيطان من عدّة أمثلة أخرى لن أسردها كي لا أفسد الفيلم، ولكن بحثاً بسيطاً سيظهر مغالطات لا تحصى وقع ويقع فيها كثر ممن تلطخوا بوحول أفلام السير الذاتية.

لا ينتقص "بوهيميان رابسودي" من فنّ "كوين" يقدّم إبداعهم ولكن من دون عمق، إذ نبقى على السطح. مشاهد المناقشات والمناوشات الفنية بين أفراد الفرقة تمرّ بسرعة وتُنسى بعد أول أغنية. يفتقر الفيلم إلى شرارة اللحظات التي أدّت إلى التفجير الفني. يذكر إنجازات الفرقة ولا يدخل في شياطين التفاصيل المحببة إلينا. الباحثون عن شيء مختلف عما عُرف أو نُشر سابقاً عن الفرقة سوف يخيب ظنكم. والباحثون عن مفاصل مجهولة، عن اللحظات الأكثر ظلمة في حياة فريدي، سوف تخرجون خالي الوفاض.

يحمل الفيلم عنوان الأغنية الشهيرة للفرقة فنتوهّم أنّه عن "كوين" ليتضح أنّ شخصية واحدة تطغى عليه، أنّه يوشك على أن يكون قصة حياة فريدي ميركوري. ولكن حتى هذه القصة لم تكن مقنعة، فلو سلّمنا فعلاً أن موهبة فريدي هيمنت على الفرقة كلها، لا يتطرّق الفيلم لتفاصيل وخلفيات ذلك. أفهم تماماً أن تلخيص خمسة عشر عاماً من حياة فرقة موسيقية أو بالأحرى من حياة شخص في فيلم وخلال ساعتين وربع، هي عملية صعبة، إن لم تكن مستحيلة. لذلك كان ليكون واقعياً أكثر لو حصر صناع الفيلم فيلمهم بسنة معينة، بحدثٍ واحد، وقدّموه بطريقة تفي "كوين" وفريدي حقهم.

رامي مالك هو الشخص الأكثر أهمية في الفيلم، هو الذي يبدّد جميع المخاوف المتعلّقة بمن يصلح لأداء دور فريدي

مما لا شكّ فيه أن الفوضى التي رافقت إنتاج وتصوير الفيلم ألقت بثقلها عليه، من تبديل المخرج في الأيام الأخيرة من التصوير (من براين سينغر إلى دكستر فلتشر) إلى تغيير الممثل الرئيسي (من ساشا بارون كوهين إلى رامي مالك). بذلك شكّل الفيلم مادة دسمة للصحفيين قبل عرضه، نقاد ومشاهدو ومعجبو فريدي شرعوا بتقديم مقارنة بين ساشا كوهين ورامي مالك، مقارنة صبّت لصالح قوّة كوهين المفترضة أداءً واستخفافاً بمالك الذي يطاوعه مظهره الخارجي. هي مقارنة لا تصح بين أداءٍ مفترض وأداءٍ فعلي رائع، هل كان كوهين ليكون أفضل؟ لا ادري ولا يمكن لأحد أن يتكهّن.

1541329830227-bohemian

رامي مالك. 20th Century Fox

رامي مالك هو الشخص الأكثر أهمية في الفيلم، هو الذي يبدّد جميع المخاوف المتعلّقة بمن يصلح لأداء دور فريدي. هزم الرجل كل من راهن على فشله وعلى تقديمه أداءً سخيفاً. تلبّس فريدي بدنياً وأتقن لغة جسده وهذا مفصلي في فيلم مماثل. بقي مالك مقنعاً في كلّ لحظة من لحظات الفيلم، وخاصة في أبرز مشاهده خلال الحفلة: دخوله، تقديمه الاغاني، طريقة خروجه، رقصه، وايماءاته، كل ذلك جعل المشهد تجربة حية حقيقية حرّكتنا تماماً كما أشعل فريدي ميركوري يوماً الجماهير في ويمبلي. في المقابل كان مؤسفاً اكتفاء بقية أعضاء الفرقة بتمثيل لم يدخل عمق الشخصية الواقعية، وبقوا بالتالي بعيدين كليّاً عن كل ما هو حقيقي.

لن يخرج أحد بشعور سيّ من "بوهيميان رابسودي،" فاستعادة موسيقى "كوين" ستسعد المتفرجين بكلّ تأكيد. خلال أداء رامي مالك المشاهد الأخيرة سنبتسم ونرقص في مقاعدنا. لكنّ هذا لن يمحو آثار عجز المنتجين وتكتم أعضاء الفرقة الحقيقيين، إذ أنّهم لم يخرجوا المألوف ولم يأتوا بجديد وأعطونا فيلماً تقليدياً عن أناسٍ ليس فيهم شيءٌ تقليدي.
إذاً هل كان فيلم السيرة الذاتية هذا ممتعاً؟
نعم.
لماذا؟
لأنني أحببت الغناء والرقص.
ولكن أين السيرة الذاتية؟