رأي

خليها تعنس؟ طيب خليك جنب أمك

هل تريد أن تتزوج مثلما يتزوج الأجانب؟ أوكي.. إذن علينا صياغة عقد يضاف إلى عقد الزواج نضع فيه شرط منع تعدد الزوجات
31.1.19
الزواج

خلال الأسبوع الماضي انتشر هاشتاج #خليها_تعنس في مصر، يدشن عليه الشباب حملة لمقاطعة الزواج، لإجبار أهالي الفتيات على تخفيض طلبات الزواج من مهر وشبكة ومؤخر وقائمة وخلافه. لاقت الحملة قبولًا من كثيرين، لكن الفتيات رددن بحملة ساخرة على هاشتاج #خليك_في_حضن_أمك، واشتعلت "خناقة" الرجالة والستات المعتادة (انظر التغريدات بالاسفل) مشفوعة بميمز ساخرة، ومطالبات بالزواج من الأجنبيات اللاتي يعشن حياتهن بلا تعقيدات. أعتقد أن الوقت قد حان لنناقش منظومة الزواج المصرية، والتي ظلمت وتظلم ملايين الناس، رجالًا ونساءً، وتحيط بنا كدائرة مغلقة لا نستطيع كسرها لنؤسس لمنظومة علاقات أفضل، أكثر إنسانية ومناسبة لعصرنا.

إعلان

الزواج في مصر ظالم، هذه حقيقة لا تنكر، ومن وجهة نظر الرجل فهو يتخرج في كليته ويخرج إلى سوق العمل ليكافح سنواتٍ طويلة حتى يؤسس نفسه ماديًّا، يشتري شقة ملكه، وحين يُقدم على الزواج يطالبه أهل العروس بطلباتٍ خرافية.. مهر مبالغ فيه، وشبكة ذهبية غالية، ومؤخر صداق كبير، بجانب تكاليف فرش الشقة، وحفل الزفاف.. إلخ.

مع مستوى المعيشة في مصر تصبح هذه الطلبات معاناة حقيقية بالنسبة لشريحة كبيرة من الشباب، فالأزمات الاقتصادية تحيط بنا والأسعار في ارتفاع مستمر، والزيجة التي تكلفت جنيهًا قبل عشر سنوات تتكلف الآن ألفًا، بالتالي تضيع أجمل سنين الشباب في كفاحٍ مضنٍ لتحقيق أبسط احتياجات الإنسان وهي التواصل العاطفي والجنسي مع شريكة حياة تحب وتدعم وتساند. حسنًا، أتفهم هذا تمامًا، وأتفهم غضب الرجال، ومقارنتهم بين المرأة المصرية ونظيرتها الأجنبية التي لا تكلف حبيبها إلا خاتمًا ذهبيًّا في الخطوبة، ثم تقاسمه كل تكاليف الزواج والحياة. أوكي، تعالوا نقارن أيضًا من جانبنا كنساء.

تضحياتنا في الزواج أكبر من الرجال بكثير
يعتقد الرجال أن النساء مدللات لا يتكلفن شيئًا في الزواج، بل يجلسن مثل الملكات يضعن شروطهن. الحقيقة أن الأمور مختلفة. نحن نعيش في مجتمع ضاغط، يمارس علينا ابتزازًا عاطفيًّا وحصارًا نفسيًّا أفظع من الرجال بكثير، وتكلفة الزواج علينا أغلى مئة مرة مما يدفعه الرجل. الزواج في مصر مشروع خطر في حياة المرأة، فبمجرد عقد القران نصبح أسيرات لتصور مجتمعي غبي بأننا مطالبات بالتضحية على طول الخط لنحتفظ بالرجل الذي تزوجناه، ويكون من سوء الأدب و"نقص العقل" أن نحاول تسيير العلاقة بالمساواة. تتكفل المرأة بأعمال البيت كاملة، ورعاية الأطفال، بجانب رعاية الزوج الذي تربى مدللًا لا يجيد العناية بنفسه، ويعجز عن غسل قميص أو قلي بيضة، ويرى أن مشاركته في أعمال المنزل انتقاص لرجولته. في نفس الوقت تعمل أو تدير بيزنس صغيرًا وتنفق أغلب دخلها في مصروفات البيت، وتبخل على نفسها بأبسط المتطلبات الشخصية لتضمن استقرار أسرتها، وقبل كل هذا فهي تتحمل نصف تكاليف الزواج.

سيقول البعض إن لدينا حق الخلع إذا استحالت الحياة، وسؤالي لهم: أي عدلٍ في أن أخسر كل ما أملك لأخرج من علاقة يستطيع الطرف الآخر التملص منها بكلمة "انتي طالق" فقط، دون أن يخسر شيئًا؟

هناك تكاليف أخرى خطيرة تدفعها المرأة في زيجتها، أولها سلطة الرجل التامة على العلاقة، فهو يستطيع منعها من العمل أو الدراسة أو حتى الخروج لزيارة أهلها إلا بمزاجه، يجبرها على استئذانه قبل أي حركة والحصول على موافقته، ويمكنه أن يتزوج حتى ثلاث نساء أخريات في أي وقتٍ شاء، وإذا اعترضت يلومها الجميع لأن "هذا شرع الله وعليكِ أن تصبري". كذلك يتحكم الرجل في حق الطلاق، بوسعه أن يطلق زوجته لمجرد أنه يرغب في هذا، وبوسعه أن يعذبها ويرفض إطلاق سراحها من علاقة تكرهها، أو يهجرها لسنوات ويتركها معلقة بلا حياة، وبوسعه أيضًا أن يردها إلى عصمته غيابيًّا بصرف النظر عن رغبتها في العيش معه. سيقول البعض إن لدينا حق الخلع إذا استحالت الحياة، وسؤالي لهم: أي عدلٍ في أن أخسر كل ما أملك لأخرج من علاقة يستطيع الطرف الآخر التملص منها بكلمة "انتي طالق" فقط، دون أن يخسر شيئًا؟ ناهيكم بسنوات الجري في المحاكم وأتعاب المحامين حتى يصدر الحكم.

كل هذا وفي خلفية المشهد العنف الزوجي وضرب الزوجة، وجريمة الاغتصاب الزوجي وإكراهها على الجنس بحجة "الحق الشرعي" مهما كانت ظروفها الصحية والنفسية، والضغط المستمر بأن نكون أنيقات جميلات رشيقات و"على سنجة عشرة" على مدار اليوم وطول العمر، حتى لا يضعف البيه ويخوننا مع أخرى، ونصبح مطالبات بأن ندلل أكثر، ونتحمله أكثر، ونزداد حسنًا وجمالًا، حتى يعود إلى عقله ويتوقف عن الخيانة.

إعلان

كل هذه الكوابيس تدخل ضمن تكاليف العلاقة على المرأة، هنا يلجأ الأهالي إلى الطلبات المبالغ فيها حمايةً لابنتهم.. أولًا: ستبعد من يريدون التسلية، وتبقي العريس الجاد في طلبه حقًّا، والقادر على تحمل مسؤولية الزواج حقًّا. ثانيًّا: تجعل الرجل يدفع ثمنًا ماديًّا فادحًا لقاء الخسائر النفسية والمعنوية والاجتماعية التي ستتعرض لها المرأة حال خراب الزواج. بعض النساء يضعن ثمنًا لوصمة "المطلقة" التي سيحملنها لو فشلت زيجتهن، ولا يمكنني لومهن بالنظر للضغط المجتمعي عليهن، والحكم بأنهن نساء فاشلات أو سيئات السمعة، بجانب حرمانهن من أطفالهن لو تزوجن مجددًا ما يضطرهن للرهبنة الاختيارية بينما يبدأ الرجل حياته مع زوجة جديدة دون مشكلات.

مصرية أم أجنبية؟ من فضلك لا ترقص على السلالم
الزواج على الطريقة المصرية يمنح الرجل صلاحيات نصف إله، يتحكم في العلاقة بكل الطرق، وينزع عن شريكته كل الحقوق، ومع هذا فهو لم يكتف بعد، بل يقارننا بالأجنبيات، ونمط العلاقة الغربي ويريد الحصول على أكبر منافعه: الزيجات السهلة غير المكلفة، بجانب مكتسبات "سي السيد" التي تمنحه إياها العلاقة التقليدية. هل تريد أن تتزوج مثلما يتزوج الأجانب؟ أوكي.. إذن علينا صياغة عقد يضاف إلى عقد الزواج ويوثق في المحكمة، نضع فيه شرط منع التعدد وإلا فصم العقد تلقائيًّا، مع شروط جزائية ضخمة لتلك الخيانة. بجانب الحق في تطليق المرأة لنفسها، أو حق "العصمة" كما يعرف مجتمعيًّا. قد يصيبك الذعر من فكرة أن تتحكم زوجتك في العصمة ويصبح بوسعها أن تطلقك وقتما شاءت، لكن اطمئن، العصمة لا تمنعك من تطليقها لو أردت وليس كما روجت الأفلام الكوميدية. (من الظريف كم يفزع الرجال لفكرة "حق العصمة" وفي نفس الوقت يطالبوننا بأن نرضخ لتحكمهم في حق الطلاق دون قلق).

في الطلاق يخسر الرجل أمواله، أمَّا المرأة فتخسر ما هو أكثر، وبالتالي يكون مفهومًا لماذا استمرت منظومة الزواج المصرية بهذا الشكل رغم ضغطها الشديد، لقد صنعها رجال يحاولون حماية بناتهم مما سيفعلونه هم بأنفسهم في أخريات..

هناك شرط آخر شديد الأهمية تغفله الزيجات المصرية، ويتسبب في الإساءة للمرأة وضياع حقوقها، وهو شرط "اقتسام الأموال التي صنعها الزوجان خلال فترة الزواج" عند الطلاق. هذه مأساة متكررة في حياة السيدات المصريات، تتزوج الرجل فقيرًا وتسانده وتضحي بكل شيء لسنوات حتى ينجح ويثرى، ثم فجأة يطلقها أو يتزوج عليها أخرى يدللها بالأموال التي شاركته الأولى صناعتها. في الغرب يقتسم الزوجان أموالهما عند الطلاق، إلا لو وقعا عقدًا بالعكس. هذا شرط أساسي لو أردت الزواج على الطريقة الغربية.

إذا اتفقنا على ما سبق سيكون عليك الالتزام بالمشاركة في أعمال المنزل بالنصف، وتحمل مسؤولية الأطفال بالنصف، وأخذ إجازات طارئة إذا استدعى الأمر لرعاية الزوجة والأطفال، والتضحية بنزهاتك ولقاءات الأصدقاء وجلسات المقهى بالنصف، كما نضحي بحياتنا الاجتماعية كلها من أجل البيت والأطفال طوال الوقت كأمرٍ مسلم به. فإذا تعذَّر عليك الالتزام بهذا فعليك توفير مدبرة منزل أو جليسة أطفال. تخل عن مفهوم "يجب أن تستأذنيني قبل أي شيء" لأنك لا تتعامل مع طفلة وإنما شريكة تساويك، ولا تفكر في الإساءة لزوجتك جسديًّا وإلا لجأت إلى الشرطة وسجنتك. تريد النظام الغربي؟ هكذا ستتعامل الغربية في زيجتها.. فاختر إحدى المنظومتين لكن لا ترقص على السلالم لو سمحت.

إعلان

الزواج في مصر.. لا للثقة العمياء
أصل إلى هذا السطر وكلي انزعاج من الصورة الكئيبة التي رسمتها بأعلى، بالطبع لا تمر كل الزيجات بهذه المآسي، لكن تكاليف الزواج الحقيقية تتجلى عند الانفصال. في الطلاق يخسر الرجل أمواله، أمَّا المرأة فتخسر ما هو أكثر، وبالتالي يكون مفهومًا لماذا استمرت منظومة الزواج المصرية بهذا الشكل رغم ضغطها الشديد، لقد صنعها رجال يحاولون حماية بناتهم مما سيفعلونه هم بأنفسهم في أخريات.. فلنتركهم يتصارعون إذن.

هناك أيضًا نقطة هامة، وهي ثقافة الزيجات المدبرة التي يتدخل الأهالي لتوفيقها، فتجمع بين غريبين تحت سقفٍ واحد، ويكون احتمال الفشل موجودًا على الصعيد العاطفي والجنسي والفكري، بجانب تباين الطباع الذي قد يعجز الزوجان عن تحمله، هنا يضع الأهالي تكاليف باهظة بغرض ردع الطرفين عن الانفصال لأطول فترة ممكنة، لكي يحاولا إنجاح العلاقة بجدٍ أكبر.

امنحني حقوقًا متساوية والتزامًا بأن تشاركني كل شيء، ولن أطالبك بأكثر مما يقتضيه المنطق، لأنني -ببساطة- لا أريد ولا أكترث.. المجتمع من اصطك هذه المطحنة لا نحن

الشيء الوحيد الذي أوافق منظومة الزواج المصرية عليه هو "القائمة" وهي ورقة تُدون فيها كل الأجهزة والمفروشات التي اشترتها العروس، ويوقع عليها العريس لتصبح مستندًا يدينه إذا بدد تلك المنقولات بعد الطلاق. يكره الرجال المصريون "القايمة" لكن كراهيتهم هذه امتداد للبحث عن زيجة لا يتكلفون فيها أي مسؤولية.. أنت تشتري شقة تحرر عقدها باسمك، وكذلك سيارتك وممتلكاتك، فلماذا يبدو غريبًا أن تحتفظ العروس بصكٍ يحفظ حقوقها في مفروشات كلفت أهلها ثروة صغيرة؟ إذا كانت زيجتكما مدبرة فأنتما غريبان تمامًا، وبين الغرباء لا مجال للثقة المطلقة، فمهما كانت البدايات لطيفة وأنيقة تنتهي العلاقات عادة بالدماء، وليس عيبًا أن يحفظ كل امرئ حقه.

شخصيًّا، أنحاز بشدة لنمط الزواج الغربي، ذلك الذي يسبقه تعارف بين الشخصين مباشرة، عشرة طويلة، ودراسة طباع، وربما مساكنة وعيش تحت سقفٍ واحد بكل ما يكشفه هذا من اختلافاتٍ وتوافقات، لكن مع تعذر ممارسة هذا في ظل أعراف اجتماعية وتقاليد وعادات، أجد الزواج بشروط تمنحني امتيازات مكافئة للرجل، وتفصم عقد الزواج تلقائيًّا حال مخالفتها، هو أفضل الحلول لمن لا يرغبون في تعقيد الأمور، ودخول دائرة المنظومة المصرية المرعبة. امنحني حقوقًا متساوية والتزامًا بأن تشاركني كل شيء، ولن أطالبك بأكثر مما يقتضيه المنطق، لأنني -ببساطة- لا أريد ولا أكترث.. المجتمع من اصطك هذه المطحنة لا نحن.

إعلان

هذا هو المشهد من وجهة نظري، كنساء نحن مضغوطاتٍ بين تحت أعراف وتصورات تسحق إنسانيتنا، ثم ندخل علاقات نُطالب فيها بأن نتحمل ما لا تتحمله أنثى في أي مكان آخر، بل ما لا يتحمله بشر.. نعامل مثل نصف، ونصبح في المركز الأخير بعد الزوج والأطفال والبيت والظروف و.. و.. و..، ولا أحد يساندنا.. من هنا يمكنك أن تفهم لماذا قالت الفتيات #خليك_في_حضن_أمك.. لأن العلاقات يفترض أن تسعدنا وتساندنا في الحياة لا أن تضغط علينا، فإذا لم نجد من يستوعب هذا فلنبق في بيوتنا معززات مكرمات سعيدات رائقات البال. لا تتوقع أن تتزوج بأقل تكلفة وبربع مسؤولية وتنصب نفسك إلهًا يستعبدنا في علاقة مريضة، ثم نبكي حزنًا عليك.