بيئة

هل يمكن حقاً أن يسلب تغير المناخ صحتك العقلية؟

حينما أشاهد سيارة ... تجتاحني حالة من الذعر لمدة ساعة كاملة، تصيبني رجفة وأبدأ بالتعرق
maple-leaves-1030957_1280

لا شك أن تغير المناخ والإحتباس الحراري يؤثر بطريقة ما على كل شخص يعيش على هذا الكوكب، ويجعلنا نشعر بالقلق من المستقبل الذي ينتظرنا. في حالات معينة، قد يتطور هذا القلق ليصبح حالة مرضية، حيث يشير البعض إلى أنهم يصرخون على نحو لا يمكن السيطرة عليه بمجرد التفكير في ذوبان القمم الجليدية القطبية، فيما يعاني آخرون من شعور بالعجز أو الاكتئاب سببه الإحتباس الحراري. ويقول المعالجون الذين يتعاملون مع حالات القلق البيئي إن مرضاهم يبلغون عن أعراض القلق العامة بما في ذلك فقدان الشهية، والتهيج، ونوبات الهلع، والأرق، والكوابيس والشعور بالألم.

إعلان

ولكن ما علاقة تغير المناخ والمحافظة على البيئة على صحتنا النفسية قد تسأل؟ لا يزال العلماء يحاولون بناء صلة قوية بين التلوث وقضايا الصحة العقلية، فمن المعروف أن الفائدة النفسية للوجود في الطبيعة راسخة بالفعل، حيث على سبيل المثال حينما نقضي بعض الوقت في الطبيعة، نشعر بتحسن كبير وصفاء ذهني واضح.

وجدت دراسة إلى أنه عندما تكون درجات الحرارة مرتفعة بشكل غير طبيعي في شهر واحد، تميل معدلات الانتحار في ذات الشهر إلى الإرتفاع أيضاً

تشير دراسة نشرت في مجلة PNAS إلى أن ارتفاع متوسط درجات الحرارة الشهرية يرتبط بزيادة طفيفة في قضايا الصحة العقلية، وعلى مدى خمس سنوات، تؤدي زيادة درجة الحرارة بمعدل 1 درجة مئوية إلى زيادة انتشار الاضطرابات النفسية، فيما أشارت دراسات أخرى إلى العلاقة ارتفاع درجات الحرارة وارتفاع معدلات الانتحار، حيث قالت الدراسة التي نشرت في مجلة Nature Climate Change إلى أنه عندما تكون درجات الحرارة مرتفعة بشكل غير طبيعي في شهر واحد، تميل معدلات الانتحار في ذات الشهر إلى الإرتفاع أيضاً. كما وجد علماء في الولايات المتحدة أن المقاطعات ذات جودة الهواء الأسوء كان لها دور في زيادة نسبة الإصابة بالاضطراب ثنائي القطب بـ ما نسبته 27% والاكتئاب بنسبة 6% مقارنة بالمتوسط الوطني.

هناك أيضاً عدد من الأمراض النفسية التي تم ربطها بتغير المناخ، ومنها الاكتئاب البيئي Environmental Depression والقلق المرضي من تغير المناخ Climate Change Anxiety. وترتبط هذه الأمراض بآلام نفسية وخوف مزمن من العذاب البيئي - بمعنى القلق من أن التنمية البشرية المتزايدة والتلوث سيقودنا إلى ويلات حتمية من الفيضانات والمجاعات وموجات الحرارة وانقراض بعض الأنواع وفي نهاية المطاف زوال كوكبنا. القلق الإيكولوجي حقيقي، وفقًا لبعض علماء النفس، ويمكن أن يجهدك كثيرًا، كما يصف أحد القلقين بيئيًا حالته قائلاً: "حينما أشاهد سيارة وأرى ثاني أكسيد الكربون ينطلق من أنبوب عادمها، تجتاحني حالة من الذعر لمدة ساعة كاملة، تصيبني رجفة وأبدأ بالتعرق."

إعلان

يقول الكثير من الناس أنهم لن ينجبوا أطفالًا، لا يريدون الشعور بالذنب حيال إنجاب طفل وإدخاله إلى عالم يعرفون أنه سيكون مليئًا بالمشاكل، لدرجة أن واحدة من النساء أخبرتني أنها تخيلت أنها قد تقتل طفلها

هذا الخوف من مستقبل مظلم دفع البعض إلى التفكير بحلول شخصية فردية منها التوقف عن إنجاب الأطفال. "لقد كنت أخصائية نفسية لأكثر من عشرين عامًا، وفي الفترة الأخيرة بدأت أسمع الكثير من المرضى يتحدثون عن أنهم لن ينجبوا أطفالًا، لانهم لا يريدون الشعور بالذنب حيال إنجاب طفل وإدخاله إلى عالم يعرفون أنه سيكون مليئًا بالمشاكل، لدرجة أن واحدة من النساء أخبرتني أنها تخيلت أنها قد تقتل طفلها،" تقول كارولين هيكمان، مدرسة في جامعة باث وعضو في تحالف علم نفس المناخ. كما أن هناك عدد متزايد من المنظمات التي تضم أشخصاً يتعهدون بعدم إنجاب الأطفال مثل Birth Strike، منظمة تطوعية للنساء والرجال الذين قرروا عدم إنجاب الأطفال رداً على "تغير المناخ والانهيار الحضاري" المقبل. تقول بليث بيبينو، المسؤولة عن إنشاء عن هذه المنظمة أنه في غضون أسبوعين فقط، أعلن 140 شخصًا، معظمهم من النساء في المملكة المتحدة عن "قرارهم بعدم إنجاب الأطفال بسبب شدة الأزمة البيئية."

على الجانب الآخر، يشير البعض أن القلق البيئي تم تضخيمه وأنه لا يعتبر مصدر قلق كبير للصحة العقلية، بل هو رد فعل منطقي على الوعي المتزايد بالمشاكل التي يمكن أن تنجم عن تغير المناخ والتهديدات العالمية الأخرى. فيما يدعي آخرون أن وسائل الإعلام مسؤولة عن رفع معدلات القلق البيئي. فلا عجب في أن الناس يشعرون بالقلق الشديد، مع عناوين نهاية العالم التي تنهال عليهم عبر الإنترنت. قد تتداخل أعراض القلق البيئي مع أعراض أشكال القلق الأخرى، ولكن لا يوجد تشخيص محدد للقلق البيئي المدرج في الدليل التشخيصي والإحصائي للاضطرابات النفسية. ولكن في السنوات الأخيرة، ظهر فرع جديد من علم النفس اسمه علم النفس الإيكولوجي Environmental psychology مخصص لدراسة القلق الناجم عن البيئة وتأثيرها على الصحة النفسية. ووفقًا للمجتمع الدولي لعلم النفس الإيكولوجي، يوجد حالياً ما يقرب من 150 من ممارسي علم النفس الإيكولوجي حول العالم، كما بدأت المزيد من الكليات والجامعات في تدريس هذا التخصص.

بشكل عام، غالباً ما ينصح المعالجون الإيكولوجيون أن ينضم مرضاهم إلى مجموعة بيئية في عملهم أو مدرستهم أو مكان عبادتهم. هناك طرق أخرى للشعور بشكل أفضل وهو تركيب مصابيح منخفضة الطاقة في جميع أنحاء منزلك أو استخدام حقائب تسوق قابلة لإعادة التدوير، أو التبرع لصناديق حماية البيئة. في بعض الأحيان، كل ما يتطلبه الأمر هو الهروب، عدم مشاهدة التلفزيون أو الإنترنت وقبول أنه بينما لا يمكنك التحكم في كل شيء يمكنك العيش بمسؤولية.

في مقالتهم "متلازمة الاستيقاظ" تصف سارة آن إدواردز وليندا بوزيل العملية التي يمر بها الناس عادةً عندما يصبحون أكثر وعياً بالتهديدات البيئية التي تواجه الكوكب اليوم. المرحلة الأولى هي الإنكار، حيث يتجنب الناس الاعتراف بوجود مشكلة. ثم عندما يصبح الأفراد أكثر وعياً بهذه المسألة، ينتقلون إلى المرحلة الثانية وهي شبه الوعي، ومن بعدها لحظة الحقيقة (المرحلة الثالثة) التي قد تحدث عند قراءة مقالة مقنعة أو عندما تواجه شخصياً الآثار السلبية لتغير المناخ، كحدوث كارثة طبيعية. وبعد أن يدرك الأفراد التهديدات التي تواجهها الأرض، يصلون إلى ما يسمى بـ "نقطة اللاعودة" وهي المرحلة الرابعة، ثم عادة ما يشعرون بمشاعر مختلطة كاليأس والشعور بالذنب في المرحلة الخامسة. أما في المرحلة الأخيرة فهي مرحلة استيعاب الأمر وقبوله، حيث يتم إتخاذ خطوات جدية لمساعدة البيئة وعيش نمط حياة أكثر استدامة. بمعنى آخر، قيامك بمشاريع إعادة التدوير في المنزل أو المجتمع، والتقاط القمامة في الحي، أو التوقف عن استخدام البلاستيك، ليست فقط تفيد البيئة ولكن أيضاً ستحسن صحتك النفسية. لنبدأ بذلك الآن.