مجتمع

ومن حُب الأم ما قتل!

قصص أبناء تغيرت حياتهم للأسوأ بسبب قرارات أمهاتهم
24.3.19
الأم

الأم

في خضام الاحتفالات بعيد الأم دعني أؤكد أن الأم هي حقا اليد الأولى التي تشكل شخصياتنا وتبني أنفسنا وتترك بصماتها التي لا تمحى فوق صفحات حياتنا، حتى أنك تجد رجل في عقده السادس من العمر يعرف يقينا أن هذه اللقطة من حياته أو ذلك المشهد من عمره إنما هو يحدث له الآن بتأثير مباشر من فعل قامت به أمه تجاهه منذ ستة عقود. وبينما تقام الأفراح، وتتكاثر الهدايا، وتتوالى الأغنيات التي تمجد دور الأم الإيجابي في حياة أبنائها، يحمل البعض قصصًا تتضمن الجانب الآخر من الصورة.

إعلان

ترفع مجتمعاتنا المرأة مقامًا لعدد من الدرجات فقط لكونها قد أنجبت فصارت أمًا، وترفع الأم على عرش مقدس ومنزه عن الشك أو النقد، فلا يأتيها (في رأي المجتمع) الباطل من قبل ولا من بعد، ولا يمكن أن يصدر عنها زلل، خاصة إن كان ضحيته المباشرة هي أبنائها، لكن الخبرة والتاريخ وأحداث الحياة تكشف لنا غير ذلك ولا أتحدث هنا فقط عن النماذج الشاذة أو العنيفة من أمهات تقتل أبنائها أوتلقي بهم إلى الشوارع أو تبيعهم بثمن بخس، لكن دعنا نتحدث عن قبضات أمهاتنا الممسكة بتلابيب حياتنا بطريقة قد تحول مسارها من الشرق إلى الغرب. سلطة قد تكون أدواتها هي ببساطة الابتزاز العاطفي من باب (لو ما اتجوزتش بنت خالتك قلبي وربي غضبانين عليك) والتهديد المعنوي من فصيلة (لو دخلتي فنون جميلة هيقولوا عليكي رقاصة وماحدش هيرضى يتجوزك)، بالإضافة لخلق الكلاكيع النفسية المعتبرة حين تفرق في المعاملة بين أبنائها كأن تناصر أن يستولي الابن الأكبر على ميراث أخوته، أو أن تسمح للأبناء الذكور أن ينكلوا بالإناث باعتبار أنهم يشاركون في تربيتهم، أو ببساطة إرساء قاعدة (ده راجل يعمل اللي هو عايزه إنما انتي بنت ما تحطيش راسك براسه) كلنا قد تشكلت دنيانا بفضل أمهاتنا، لكن آثار أفعالهن لم تحولنا دومًا للأفضل.

تعاسة بأمر الحب
عن تجربتها مع أمها تقول دعاء (32 سنة): "حين تخرجت من كليتي تقدم لي زميل كان يكبرني بعامين وجد عملًا في إحدى دول الخليج واستقر هناك. كانت بيننا علاقة حب فأردنا تكليلها بالزواج، لكن أمي اعترضت اعتراضًا قاطعًا لأن زواجنا كان سيتضمن سفري معه وهي كانت مصرة على إقامتي بجوارها، وعبثا حاولت معه إقناعها أن السفر مهما كان مؤقتًا وأنها يمكن أن تزورنا في مدينة إقامتنا، كما أنني لم أكن الابنة الوحيدة؛ إذ أن لي أختان إحداهما تكبرني والأخرى تصغرني، ففي النهاية لن تظل أمي وحيدة لكنها أصرت على رفضها، وكانت النتيجة أن تزوج هو بأخرى بعد أن يأس من إقناع أمي، وتزوجت أنا وانفصلت بعد سنوات قليلة إذ ظل دائمًا بداخلي جرح الحب الذي لم يكتمل".

حياتان
ويلتقط محمود (28 سنة) طرف الخيط ليقول "كنت في مقتبل حياتي لكنني كنت قد ثبتت أقدامي في عملي وارتحت لوجودي فيه ومن أسباب ارتياحي كان وجود زميلة لي نشأت بيننا قصة حب رقيقة وآمنت وقتها أنها من يصبو قلبي للارتباط بها، لكن أمي رفضت الأمر نهائيًا بدعوى أن حبيبتي من مستوى اجتماعي أقل وبالتالي فهي لا تليق بمستوانا. و عبثا حاولت إثناء أمي عن رفضها لكنها هددتني بمقاطعتي إذ أنا أصررت على موقفي. وتحت الضغط رضخت أخيرًا وارتبطت ثم تزوجت فتاة من اختيار الوالدة، لكنني لم أستطع نسيان فتاتي، خاصة وأنني وهي لازلنا نعمل في نفس مكان العمل". يتابع محمود: "لم تمر شهور قليلة على زواجي المرتب حتى وجدتني أتقدم إلى فتاتي وأعرض عليها الزواج بالشروط التي ترضيها، بشرط ألا تعرف زوجتي. تم الزواج وأنجبت من زوجتي الأولى والثانية، وأصبح لدي عائلتين لا يعرف أفراد الأولى عن الثانية شيئًا، وعلمت أمي بما حدث فغضبت قليلًا إلا أن الأيام مرت ولم يحدث شيئًا أكثر من هذا. وحين أذكرها أن الوضع الحالي لم يكن ليكون إلا بسبب تعسفها معي، تنكر أنها يوما قد هددتني بالمقاطعة و تتهمتي بأنني قد ألفت الأمر كله و خلقته من العدم"

مهندس قسرًا
لا تقتصر التجارب السلبية على تجارب الارتباط إذ يحكي لنا هيثم (23 سنة) عن تجربته مع والدته قائلاً: "تمنت أمي منذ صغرها أن تتزوج مهندسًا، و حين لم يتحقق لها هذا الحلم أصرت أن تحققه من خلال أحد أبنائها، وقد كنت أنا هذا الابن الذي تم تحميله مسؤولية تحقيق الحلم. كنت طالبًا متوسطًا، وكنت أكره الرياضيات بشكل خاص، فما كان من أمي إلا أن استخدمت معي كل وسائل التقويم من الصراخ والتعنيف، وحتى الضرب حتى استطاعت أن تحقق ما تريده وحصلت على مجموع أهلني لدخول كلية الهندسة وصارت هي تتفاخر بابنها المهندس (باعتبار ما سيكون)، فيما غرقت أنا في مواد أكرهها و نظريات ومعادلات لا أفهمها، ولا أستسيغها؛ إذ أنني اكتشفت أن ميولي أدبية". بطبيعة الحال تعثر هيثم في دراسته "لم أستطع النجاح في السنة الأولى و لم أستطع تخطيها إلا بصعوبة وتكرر الأمر في السنة الثانية، وفي السنة الثالثة تعطلت سنتين وشعرت بأنني لن أستطيع الاستمرار، واقترحت على أمي أن أحول أوراقي لكلية أدبية فكأنني قد قمت بإشعال النار في المنزل، انهارت أمي إذ رأت أنني أغتال حلمها مع سبق الإصرار، و لم تستمع لتوسلاتي إذ أنها حياتي التي من حقي أن أختارها، إلا أنها بكت و توعدت و انفعلت حتى تم نقلها للمستشفى فلم أجد بدًا من الانصياع إلى أمرها والاستمرار في الدراسة التي لا أدري كيف سأنهيها ولا ماذا سأفعل بعدها".

الدين قبل الطب
أما عبد الرحمن (48 سنة) فكانت تجربته الفاصلة مع أمه خاصة بمشكلة خلقية في عينيه ولد وهو يعاني منها، إذ أنه ولد بحالة من حالات "الحول"، وحين بلغ الثالثة من عمره اقترح أحد أطباء العيون على العائلة إجراءًا طبيًا يحسن من وضع عينيه ويجعله قادرا على الاستغناء عن النظارة، إلا أن والدته التي كانت متأثرة بحديث أحد الشيوخ رأت في محاولة تصحيح تلك المشكلة اعتراضا ما على إرادة الله، كان رأي أحد الشيوخ ذوي الشهرة الواسعة في هذا الوقت يجزم بأن علاج بعض الحالات المرضية كمرضى الكلى يؤخر من لقائهم بالله، وأن عمليات نقل الأعضاء إنما هي تبديد من الإنسان لما لا يملك ولا يحق له أن ينقله أو يتبرع به، ومن ضمن آرائه أيضا أن العيوب الخلقية لا يجوز تصحيحها". كانت الأم مقتنعة تمامًا بهذا الرأي، وهو ماتسبب في أن يعيش عبد الرحمن حياته كلها رهينة لسخرية الآخرين، يعاني من صعوبة الحياة بشكل طبيعي، عبدًا لمشكلة طبية كان يمكن أن تجل ببساطة، لولا إصرار الأم على إعلاء أهمية اتباع رأي الشيخ فوق أهمية تحقق سعادة وراحة ابنها.

في النهاية لا يسعني القول إلا أنني أدرك جيدا أن 90% من التجارب السلبية مع الأمهات قد تكون ناتجة عن اعتقادهن أنهم يفعلن مافيه صالح أبنائهن، أو لتأثرهن بثقافة المجتمع، أو لأن النساء على مر الزمان كن هن دائمًا الحارسات للتقاليد والمدافعات العتيدات عما يطلق عليه أصول العيش في المجتمع، لكن كل هذا يدفعنا أكثر لمحاولة لفت أنظارهن لتأثيرهن الذي قد يكون مدمرًا على أبنائهن في بعض الأحيان، لعل لفت النظر قادر على أن تنتبه بعضهن كيلا تتحول للدبة التي قتلت صاحبها ظنا منها أنها تحبه وتقوم بحمايته