جدل

"صحيح البخاري" يضع الأزهر أمام القضاء

دعا باحث اسلامي إلى إصدار كتاب بديل يُسمى "صحيح الأزهر"
نسمة فرج
إعداد نسمة فرج
2018 نوفمبر 26, 6:45am
مصر

هل "صحيح البخاري" أصح الكتب بعد القرآن أم لا؟ هذا الجدل لم ينته في مصر، فمن جديد أثيرت التساؤلات حول "صحيح البخاري" ولكن هذه المرة ليس على الشاشات الفضائية أو الندوات ولكن داخل أروقة المحاكم المصرية، ليضع الأزهر وجهًا لوجه أمام القضاء المصري. منذ ثماني سنوات قرر أحمد عبده ماهر المحامي والباحث في شؤون التراث الإسلامي، اقامة دعوى قضائية تطالب شيخ الأزهر بتنقية وتنقيح كتاب صحيح البخاري من "الأحاديث المدسوسة" -حد وصفه- وظلت القضية حبيسة الأدراج والتأجيلات منذ عام 2010.

ماهر هو أكثر الباحثين إثارة للجدل في مصر، فهو لم يتردد في توجيه النقد الشديد لكتاب "صحيح البخاري" وقد هُوجم من قبل عدد من الشيوخ وعلماء الأزهر الشريف. وفي 27 أكتوبر 2018 عادت القضية للنور مرة أخرى، حيث أصدرت المحكمة الإدارية العليا حكماً بقبول الطعن الذي قدمه ماهر من حيث الشكل على قرار محكمة القضاء الإداري برفض دعواه.

واتهم ماهر في أحاديث صحفية الأزهر "بالإهمال والمماطلة في تنقية صحيح البخاري من الأحاديث المدسوسة والمنسوبة للنبي محمد،" مشيراً إلى أن هذه الأحاديث "تطعن في مصداقية القرآن الكريم، وتثير البلبلة في عقول ونفوس المسلمين في دينهم وكتابهم المقدس."

"صحيح البخاري" هو كتاب مختصٌّ بجمع الأحاديث التي وردت عن الرسول – صلى الله عليه وسلم - جمعه الإمام محمّد بن إسماعيل البخاري العالم المسلم، وقد بُوِّب هذا المصنف على حسب المواضيع الفقهية المختلفة. يحتوي كتاب على 4،000 حديث، وانتهى الإمام البخاري من وضع هذا المصنّف في العام 232 من الهجرة النبوية الشريفة.

وفي لقاء مع VICE عربية، يوضح الباحث في التراث الإسلامي أحمد ماهر، 74 عامًا، بأن الحكم الصادر من المحكمة الإدارية العليا بتاريخ 27 أكتوبر لم يُلزم الأزهر وشيخه بتصحيح البخاري كما زعمت بعض الأخبار والتقارير الصحفية بل قضى بإعادة القضية بالكامل إلى محكمة القضاء الإداري للنظر فيها من جديد، لأن حكم أول درجة خالف قاعدة قانونية جوهرية تتمثل في حتمية عرضها على هيئة المفوضين قبل الفصل في موضوعها، وذلك إعمالا لقانون مجلس الدولة رقم 47 لسنة 1972.

ويضيف ماهر، أنه قرر إقامة دعوى في عام 2010 لإلزام شيخ الأزهر بتصحيح كتاب صحيح البخاري لوجود تلاعب بالقرآن الكريم فيه، وقد أرفق ماهر بأوراق قضيته أمثلة تؤكد طعن البخاري في القرآن الكريم منها كما يقول: "انظري إلى نقل صحيح البخاري لرواية ابن مسعود بأن المعوذتين، أي سورتي الفلق والناس، ليستا من القرآن الكريم بل هما مجرد أدعية ذكرها النبي."

ويضيف ماهر أنه لا يوجد أي أدلة على أحاديث البخاري أو على الوجود البخاري من الأساس: "لقد أجرت وزارة الثقافة العراقية بحثاً موجود في مكتبة الإسكندرية باسم المخطوطات العربية حتى القرن الخامس الهجري وليس بينها أية مخطوطة مكتوبة بيد البخاري، والمخطوطة التي يمتلكها الأزهر عمرها 500 سنة، أي أنها ظهرت بعد وفاة البخاري بما يقرب من 600 إلى 700 سنة، فكيف لنا أن نؤمن بهذا الكتاب ونعطي له قدسية؟"

ويؤكد ماهر على حجته أن كتاب صحيح البخاري يحوي مفاهيم خاطئة بالقول: "هناك باب كامل في الصحيح البخاري يتحدث عن "العجوة - التمر" يقول إن في حالة تناول الإنسان 7 تمرات لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر، مضيفًا أعلن عن مكافأة مليون جنيه لأي شخص يأكل 7 تمرات ثم اقوم بحقنه بسم إن مات فقد مات فدائيًا للبخاري، وإن عاش سوف يكسب مبلغ مالي."

وفي عام 2007 أصدرت دار الإفتاء المصرية بيانًا تأسيسًا وصفت فيه طاعن في البخاري فاسق مردود الشهادة، لأنه يتكلم فى دين الله بغير علم. وأضافت "الإفتاء" أنه إذا كان الشرع والقانون يعاقبان مروجي الشائعات لنشرهم الفزع بين الناس ولبَثِّهم الاضطراب بينهم، فعقوبة مزعزعي عقائد المسلمين ومروجي الكذب والزور في حق ثوابت دينهم وشعاراته أولى وأجدر. وأضافت دار الإفتاء في بيانها أن "من يريد أن يشتهر على حساب أصول الدين ومرتكزاته فيجب ألا تأخذنا فى عقابه والأخذ على يديه لومة لائم؛ ليكون نكالا لغيره ممَّن تسول له نفسه زعزعة السلام الاجتماعي للمجتمع، فالفتنة نائمة لعن الله مَن أيقظها."

وفي تصريحات صحفية أكد الدكتور أحمد عمر هاشم، أستاذ الحديث وعضو هيئة كبار العلماء أن "كل من حاول أن يقول عن صحيح البخاري كلمة نابية أو أن فيه كلام غير صحيح أو حديثًا ضعيفًا لم يقرأه وليس له علم به، فلو قرأه أو كان له علم به لعرف بحق أنه أصحّ كتاب بعد كتاب الله وأن الأمة الإسلامية قد تلقته بالقبول."

أما الدكتور الأحمدي عبد الفتاح خليل، أستاذ الحديث بـ جامعة الأزهر، ووكيل المشيخة العامة للطرق الصوفية، لـ VICE عربية أن "صحيح البخاري "هو أصح الكُتب بعد القرآن وليس بها أي أحاديث مغلوطة أو مدسوسة وكل هذا الكلام كذب في كذب وهناك بعض العلماء دافع عن تلك الشبهات في كُتب موجودة في جميع المكتبات." وعن رفع دعوى قضائية تلزم شيخ الأزهر بإعادة تنقية كتاب صحيح البخاري، يؤكد أستاذ الحديث بجامعة الأزهر "أن مثل هذه القضايا تناقش مع العلماء وأهل العلم وكان يجب الذهاب إليهم قبل اللجوء إلى المحاكم."

وفي أكثر من مناسبة، دعا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي المؤسسات الدينية الإسلامية في البلاد إلى تجديد الخطاب الديني لمواجهة التطرف والطائفية، وكانت أول مرة أطلق فيها السيسي الدعوة في 1 يناير 2015 وبحسب البيان الرسمي- أرجع الرئيس المصري أن ما نشهده من "ظواهر إرهابية" يعود في الأساس إلى "الفهم الخاطئ لصحيح الدين الحنيف وتعاليم الرسول الكريم." وقد جدد السيسي دعوته لشيوخ الأزهر ووزارة الأوقاف ودار الإفتاء بسرعة الانتهاء من إنتاج خطاب ديني جديد يتواكب مع مستجدات العصر ويقضي على الاستقطاب الطائفي والمذهبي والتطرف.

أهل السنة والجماعة يرون أن النص مقدم عن العقل، على سبيل المثال لو هناك حديث رفض العقل استيعابه يؤخذ نص الحديث دون إعمال العقل

ويرى سامح فايز الكاتب الصحفي المصري المطلع على الموضوع أن "علم الحديث وتدوينه" مسألة شائكة ويضيف: "تم تجميع الأحاديث بعد وفاة الرسول وفي هذه الأثناء دخل الإسلام مندسون قاموا بعضهم بتأليف أحاديث، وجاء البخاري لتجميعه بالسند. أهل السنة والجماعة يرون أن البخاري هو أصح كتاب بعد القرآن وأن النص مقدم عن العقل، على سبيل المثال لو هناك حديث رفض العقل استيعابه يؤخذ نص الحديث دون إعمال العقل."

وأوضح فايز لـ VICE عربية أن تجديد الخطاب الديني وتنقية الأحاديث المدسوسة يحتاج إلى قدر من الوعي والعلم ليس موجوداً الآن: "نجد أن معظم تجارب التجديد في آخر 30 عاماً باءت بالفشل وتم تكفير أصحابها وإخراجهم من الصف مثل المفكر نصر حامد أبو زيد وفرج فودة. على الجانب الآخر، هناك بعض الشيوخ والمفكرين يتحدثون عن البخاري سواء معه أو ضده للحصول على "الشو الإعلامي" وطلب اللجوء إلى أوروبا."

وبالعودة الى الباحث الإسلامي أحمد ماهر فهو يقترح الحل، وهو أن يقوم الأزهر بصفته أقدم مؤسسة إسلامية في العالم بإصدار كتاب يسمى "صحيح الأزهر" لتصحيح الأفكار المغلوطة ونشر تعاليم الدين الإسلامي الوسطي ليكون بديلاً عن كتاب "صحيح البخاري."