فيلم

في "كتاب الصورة" جان لوك غودار ثوري يعلو فوق الفهم والنقد والتحليل

فيلم لا يشبه أي شيء مرّ قبله، يقوم على تاريخ الصورة والسينما والسياسة والثورات

إعداد شفيق طبارة
2019 01 31, 6:52am

لقطة من الفيلم.

عبقري؟ مجنون؟ نبي؟ أم كل ما سبق وأكثر؟ صفات تنطبق على المخرج الفرنسي المخضرم، أحد أعمدة "الموجة الفرنسية الجديد" وبالتأكيد أحد أهم المخرجين في تاريخ السينما الذين نحظى حتى اليوم بمعاصرتهم. جان لوك غودار (88 عاماً) سينيفيلي وناقد لا تنتهي أقواله.

مع كلّ فيلم خلال مسيرته السينمائية نعتقد أنه باح بكل شيء، ولكن مع كل فيلم جديد نتفاجأ بالمزيد في رأسه، المزيد من الأقوال والمزيد من أساليب القول. السينما لعبته وغرفة المونتاج ملعبه حيث يقضي معظم أوقاته. من هذه الغرفة أنجز أحدث أفلامه التي عرضت للمرة الأولى في مهرجان كانّ السينمائي عام 2018 وحاز على سعفة ذهبية خاصة استحدثها المهرجان من أجله ومن أجل فيلمه المميز "كتاب الصورة" Le livre d'Image الذي يعرض حالياً في بيروت في مهرجان السينما الأوروبية (24 يناير- 4 فبراير).

في آخر أفلامه "كتاب الصورة" قدم غودار مقالاً مصوراً. تاريخي، سينفيلي، أدبي، موسيقي، فلسفي، فوتوغرافي، اجتماعي، إيديولوجي، فيلم لا يشبه أي شيء مرّ قبله، يقوم على تاريخ الصورة والسينما والسياسة والثورات والبلدان. صور، مشاهد فيديو، تقارير إخبارية، اقتباسات صحفية، مشاهد من أفلام سينمائية، مناظر طبيعية، موسيقى كلاسيكية، صوت بدون صورة، وصوت غودار يعلو على كثيرٍ مما سبق. كل ما يمكن تخيله موجود بفوضوية عارمة خلاقة، بفن لا يمكن تفكيكه عن أي شيء وعن كل شيء.

في البداية هناك يد وأصابع خمسة، تدل على عدد فصول الفيلم. على الإثر ودون سابق إنذار تبدأ الأفكار بالتدفق، لغة سينمائية فريدة استثنائية لصانع أفلام حر، دقيق وخبير في مجاله، قادر على جمع القطع في فسيفساء حية، تحيي القرن الماضي وتضعه في حوار مع القرن الحالي، سلسلة من الأفكار المتقاطعة تتم مراجعتها مراراً وتكراراً في الطريق إلى إعلان نهائي غير متوقع، خاتمة تنطوي على بعضٍ من الأمل، على غودار الذي لا يزال "يؤمن بالثورة" كما يكرر على مسامعنا في النهاية.

بحسب غودار تقوم الرؤية البربرية للشعوب العربية اليوم على تحيز ونفاق العالم الغربي "من السهل جداً المطالبة بنهاية الحرب عندما نرى أن النتيجة هي انتصارنا،" كما يقول

تسبق نهاية الأمل قصة سياسية عويصة، الفصل الخامس الأخير، هنا العالم العربي في فهم السينمائي الفرنسي، يحكي عن الثورات المحبطة، عن الصراع السياسي والعسكري، عن المنطقة العربية كمهد للحضارة لا يمكن للبرجوازية الأوروبية أن تستوعبها. يُظهر كيف أنّ الحضارة البشرية قد ولِدت هنا، وكيف يطول أمد الصراعات الكبرى في الشرق الأوسط حتى اليوم. إنها منطقة "مركزية" من حيث الأهمية الجيوسياسية، وأيضًا من حيث فهم التنظيم الاجتماعي للإنسان. الملف العربي، هو الثقل الأساس في الفيلم، يحكي عن الاشكالية بين الغرب والعالم العربي وهنا تتضح فكرة غودار. يبدأ بالتقاط العنف الذي فصله المجتمع الغربي ضمن معايير أخلاقية خاصة به. الخلاصة هي أن الغرب عنيف تماماً مثل أي مكان آخر. بحسب غودار تقوم الرؤية البربرية للشعوب العربية اليوم على تحيز ونفاق العالم الغربي "من السهل جداً المطالبة بنهاية الحرب عندما نرى أن النتيجة هي انتصارنا،" كما يقول.

1548683348527-le-livre-d-image-cannes2018-film-jean-luc-godard-competition-officielle-1155x705
بوستر الفيلم

بهذه الطريقة يعترف غودار بنون الجماعة، بأنه هو نفسه كفردٍ في المجتمع الغربي ضحية لهذا التحريف. هي لحظة صدق وسموٍ فكري نادرة في بانوراما السينما الحالية. ينتقل غودار بعد ذلك إلى توصيف العوامل التي أودت بالعالم العربي إلى عدم استقراره الحالي بعد ماضٍ ذهبي. القوى الاستبدادية الرأسمالية عامل ضخم في زعزعة الاستقرار، الطغيان لا يأتي بمفرده في بعض الأنظمة السياسية الدعم الغربي موجود دائماً، النفط، التجارة العالمية، الضغوط الإقتصادية... كيف وُضع الناس في زاوية بائسة، مما أدى بهم إلى اتخاذ تدابير يائسة: "إنهم يستخدمون تقنيات قوية للسيطرة. الناس ليس لديهم خيار آخر سوى اللجوء إلى القنابل. وهذا طرفٌ سأكون دائماً إلى جانبه."

في لُبِّ هذه الفكرة لا اعتذار ولا تحريض على العنف. يتم تقديم المشكلة كأعراض لنظام غير متكافئ على المستوى الاجتماعي، نظام يجب القضاء عليه برأيه، في خطاب من التأنيب الثقافي الاجتماعي السياسي والاقتصادي للجميع وخاصة الغرب. من الفصل العربي الأخير نقفز إلى البداية. الفكرة العامة لـ "كتاب الصورة" هي التحدث عن الإنسان وعلاقته بالعالم من خلال هذا الكم الهائل من الصور التي اختارها المخرج، عن النزعة البشرية لتكرار الأخطاء نفسها على الدوام، كأن البشر نفسهم يتكررون على مرّ السنين ولكن بملابس جديدة، ومن هذه الفكرة يبدأ غودار.

ثم ينتقل إلى الفكرة الثانية إلى فلسفة الثورة الاشتراكية، هنا يستخدم الفرنسيُّ الإبهام أكثر. كان ملفتاً التركيز على وضع المرأة في نقاط مختلفة، مشاهد جمعتها الكآبة، المرأة المهانة والمغتصبة في الأفلام الروائية وفي الواقع، تشديدٌ يؤشر إلى ضرورة التأسيس لنضال نسوي حقيقي وواسع، فالاستغلال ليس اقتصادياً فحسب إنما شخصي كما يخبرنا غودار.

"كتاب الصورة" بقدر ما فيه حروبٌ وفنٌ ودمارٌ، إلّا أنّه يصبّ في مكانٍ آخر. إنّه يحكي قصة الفشل البشري المتكرر، فشلنا كجنس بشري على هذا الكوكب

الجزء الثالث شاعري وغنائي أكثر، هنا يستخدم غودار الكناية، القطار حياة تمر ورحلة تنقضي. إنّه وسيلة نقل الناس جسدياً، وسيلة نقل المهاجرين، المهاجرين كاليهود على سبيل المثال (إلى معسكرات الاعتقال ولكن أيضاً إلى أرض الميعاد). هنا الأفكار أكثر مرونة وهنا أجمل لحظات الفيلم.

في الجزء ما قبل الأخير يجرّنا غودار إلى القوانين، يتحدث عن السلطة، الدولة، القمع القانوني والصراعات الإنسانية. هنا الجزء الأكثر دموية والأقل فرحاً. المفهوم واضح لا ريب فيه بعكس السرد المتذبذب والمبهم. هنا نخسر التأثير والمتعة البصرية اللذان حققهما الفيلم في فصوله الأولى لتكبر محفّزات التفكير، عبارات مثيرة للجدل عن الإرهاب والفن، وهنا مربض خيل غودار، يجدر بالفن أن يكون ذو قوة تغيير اجتماعي ولو عنفية.

"كتاب الصورة" بقدر ما فيه حروبٌ وفنٌ ودمارٌ، إلّا أنّه يصبّ في مكانٍ آخر. إنّه يحكي قصة الفشل البشري المتكرر، فشلنا كجنس بشري على هذا الكوكب. الفيلم، الكتاب، الصورة، اجتمعوا ثلاثة في انجاز جان لوك غودار الأكثر إنسانية رغم سوداويته. لكنّ أفكار وطروحات العظيم الفرنسي لا حدود لها، والصفحة الأخيرة من "كتاب الصورة" تشي بالمزيد..

Tagged:
ثورة
الربيع العربي
مهرجان
لبنان
افلام
فرنسا
سينما