تعليم

أزمة التعليمي الحكومي في المغرب تجبر الأسر على اللجوء للقطاع الخاص

تسجيل الأبناء في المدارس الخصوصية يكون في الكثير من الأحيان من أجل التباهي بين الأسر، أو تباهي التلميذ على أصدقاءه
17.9.18

الصورة من فليكر

"لا أثق في التعليم الحكومي،" تقول سناء، 35 عاماً، موظفة بإحدى الشركات الخاصة وأم لطفلين تقوم بتدريسهما في إحدى المدارس الخصوصية في الدار البيضاء في المغرب. سناء أرملة لا يتجاوز مدخولها الشهري ثلاثة آلاف درهم مغربي (300 دولار) إلا أنها تدفع 12 ألف درهم (1,270 دولار) لمدارس طفيلهما بالمرحلة الابتدائية سنوياً. قد يرى البعض أن مبلغ ألف دولار بالسنة ليس كثيراً، ولكنه في المغرب يعتبر كذلك، حيث أن الحد الأدنى للأجور هنا يصل الى 2,500 درهم مغربي (250 دولار) في الوقت الذي لا تتجاوز معظم الرواتب هذا المبلغ. بالإضافة إلى أن المبلغ الشهري الذي تقوم بدفعه هذه السيدة يقارب نصف راتبها الشهري.

إعلان

"أقساط التعليم في المدارس الخصوصية مرتفعة جداً، تسجيل أبنائي في المدرسة لوحده كلفني ضعف راتبي، وجدت نفسي مجبرة أن أدفع أكثر من خمسة آلاف درهم (500 دولار) لرسوم التسجيل وواجبات التأمين وكذلك تكلفة التدريس لمدة شهر،" تضيف سناء. على الرغم من اضطرار سناء لصرف مدخولها الشهري بل وكذلك الاقتراض لدفع مصاريف المدرسة، إلا أنها ترى أن هذه المصاريف ضرورية: "من الواجب علي تسجيل طفلي في المدرسة الخصوصية لأضمن لهم مستوى تعليمي في المستوى، على الرغم من التكاليف المرتفعة جداً، من غير الممكن أن أرسل أولادي لمدرسة حكومية."

الأساتذة في التعليم الخصوصي لا يمكنهم تعنيف الأطفال لأنهم يعلمون جيداً أننا ندفع لهم من أجل تدريسهم والترفيه عنهم، لا يمكنه تعنيف طفل يشكل له مصدر دخل

سألت سناء عن سبب عدم تسجيل ابناءها في مدارس حكومية واضطرارها لصرف راتبها والاقتراض لدفع مصاريف المدارس الخصوصية: "لدي تخوف أن لا يدرسوا جيداً في مدرسة حكومية. الكثير من أبناء الجيران مستواهم التعليمي لا يبشر بالخير، بالإضافة إلى أنه لا توجد مراقبة في مدارس الدولة، ولا يتم تدريسهم وتربيتهم بشكل جيد، دون الحديث عن تعنيف بعض الأساتذة للتلاميذ وعادة ما نسمع عن هذا. الأساتذة في التعليم الخصوصي لا يمكنهم تعنيف الأطفال لأنهم يعلمون جيداً أننا ندفع لهم من أجل تدريسهم والترفيه عنهم لا غير ذلك، لا يمكنه تعنيف طفل يشكل له مصدر دخل."

فليكر

مثل كل سنة، ومع انطلاق الموسم الدراسي يكثر القيل والقال حول التعليم الخصوصي في المغرب، حيث أن عدد كبير من العائلات أصبحت اليوم تشتكي وتستنكر غلاء واجبات التسجيل والتدريس في هذه المدارس، التي أصبحت تتكاثر يوماً بعد يوم نظراً لأهمية هذه السوق التجارية بالنسبة لأصحابها أمام ضعف التعليم الحكومي والذي يعاني عجزاً منذ سنوات حسب شهادات الكثيرين. تتواجد اليوم بالمغرب أكثر من 46 ألف مؤسسة للتعليم الخصوصي حسب أرقام وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي المغربية، رقم تضاعف أربع مرات خلال العشرين سنة الأخيرة بعدما كان سنة 2001 لا يتجاوز 1،400 مؤسسة. مؤسسات تجذب إلى أحضانها مئات الآلاف من الأسر حيث أن قرابة المليون تلميذ يدرسون اليوم داخل المدارس الخصوصية في الوقت الذي كان العدد أقل من ربع مليون تلميذ قبل عشرين سنة.

وقد أصبح تدريس الأبناء في المدارس الخصوصية في المغرب، لا يقتصر على الطبقة الغنية والمتوسطة فقط بل أصبحت الأسر المحدودة الدخل كذلك تلجأ إلى هذه المدارس، التي استغلت الوضع لتتكاثر بشكل كبير وتتمركز في المدن الكبرى التي تعرف إقبالاً كبيراً على هذه المدارس. خديجة، سيدة متقاعدة تدرس ابنتها في مرحلة الثانوية العامة في مدرسة خاصة، التعليم الخصوصي ترى أن التعليم الخصوصي أصبح تجارة واستغلال: "المدارس الخصوصية تستغل فقدان ثقة المواطنين في التعليم العمومي من أجل رفع أثمنة التدريس إلى أعلى سقف، وخصوصاً تكاليف التسجيل." وتضيف خديجة: "لا يعقل أن أدفع مصاريف تأمين تصل إلى أربعة درهم مغربي (400 دولار)، خصوصاً بعد المرور من مرحلة إلى مرحلة أخرى يتم رفع الأسعار بشكل كبير. كنت أدفع لابتني في المرحلة الإعدادية ألفين درهم (200 دولار) وبعد انتقالها إلى المرحلة الثانوية توجهت لإحدى المؤسسات التعليمية الخصوصية المجاورة لأتفاجأ بقائمة الأسعار: التسجيل أربعة آلاف درهم مغربي (400 دولار) ويجب دفع مبلغ شهري يتجاوز الثلاثة آلاف درهم مغربي (300 دولار) لوجبات الطعام والتنقل، بل أكثر من ذلك، إذا أردت التسجيل يجب عليك دفع رسوم اختبار يخضع له التمليذ من أجل تجربة أهليته للدراسة داخل المجموعة."

في المدرسة العمومية يمكنك الغياب عن الصف، عكس المدرسة الخصوصية فهم يتصلون مباشرة بأسرتك ويخبرونها بمستواك وبمدى انضباطك

خديجة والتي تحدثت بغضب شديد عن الوضع درست أبناءها في التعليم الخصوصي منذ التسعينيات ترى أن الوضع قد تغير بين الماضي والحاضر: "كلفني تدريس ابنتي في المرحلة الإعدادية ما كلفني تدريس أبنائي الاثنين في المرحلة الثانوية وهذا لا يعقل، وعندما نقوم بتقديم شكاية للمدير حول غلاء السعر يتحجج بالضرائب وأنها مرتفعة."

وقد أظهرت مقالات ودراسات أنجزتها بعض الجمعيات المحلية، وورد كذلك في إحدى حلقات برنامج 45 دقيقة الذي تبثه قناة مغربية حكومية، أن الأسر المغربية تنفق ما بين 40%‬ و 50%‬ من مدخولها الشهري على التدريس في الوقت الذي توفر الدولة المغربية تعليماً عمومياً مجانياً تخصص له ميزانية وصلت إلى 59.‬2 مليار درهم مغربي (5 مليار دولار)، إلا أن ثقة الأسر أصبحت مفقودة في هذا التعليم، الذي يعيش منذ سنوات أزمة من عدة جوانب متعلقة أساساً بعدم نجاعة تكوين التلاميذ ما يعكسه المستوى الضعيف الذي يظهر على التلاميذ المغاربة، كما انعدام تربيتهم على قيم المواطنة، بالإضافة إلى الاكتظاظ داخل الفصول وتزايد ظاهرة الهدر المدرسي، وعدم كفاءة معظم الأساتذة الذين يسهرون على تعليم التلاميذ، وقلة المواد البشرية وضعف البنيات التحتية.

إعلان

أميمة، 16 عاماً، تلميذة بالمرحلة الثانوية بإحدى المدارس الخصوصية، ترى أن تسجيل الأبناء في المدارس الخصوصية يكون في الكثير من الأحيان من أجل "التباهي بين الأسر، أو تباهي التلميذ على أصدقاءه بدعوى أنه يدرس في التعليم الخصوصي وأن أسرته ميسورة ولديها الموارد المالية من أجل دفع مصاريف المدرسة." وتضيف: "نحن هنا نقضي وقتاً جميلاً رفقة الأصدقاء، لا يجبرنا أحد على التركيز في الدراسة، أعتقد أن الأهم بالنسبة للإدارة هو أن يدفع والدي الواجب الشهري في وقته وأن لا يتأخر، ما عدا ذلك فهم يحرصون فقط على تواجدنا داخل الفصول في أوقات الدراسة من أجل عدم تحميلهم مسؤولية عدم مراقبتنا."

هناك مشكلة ضعف تدريب الأساتذة في المدارس الحكومية حيث أن تكوينهم لا يتعدى الستة أشهر في أحسن الحالات في الوقت الذي يجب أن تصل مدة التدريب إلى سنتين على الأقل

أما محمد أمين، 14 عاماً، تلميذ بإحدى المدارس الخصوصية بمدينة الدار البيضاء، والذي درس سنتين من المرحلة الإعدادية في القطاع الحكومي قبل أن تقرر أسرته نقله إلى القطاع الخاص بسبب عدم تفوقه في الدراسة، فيعتبر أن الفرق الوحيد بين القطاعين الخاص والعام هو المراقبة، حيث يقول: "في المدرسة العمومية يمكنك الغياب عن الصف ورغم أنه يطلب منك استدعاء ولي أمرك من أجل السماح لك بالدخول تتوسل إلى المسؤول الإداري ويتسامح معك، عكس المدرسة الخصوصية فهم يتصلون مباشرة بأسرتك ويخبرونها بمستواك وبمدى انضباطك داخل الفصل."

ويضيف محمد: "معظم الأسر تسجل أبناءها بالتعليم الخصوصي من أجل الحصول على درجات عالية في الثانوية مما يعني فرص أفضل لدراسة تخصصات مهمة كالطب والهندسة في الجامعات الحكومية المختصة. في التعليم الخصوصي يقومون بمنحنا درجات عالية لا نستحقها حتى تساعدنا على الانتقال من مستوى إلى آخر، أما بالنسبة للمستوى التعليمي، فأعتقد أنه يتعلق بالتلميذ في حد ذاته ويتحمل الأساتذة المسؤولية سواءً في الخاص أو العام."

فليكر

عبد العالي مستور، فاعل تربوي ومدني ورئيس جمعية منتدى المواطنة، وهي جمعية وطنية تعمل على إصلاح قطاع التعليم، يرى أن سبب تدهور التعليم الحكومي يعود إلى عدة اختلالات كبرى تحاول الدولة إصلاحها منذ سنة 1999 ويشرح ذلك بالقول: "هناك مشاكل متعلقة أساساً بضعف الموارد البشرية والبنيات التحتية، عدد المؤسسات اليوم قليل مقارنة مع عدد التلاميذ، ما يؤدي إلى الاكتظاظ داخل الفصول، هناك كذلك مشكل ضعف تدريب الأساتذة حيث أن تكوينهم لا يتعدى الستة أشهر في أحسن الحالات في الوقت الذي يجب أن تصل مدة التدريب إلى سنتين على الأقل من أجل تأهيل أستاذ قادر على تكوين وتربية أجيال. بالإضافة إلى أن أغلب الأساتذة يشتغلون في القطاع من أجل إيجاد فرصة شغل لا غير ولا يختارون المهنة عن قناعة وهذا يعتبر جزءًا من المشكلة."

وبخصوص التعليم الخصوصي يعلق عبد العالي مستور قائلاً: "التعليم الخصوصي لا يحل أزمة التعليم العمومي بل يعمقها، القطاع الخاص يستغل نواقص التعليم العمومي ويشتغل عليها جيداً، مثل الاكتظاظ، لا يوجد اكتظاظ في فصول المدارس الخصوصية، ثم كذلك الإعداد الجيد للامتحانات الجهوية والوطنية، المدارس الخصوصية تعطي نقاط أعلى للتلاميذ ثم تقوم بتحضيرهم جيدا للامتحانات."

إعلان

عبد الهادي زويتن، الرئيس السابق والرئيس الشرفي الحالي لرابطة التعليم الخاص بالمغرب، الرابطة التي تضم أزيد من ألفين مدرسة خصوصية وتعمل على معالجة قضايا التعليم الخاص في المغرب، فيقول أن إشكالية مستوى التعليم تتدخل فيها عدة أطراف وأن المسؤولية مشتركة في ذلك: "هناك مشكلة مجتمع ومنظومة وليس تعليم خصوصي أو عمومي، أكيد أن هناك تراجع في المنظومة لاعتبارات كثيرة، منها مشكلة مناهج، جيل جديد ليست لديه الرغبة في الدراسة، عدم استقرار الأساتذة وانتقالهم من مدرسة إلى أخرى ومن الخصوصي إلى العمومي أو العكس، بالإضافة إلى أنه هناك خلل في تكوين الأساتذة ومستواهم العلمي والمعرفي مهنياً وهذا ينعكس على مردودية التلاميذ."

ويضيف عبد الهادي: "هناك مشكلة تتعلق بالأسرة ايضاً، الأسر اليوم لا تراقب بالشكل اللازم وهنا لا أعمم لكن التلميذ اليوم من يقرر ماذا يريد وأين يريد أن يدرس وليست الأسرة. المجتمع، اليوم لا يعطي القيمة لأصحاب الفكر والعلم بل للفنانين ولاعبي كرة القدم، وهذا ما يشجع التلاميذ أكثر على عدم الاجتهاد في الدراسة."

ومتحدثاً عن غلاء تكاليف التسجيل والدراسة اعترف عبد الهادي زويتن أن رسوم التسجيل مرتفعة في بعض المدارس لكنه دعا إلى التمييز المؤسسات قائلا: "هناك مؤسسات مرتفعة، وهناك مؤسسات متوسطة وهناك مؤسسات تكاليف التسجيل بها بسيطة. وهدفنا جعل معظم المؤسسات في المتناول ولا تثقل كاهل المواطن، والتكاليف في كل مؤسسة تتماشى مع نوع الخدمات المقدمة ونوع وحجم الاستثمار."

التعليم في المغرب لم يصبح في مهب الريح بل ذهب مع الريح

أكثر من 200 ألف تلميذ وتلميذة يهجرون الفصول الدارسية بالمغرب سنوياً حسب عدة تقارير، ما يظهر الوضع الذي يعيشه التعليم في المغرب، ورغم المجهودات والمحاولات لا يزال المشكل قائماً مع العلم أن الحكومة تقوم اليوم بالمحاولة الثالثة لإصلاح قطاع التعليم بالمغرب بعد محاولتين سابقتين أولها انطلقت سنة 1999 مع تولي الملك محمد السادس الحكم وإطلاق الميثاق الوطني للتربية والتكوين 2000 ـ 2010، لتأتي بعد ذلك محاولة ثانية عبارة عن برنامج استعجالي من أجل تنفيذ الميثاق سنة 2011، لتأتي بعد ذلك الرؤية الاستراتيجية للإصلاح بعد خطاب ملك المغرب سنة 2014.

بحلول كل موسم دراسي يتجدد النقاش حول غلاء تكاليف التسجيل وتدريس الأبناء بها، أمام اكتفاء الحكومة المغربية برفع ميزانية التعليم سنة بعد الأخرى دون وضع استراتيجيات واضحة وسياسة فعالة من أجل النهوض بقطاع التعليم الذي أصبح اليوم يعترف أنه لا يمكن الاعتماد عليه، في الوقت الذي يرى العديد من المحللون والفاعلون في الموضوع أن المسؤولية مشتركة بين الحكومة والأسرة والمجتمع ليكون التعليم ومن يتعلمون الضحية رقم واحد في الحاضر والمستقبل.

"لا فرق بين التعليم الخصوصي والعمومي اليوم،" تقول خديجة بالنهاية: "الأسر هي من تراقب دراسة ومستويات أبناءها، وحتى في التعليم الخصوصي فمستواهم التعليمي ليس هو المطلوب. التعليم في المغرب لم يصبح في مهب الريح بل ذهب مع الريح."