سهرة

عندما تعبر الحدود لحضور حفلة لأن مدينتك مُملة

يختار بعض الشباب من سبتة في اسبانيا الذهاب إلى المغرب للحصول على بعض المتعة
14.8.19
المغرب
نتاليا وجونزالو مع مجموعة من الأصدقاء؛ وذلك قبيل التوجه إلى المغرب لقضاء عطلة نهاية الأسبوع. التقطت جميع الصور بواسطة كاتبة المقال.

أوروبا هي اتحاد من الدول، لكنها أيضاً مجموعة بلدان لها قوانينها ولغاتها وقيمها وسياساتها المتعلقة بالمخدرات والحدّ الأدنى للأجور والخمور الوطنية والنكات، وقد تكون الحياة مختلفة كلياً من دول لأخرى وذلك اعتماداً على أي جانب من الحدود يولد ويترعرع المرء، حتى ضمن الاتحاد الأوروبي. ينشر موقع VICE في الأسبوع الأول من شهر أغسطس قصصاً توضح كيف تؤثر الحدود الوطنية التي تقسم أوروبا وتحيط بها في حياة الأشخاص الذين يعيشون بالقرب منها.

إعلان

غالباً ما يجد العديد من الشباب الذين يعيشون في مدينة سبتة - الجيب الإسباني الواقع على الساحل المغربي - تجربة شيء جديد غاية في التعقيد. أولاً، لأن مساحة سبتة لا تتعدى 19 كيلومتراً مربعاً ويحيط بها البحر الأبيض المتوسط ومضيق جبل طارق والمغرب. وفي بلد صغير كهذا، لا يمكنك تجنب مقابلة ذات الأشخاص الذين يقومون بذات الأشياء في ذات الأماكن، فنطاق الفرص المحدود يحاصر جميعَ من يعيش في هذا الجيب.

إن كنت ترغب في الخروج لقضاء بعض الوقت في سبتة، فإن خياراتك محدودة بين ما يقرب من ثمان حانات وملهيين ليليين وبضعة مقاعد للجلوس والشرب في الحديقة. هذا ما يحصل بالعادة، يمكنك الشرب في ساحة الميناء، ثم الذهاب إلى حانة طوكيو، وبعد ذلك التوجه إلى أحد الحانات في قرية البحارة؛ أو إلى أحد الملهيين الليليين Velvet أو Natural.

1565785057092-A-restaurant-in-Tangier

مطعم في طنجة.

لا عجبَ إذاً أن يرغب كثير من شباب سبتة في تجربة شيء جديد يتمثل في الخروج دون أن يراهم من يعرفونهم، وأن يكونوا بمفردهم وحسب؛ وحينما يفعلون ذلك تكون خياراتهم عادةً مقتصرة على الشمال الإسبانيّ، أو الجنوب المغربيّ. لقد أمضيتُ المساء مؤخراً مع بعض الشبان الذين يسافرون من سبتة إلى الجنوب لقضاء وقت ممتع.

إنّ الحدود بين سبتة والمغرب حدودٌ برية بين أوروبا وإفريقيا، وهي مفتوحة فقط أمام السبتيين والمغاربة الذين يعيشون في المناطق المجاورة. ويُمنع المهاجرون الأفارقة؛ ممن يسافرون آلاف الكيلومترات في محاولة منهم الوصول إلى أوروبا على أمل حياة مختلفة؛ من الدخول إلى سبتة عبر السياج الحدودي؛ بينما يمكن للإسبان في سبتة عبورٍ للحدود لمجرد قضاء ليلة ممتعة متى ما شاءوا.

يبلغ محمد حميد من العمر 19 عاماً؛ وقد انتقل والداه؛ من قبل أن يبصر النور، من المغرب إلى سبتة بحثاً عن عمل، ولا يزال يمتلك أقرباء وأصدقاء في المغرب؛ تتمثل الحرية من منظوره في العبور إلى كاستيليوس، تلك القرية المغربية المحاذية للحدود؛ ويقول إن هذا يعني عدم الحكم عليك لمجرد رغبتك في فعل شيء آخر سوى "الذهاب إلى المتنزه والشرب حدَّ الثمالة."

إعلان

ينحدر محمد من حيّ هادو الذي تقطنه غالبية مسلمة، لكنه يمتلك الكثير من الأصدقاء المسيحيين في سبتة، ويجد صعوبة في مجاراتهم عندما يقضون الليل خارج المنزل كما يخبرني: "كل همّهم أن يشربوا من الساعة السادسة مساءً حتى الساعة الرابعة فجراً في عطلات نهاية الأسبوع. لا مانع عندي من الذهاب معهم والتسكع لفترة من الوقت دون شرب، إلا أني سرعان ما أشعر بالملل، ويتلاشى الرابط بيننا كلما أمعنوا في الثمالة."

1565785151890-Mohamed-Hamid

محمد حامد.

لهذا السبب يفضّل محمد الخروج في المغرب والتسكع مع أصدقائه هناك، وقد تعرف عليهم منذ أن كان يمضي الصيف مع أجداده وعائلته الكبيرة. هذا هو المكان الذي يشعر فيه بالراحة الكبرى إذ يستلقي على الأريكة في فترة ما بعد الظهر، ويلعب كرة القدم على الشاطئ في المساء، ويقضي الليل بجوار البحر، ويستنشق النسيم، ويدخن الحشيش، ويستمع إلى الموسيقى، ويتناول الطعام المقدم من الجيران.

لا يُعزى ذهاب محمد إلى المغرب إلى استحالة فعل مثيل ذلك في سبتة، بل لأن عبور الحدود واسترجاع طفولته أمر مهم بالنسبة له. سألتُ محمداً عن أكثر ما يحبه في عطلات نهاية الأسبوع؛ فقال: "هو أنني أستطيع الخروج وأن أفعل شيئاً خاصاً دون الشعور بالسوء حيال ذلك، وأن أكون قادراً على رؤية أصدقائي القدامى، وربما الصيد، والحديث عن المغرب والحلم بالمستقبل، فما أن أعبر الحدود، حتى أشعر بالحرية." يفكر محمد بالانتقال إلى المغرب لأنه لا يرى مستقبلاً له في سبتة، ويتابع قائلاً: "يقولون إنه لا عمل في المغرب، لكن لا عمل في سبتة أيضاً؛ فهناك الكثير من الناس بينما الوظائف قليلة للغاية. لطالما حلمتُ بشراء منزل في المغرب لأسرتي، والعمل في أي مكان لتحصيل لقمة العيش، لكني الآن سعيد طالما أني أستطيع قضاء عطلات نهاية الأسبوع هنا وأن أفعل ما يحلو لي."

إعلان

هناك أيضاً بعض المسلمين في سبتة ممن يسافرون إلى المغرب لمجرد حضور الحفلات الصاخبة. يبلغ إلياس من العمر 25 عاماً؛ ويتوجه إلى هناك نهاية كلّ أسبوع للسهر في النوادي الليلية، ويقول إن الجميع في سبتة يعرفونه، ولهذا السبب يفضل أن يفعل ما يحلو له في المغرب حتى لا تدري أسرته بسلوكه فيقول: "لن يروق لوالديّ أن يعلما أني أشرب أو أذهب إلى أماكن معينة؛ والناس في سبتة يعرفون كل شاردة وواردة، كما أني لا أحب الحياة الليلية في سبتة، بل أفضل السفر إلى طنجة - على بعد ساعة واحدة من سبتة - مع أصدقائي لقضاء بعض الوقت في الحانات هناك."

1565785232450-A-live-music-venue-in-Tangier

مكان للموسيقى الحية في طنجة.

يضيف إلياس قائلاً: "ليس من السهل أن تقابل أشخاصاً جدداً في سبتة وأن تجرب الأشياء التي يمكنك القيام بها في المغرب. هناك أيضاً ذلك المزيج اللطيف من سياح وأشخاص من طنجة وآخرين يأتون من سبتة."

أما نتاليا، وهي طالبة في الواحدة والعشرين من عمرها، فتقول: "كل شيء في طنجة مختلف، وأهم شيء هو الذهاب إلى هذا النوع من الحانات التي لا يمكنك العثور على مثيل لها في إسبانيا، ذلك النوع من الأماكن المظلمة التي تحتاج فيها إلى النزول على درج طويل للوصول إلى الحانة، كما يمكنك شراء البيرة الرخيصة للغاية والاستماع إلى الموسيقى العربية الحية."

1565785288312-Natalia-and-Gonzalo-smoking-a-joint

نتاليا وجونزالو.

جونزالو، صديق طفولة نتاليا، يتفق معها ويقول: "إنّ خياراتك المتعلقة بالحفلات في طنجة أوسع منها في سبتة، ففيها المراقص والموسيقا الحية، ليس فقط لموسيقيين عرب، بل أيضاً لمغني الريغي الأفارقة ومغني الراب المغاربة الشباب."

ويضيف: "هذا ما نفعله عادة في فصل الصيف، فنحن نغادر سبتة إلى طنجة ظهر الجمعة، ونذهب في المساء للشرب وأكل المقبلات الإسبانية، ثم نقصد الملاهي الليلية، لنذهب يوم السبت إلى أحد الشواطئ القريبة من طنجة ثم نذهب إلى شفشاون أو تطوان، لنعود إلى سبتة يوم الأحد."

1565785335157-A-cannabis-field-on-the-outskirts-of-Chefchaouen

نبتة القنّب على أطراف مدينة شفشاون.

أما سارة البالغة من العمر 24 عاماً فتذهب إلى المغرب في عطلات نهاية الأسبوع منذ سنوات، خاصة في فصل الربيع، حيث يمتلك والداها منزلاً على شاطئ كابو نيغرو، وهي منطقة سياحية شهيرة تقع على بعد بضعة كيلومترات من سبتة. تقول سارة: "لم يعد هذا شائعاً الآن، ولما اشترى والداي منزلهما، كان الكثير من سكان سبتة قادرين على فعل الشيء ذاته."

1565785398280-Pilar

بيلار.

لكن ليس كل سكان سبتة ممن أتحدث إليهم يتوقون إلى الذهاب للمغرب ليفعلوا ما يحلو لهم، ومن هؤلاء الشابة بيلار البالغة من العمر 19 عاماً؛ والتي التحقت بالمدرسة العسكرية في سرقسطة في شمال شرق إسبانيا، والتي نادراً ما عبرَتِ الحدود مع والديها في طفولتها، ولم يكن لديها الكثير من الأصدقاء المسلمين عندما راحت تكبر بعد التحاقها بالمدرسة الكاثوليكية في سبتة، وإن شعرتْ بالحاجة للابتعاد، فإنها تستقلُّ عبّارة قاصدة البر الرئيس. بعد أن تنهي بيلار دراستها في غضون بضع سنوات، تعتزم الانتقال إلى الجيش رسمياً، وليست الوحيدة في ذلك؛ فقد قابلتُ الكثير من شبان سبتة ممّن قرروا الانضمام إلى الجيش لأنهم شعروا أنه خيارهم الوحيد في سوق العمل الحالي.

إن الاختلافات بين سبتة وشمال المغرب ضئيلة للغاية في الواقع، فهي مسألة تتمثل في وجود قدر أكبر من المرح والحرية للشباب السبتيين عندما يغادرون مسقط رأسهم. يعتمد الاختلاف الأكبر على الجانب الحدودي الذي ولدتْ فيه، فهو الذي يقرر ما إذا كان السور الذي يفصل إسبانيا عن المغرب يمثل حاجزاً لا يمكن التغلب عليه، أم مجرد إجراء عبور شكلي خلال عطلة نهاية أسبوع مفعمة بالنسائم.

* تم تغيير اسم إلياس من أجل الحفاظ على هويته