لبنان
شباب

حرائق لبنان تقدم لنا استنتاجات كثيرة: شعب ملتحم وسياسيين طائفيين

ربما لو أنها أمطرت في منطقة غير الأخرى لأصبح الله أيضاً متحيزاً لطائفة أو جنسية معينة إذا أخذنا بتحليلات السياسيين
آية ابي حيدر
Beirut, LB
17.10.19

نشب أكثر من 103 حريق في منطقة الشوف بلبنان وامتدت إلى بعض المناطق في سوريا بين يوم الأحد والثلاثاء بسبب موجة قاسية وغريبة من الحار الشديد. حاولت فرق الدفاع المدني بأن تسيطر على الحرائق التي انتشرت في المناطق الجبلية والشمالية لكن آليات الفرق لم تكن كافية لإخماد الحرائق ما دعا إلى استدعاء طائرات إطفاء من قبرص والأردن للسيطرة على الوضع. على الرغم من الدمار الذي تسببت به هذه الحرائق، إلا أنها قدمت للبنانيين استنتاجات مهمة منها ما هو سيء ومنها ما هو جيد. وكي نكون صريحين وشفافين سنبدأ بالاستنتاجات السيئة وأولها هو قلة مسؤولية السياسيين تجاه البلد ومواطنيه.

إعلان

في البداية، تبين خلال هذه الأزمة أن طوافات سيكورسكي التي قُدمت هبة للبنان منذ سنوات عدة لم تخضع للصيانة اللازمة لثلاث سنوات متتالية وهي متروكة في مطار بيروت بسبب عدم توفر نفقات الصيانة التي تبلع قيمتها 450 ألف دولار ما أدى إلى طلب النجدة من قبرص. الأمر لم يتوقف هنا فبدلاً من أن يفكر بعض النواب بكيفية مساعدة السكان المتضررين أو بكيفية دعم فرق الدفاع المدني، قام بعضهم برمي الاتهامات ونظريات المؤامرة التي تقول أن الحرائق كانت مفتعلة.

أول هؤلاء النواب هو النائب عن تكتل "التغيير والإصلاح" ماريو عون الذي تساءل "كيف أنّ الحرائق لم تطل سوى المناطق المسيحيّة،" مع أن الحرائق نشبت في عكار وفي الشوف وفي صور وغيرها من البلدات التي لا تندرج تحت التصنيف "المسيحي." وبالطبع الإتهامات لم تكن طائفية فقط بل تطورت لتصبح عنصرية اذ اتهم نائب تكتل "لبنان القوي" سيزار أبي خليل سوريين بافتعال الحرائق في عاليه، على الرغم من أن جهات عسكرية نفت هذه الأقاويل من أساسها. وهكذا، أصبح السجال طائفياً عنصرياً، وبدل ما تولع الأحراش بتولع البلد كلها.

انتهت هذه المهزلة بهطول الأمطار كأي فيلم سينما يتناول مصيبة أو حرب بشعة، وهدأت نفوس اللبنانيين المحروقة واعتبروا أن ما حصل هو معجزة إلهية على الرغم من أن المطر سببته عملية عِلمية تدعى pyrocumulus تؤدي لتكون الغيوم جراء الحريق

وبالطبع كانت الذكورية حاضرة، عندما هاجم وزير المهجرين غسان عطاالله النائبة بولا يعقوبيان وقال لها "بتحكي بالعفّة، انتي وصلتي بطريقة لا أخلاقية" بعد أن قامت باتهامه بأن نواب كتلته حاولوا استغلال الحرائق لتثبيت نظرياتهم الطائفية والعنصرية- عادي مش أول مرة الرجال يقومون بإهانة النساء بشرفهن بعد أن يخسروا النقاش. انتهت هذه المهزلة بهطول الأمطار كأي فيلم سينما يتناول مصيبة أو حرب بشعة، وهدأت نفوس اللبنانيين المحروقة واعتبروا أن ما حصل هو معجزة إلهية على الرغم من أن المطر سببته عِملية علمية تدعى pyrocumulus تؤدي لتكون الغيوم جراء الحريق - ولكن لو أنها أمطرت في منطقة غير الأخرى لأصبح الله أيضاً متحيزاً لطائفة أو جنسية معينة إذا أخذنا بتحليلات السياسيين.

رأينا مبادرات تطوعية شبابية قالت لهذه الطبقة السياسية بأن المواطنين اللبنانيين غير بحاجة إليها بل أن باستطاعتهم مساعدة أنفسهم بعيداً عن العنصرية والذكورية والفساد

بعيداً عن كل هذه الدراما الذكورية والطاقة السلبية التي انتشرت على شاشات التلفزيون وعدم قدرة السياسيين على تبرير قلة مسؤوليتهم، رأينا مبادرات تطوعية شبابية قالت لهذه الطبقة السياسية بأن المواطنين اللبنانيين غير بحاجة إليها بل أن باستطاعتهم مساعدة أنفسهم بعيداً عن العنصرية والذكورية والفساد.

خذ مثلاً سينتيا سليمان، 30 عاماً، التي قامت عبر موقع فيسبوك وتطبيق واتساب بجمع أكبر عدد من الشباب المتطوعين من أجل تأمين الدعم اللوجستي والطعام والشراب في مطعم الجسر بالدامور، في قضاء الشوف الذي أصبح مأوى للسكان الذين احترقت بيوتهم ولدعم فرق الدفاع المدني عبر إرسال الطعام والشراب لهم من المطعم. وعلى الرغم أن سينتيا ومجموعة المتطوعين تعرضوا لتدخل غسان عطاالله مجدداً وكأنه أراد أن يسرق نجاح عمل الخير على حساب المتطوعين إلا أن الشباب رفضوا تدخله ما أدى إلى تهجم رجاله على الناشطة والمتطوعين معها. الصورة الأكبر هي أن الشباب من مختلف الطوائف والجنسيات التحموا سوياً من أجل مساعدة المحتاجين في حين أن رجال السياسة استدعوا الناشطة سينتيا إلى مفرزة التحري في بيت الدين بسبب الإشكال مع وزير المهجرين.

أما الناشط جينو رعيدي، فقد قام هو وأصدقاءه بشراء الاحتياجات اللازمة بعد تواصله مع الدفاع المدني للتبرع بها للمتضررين في بعقلين. وقال جينو لموقع VICE عربية أن كل ما فعله هو الإتصال برقم الدفاع المدني وسؤالهم عن احتياجاتهم، ويضيف: "بعد الحديث مع الدفاع المدني ونتيجة لعدم تحمل الدولة مسؤوليتها، قررت أنا وأصدقائي بشكل فردي شراء ما يلزم وإرسالها إلى بعقلين." كما أطلقت الناشطة الطلابية داليا نزهة حملة للتمويل الجماعي عبر Gofundme وقد حصلت الحملة التي تحمل عنوان "Help The people" على حوالي 97،000 دولار منذ إطلاقها يوم الثلاثاء.

أما الملهى الليلي AHM فتح أبوابه يومين متتاليين من أجل توفير الأدوية والمواد الغذائية للمتضررين. كما عرض عدد كبير من المواطنين شققهم كحل مؤقت للأشخاص الذين احترقت بيوتهم ووضعوا أرقام هواتفهم من أجل تقديم المساعدة. وقد قام عدد من المحلات التجارية كـ "آلو تاكسي" وكارفور بعرض المساعدات والتبرعات على الجمعيات والعائلات المتضررة بالإضافة إلى تدخل جمعيات عديدة من أجل جمع التبرعات للعائلات كجمعية دفئ وإتّحاد الشّباب الدّيمقراطيّ اللّبنانيّ - فرع البازورية. الدفاع المدني الفلسطيني في مخيمات لبنان كان أيضاً حاضراً لمشاركة الدفاع المدني اللبناني بإخماد الحرائق.

ما حدث بعد اندلاع هذه الحرائق، أكد على قدرتنا كلبنانيين على التوحد معاً كمواطنين بعيداً عن الطائفة والحزب السياسي، وهذا يبرهن أن هذا التحرك قد يشكل فرصة أن تثور الناس ضد السلطة السياسية

ولم تتوقف الأمور على التطوع، بل قام سكان عاديون وناشطون بالمشاركة في إخماد الحرائق وتأمين خزانات مياه من أجل دعم الدفاع المدني، كما الحال مع المخرج أمير فقيه، 27 عاماً، الذي يخبرني: "اتجهت مع مجموعة من أصدقائي من بيروت إلى مطعم الجسر بالدامور لتقديم المساعدة، ثم توجهت مع أصدقائي نحو منطقة المشرف لإخماد الحرائق وتوزعت المهام بين أهل القرية وبين المتطوعين. منهم من كان يجمع المياه ومنهم كان يساعد في إخماد الحريق، ومنهم من كان يوزع الطعام على الأهالي. شكلنا ما يشبه غرفة عمليات." كل هذا وأكثر في 48 ساعة كانت كفيلة في جمع اللبنانيين ضد هذه الأزمة البيئية التي أراد أن يحولها البعض إلى مسألة طائفية عنصرية.

ما أكتشفه اللبنانيين خلال هذه الأزمة والكثير غيرها هو أننا لم نعد نستطيع الإعتماد على الطبقة السياسية في هذا البلد. ربما تكون هذه التحركات الشبابية البسيطة، ليست إلا إشارة عما يمكن أن يفعله اللبنانيون لو تخلوا عن كل هذا الظلام الذي غسلت به السلطة عقولهم، كما يشير أمير فقيه بالقول: "ما حدث بعد اندلاع هذه الحرائق، أكد على قدرتنا كلبنانيين على التوحد معاً كمواطنين بعيداً عن الطائفة والحزب السياسي، وهذا يبرهن أن هذا التحرك قد يشكل فرصة أن تثور الناس ضد السلطة السياسية."