مُصارعة الكِباش في تونس...لعبة من تراث الأجداد الأمازيغ

تصوير خباب عبد المقصود

FYI.

This story is over 5 years old.

مجتمع

مُصارعة الكِباش في تونس...لعبة من تراث الأجداد الأمازيغ

تشتهر هذه اللعبة في الأحياء الشعبية في العاصمة التونسية وتحظى بحضور جماهيري كبير حيث يتفنن الهواة بإختيار أسماء كباشهم كفيسبوك وبوكو حرام وقد يصل سعر الكبش الرابح لخمسة الآف دولار

في ركن خاص في إحدى مقاهي المدينة العتيقة بتونس يتجمع عدد من الشباب يضعون اللمسات الأخيرة على برنامج المواجهة الأسبوعية للكباش في حيهم في إحدى ضواحي العاصمة الجنوبية. يرسلون الدعوات من خلال الفيسبوك ويوزعون إعلاناً عاماً على صفحات مواقع التواصل الاجتماعي وبواسطة الرسائل القصيرة. على غير العادة، فإن مباريات مصارعة الكباش ترتفع وتيرتها وعدد الحضور فيها خلال شهر رمضان وفي المواسم والأعياد الدينية. تشتهر هذه اللعبة خاصة في العاصمة، رغم وجودها أيضاً في المدن الأخرى، وتعتمد على المساحات الكبرى والملاعب الترابية مثل الملعب البلدي في حي التضامن، غرب العاصمة تونس، وهو أشهر فضاء يجتمع فيه المتسابقون، كما توجد فضاءات أخرى كالساحات والبطاح في الأحياء الشعبية. فهذه اللعبة لها مميزات طبقية، تتعلق بالطبقات الوسطى والفقيرة، ولا تجد لها صدى في الأحياء والضواحي الغنية.

إعلان

ورغم أنها تنظّم أسبوعياً خلال السنة لكن هناك مناسبات خاصة مثل شهر رمضان والأعياد، وتكون فيها المباريات أكبر وهي أشبه بالنهائيات وتتم بين الأحياء الشعبية المحيطة بالعاصمة، ويمكن أن يشارك فيها متسابقون من الولايات الأخرى مثل باجة وجندوبة، غرب البلاد، التي يوجد فيها الكثير من الهواة.

وتحظى حلبات الصراع بحضور جماهيري كبير، يتم خلالها التقاط صور تذكارية مع الكباش المتصارعة. وفي الكثير من المباريات تنتهي الواقعة بإصابة أحد الكباش بجروح خطيرة أو نزيف يؤدي إلى الموت، ويتم إعلان الفائز من طرف حكم يخصص للصراع، إما بهروب أحد الكباش من الحلبة أو بطلب من صاحبه.

كباش مدللة صراع الكباش، أو "تنطيح لكباش" كما يقال في اللهجة العامية التونسية، ليست لعبة جديدة في المجتمع التونسي، إذ تعتبر من الألعاب الشعبية وهواية يتوارثها الناس جيلاً فجيل. يقول عماد السويح، وهو شاب من هواة صراع الأكباش، أن ولعه بها بدأ منذ أن كان طفلاً صغيراً يرافق أبناء حيه الأكبر سناً، وكان يتحمس في المسابقات بشكل جنوني فقرر أن يشتري كبشاً بمجرّد أن تتاح له الفرصة. ويضيف أنه منذ سنوات وهو يشارك في هذه المسابقات، يفوز أحياناً وينهزم أحياناً لكن الروح الرياضية دائما تطغى على هذه اللعبة رغم ما فيها من حماس يصل لدى بعض الهواة حد الإغماء.

لكن ليس أي كبش يمكن أن يصلح لمشاق الصراع، أو أن يكون بطلاً من أبطال حلبات القتال. فوفقاً للعارفين بأصول اللعبة فإن أول خطوة يقوم بها من يدخول "الصراع"، هي شراء كبش من الأسواق الشعبية بالاعتماد على أصحاب خبرة في الميدان، لكي يكون الكبش مستوفى الشروط الجمالية والبدنية.

بعد الشراء يقوم صاحب الكبش بإطلاق اسم عليه، كي يصبح مميزاً في المباريات، حيث يختار الهواة أسماء طريفة لأكباشهم، ويمكن أن تجد أسماء مثل "فايسبوك" و"قتْلة" و"عنيف" وحتى "بوكو حرام". بعد ذلك يتم حصّر الكبش في فضاء صغير لفترة محددة بين 3 و6 أشهر بطريقة أشبه بالحبس الإنفرادي وهي فترة يكسب خلالها عدوانية تجاه أي كبش آخر، كما تتم العناية به عبر تقديم نظام غذائي خاص يتكون من أفضل أنواع الأعشاب والشعير المخلوط بزيت الزيتون. إضافة إلى جزه بطريقة أنيقة والسهر على نظافته وتقليده بقلادة جميلة يكون أحياناً سعرها باهظاً.

إعلان

ويشير عماد السويح إلى أن أسعار الكباش تخضع لنظام أشبه بالبورصة حيث تتراوح بين 200 دولار إلى 1500 دولار، بل قد تصل الأسعار إلى مبالغ خيالية بالنسبة إلى الكبش الذي يفوز في العديد من اللقاءات حيث يذكر أن سعر أحد الكباش وصل في السنوات السابقة إلى 5 ألاف دولار بفضل قدرته على هزيمة جميع منافسيه. لكن هذا الثمن قد يهبط بشكل كبير أيضاً عندما يتعرض الكبش المتسابق لأول هزيمة، لأنها إشارة إلى أن مردوده سيتراجع.

ما بلغته هذه اللعبة من شهرة جعلت المسؤولين في تونس إلى منحها اتحاداً خاصاً ينظمها ويسهر على تأطيرها منذ سبعينات القرن الماضي. لكن بسبب الخلافات التي وقعت داخله، تم حله والعودة إلى التطوع الفردي في تنظيم المسابقات. لكن الطريف في السنوات الأخيرة أن اللعبة اشتهرت كثيراً على مواقع التواصل الاجتماعي خاصة على فيسبوك بوجود مجموعات من الهواة وكل منطقة تسمي المجموعة باسمها ويتم خلالها الإعلان عن مكان وتوقيت المسابقات إضافة إلى إمكانية التفاوض داخلها في أسعار بيع وشراء الكباش.

جذور قديمة انتشار هذه الرياضة الشعبية ليس حكراً على تونس. في الجارة الشرقية الجزائر تنتشر حلبات مصارعة الكباش على نطاق واسع، وتواجهها المؤسسة الدينية بفتاوى التحريم. والشائع في أغلب المدارس الفقهية الإسلامية تحريم جميع أنواع الرياضات المتعلقة بمصارعة الحيوانات، والتي تسمى في المباحث الفقهية ''التحريش بين البهائم".

ويرى المؤرخ التونسي، سعد الشيباني، أن عادة مصارعة الكباش تعود إلى تاريخ قديم في المنطقة المغاربية، يرجح أن تكون بداياتها مع الأمازيغ، وهم السكان الأصليون لشمال إفريقيا. فالكبش يعتبر حيواناً ذا رمزية مهمة في الوجدان الأمازيغي فهو يمثل "آمون المعبود المقدس"، والذي يعتبر أهم الآلهة لدى الأمازيغ القدامى وهو عندهم يعد رمزاً للقوة والنخوة والفحولة.

وكذلك شاعت اللعبة في عصر المماليك. فقد نقل شمس الدين بن دانيال، مؤلف تمثيليات خيال الظل العراقي، الذي عاش في القاهرة في القرن السابع للهجرة، في أحد تمثيلياته وهي بعنوان "المتيم واليتيم الضائع"، وقائع من مصارعة الكباش في مصر وطقوس تزين الكباش المتصارعة ووصف جانباً من قواعد اللعبة وما يؤول إليه حال الكبش المهزوم. ويؤكد ذلك ما نقله، محمد قنديل البقلي، في كتابه "صور من أدبنا الشعبي أو الفولكلور المصري" من أن "نطاح الكباش هي لعبة في العصر المملوكي تشبه نقار الديكة، فكان الفتوة يرعى كبشه ويعده ليصارع به كبش غريمه وبنفس الرهان الذي رأيناه في لعبة نقار الديوك أي أن الكبش المغلوب على أمره يصبح حقاً مكتسباً لصاحب الكبش المنتصر".