"مش كل مرة بتسلم الجرة"، مثل شعبي لم يلق أذنًا صاغية من الحكومة الأردنية الراهنة برئاسة "هاني الملقي"، الذي شهد عهده خضات اقتصادية كبيرة جراء قوانين الضرائب التي أقرت في عهده ، والتي لم تخرج الاحتجاجات عليها عن إطار الفضاء الإلكتروني.
لكن "جرّة" قانون الدخل الجديد لم تسلم من الكسر، إذ أعاد الشعب بأطيافه إلى الشارع تحت مظلة النقابات المهنية التي استعادت هيبتها بعد سنوات من الركود، يعود بشكل أساسي إلى رغبة – غير معلنة – في تقليص الدور السياسي للنقابات، إضافة إلى النفور الشعبي من الرغبة في التغيير خاصة في ظل الظروف الأمنية الراهنة التي تفرضها الأحداث في الدول المجاورة.
لكن، ما هو مشروع قانون ضريبة الدخل الأردني المثير للجدل؟
إفقار بالقانون
مشروع قانون الدخل الجديد، يوسع دائرة تحصيل الضرائب من 3 إلى 5 شرائح، ففي القانون القديم تراوح نسب الضريبة بين 7% و20% تبدأ من تتجاوز دخولهم السنوية 14 ألف دولار، أما المشروع الجديد فهو يضم شرحيتين جديتين، ليصبح التحصيل الضريبي مقسم على 5 شرائح تتراوح لمداخيل السنوية فيها بين 7 آلاف دولار إلى 50 ألف دولار ، بنسبة تصاعدية تبدأ من 5% إلى 25%.
كما يحمل القانون بندًا ينص على إلغاء الإعفاءات الإضافية الممنوحة للأسر والتي تقدر بـ 56 دولارًا، كبديل للعلاج والتعليم. ووفقًا لهذه المعطيات، فإن القانون يستهدف الطبقة الوسطى في المجتمع الأردني، من أطباء وصيادلة ومهندسين، إضافة إلى البنوك والخدمات المالية وشركات التأمين، وجميع هذه القطاعات ستُمس حتمًا بجيب المواطن.
من يعلق الجرس؟
في سؤال عن سبب تنظيم النقابات الأردنية للإضراب والحراك الرافض لمشروع قانون الدخل، تجيب المحامية والناشطة في المجتمع المدني نور الإمام، بالقول: "أن ثقة المواطن الأردني في النقابات قوية جدًا، لأن النقابات بالمفهوم الشعبي هي الدرع الذي يحمي حقوقهم."
وأوضحت أن النقابات كانت على مدى عقود "منبرًا للحريات العامة"، لأنها تشكل وفقًا لإرادة منتسبيها من خلال انتخابات نزيهة وبالتالي فإن النقابات تمثل منتسبيها تمثيلًا حرًا. وتضيف الإمام، أن عدد المنتسبين للنقابات في الأردن يصل تقريبًا إلى نصف مليون منتسب ومنتسبة، وإذا احتسبنا هذا العدد مع عائلاتهم فإنهم يصلون إلى مليون نسمة، وبهذا المعنى فإن النقابات المهنية تمثل "الطبقة الوسطى التي بدأت تتآكل جراء السياسات والإجراءات الاقتصادية غير المدروسة ،التي تم إقرارها خلال الأعوام الماضية".
ما حدث في إضراب 30 مايو أن المواطن الأردني كان ينتظر من يعلق الجرس، والنقابات المهنية هي من علقه ودقته بقوة، فالنقابات هي الجسم الذي لايزال المواطن الأردني يراهن على فعاليته ودوره.
وتابعت: "جاء تحرك النقابات لأنه بالفعل لم يعد هناك شيء نتغطى به وجميع الأوراق سقطت، فقانون ضريبة الدخل الجديد يؤسس لما يمكن تسميته بانتهاج سياسة الإفقار، كما أن التحرك النقابي جاء بعد أن فقد المواطن العادي ثقته في الحكومة وفي مجلس النواب الذي يفترض أن يكون ممثلًا عن الشعب".
ما حدث في إضراب 30 مايو أن المواطن الأردني كان ينتظر من يعلق الجرس، والنقابات المهنية هي من علقه ودقته بقوة، فالنقابات هي الجسم الذي لايزال المواطن الأردني يراهن على فعاليته ودوره.
جانب من احتجاجات الأردنيين في العاصمة عمان - الصورة من روزان القيسي، منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان
وحول تفاعل المواطنين الكبير مع الإضراب، تعلل الإمام أن "المواطن الأردني توجه إلى مقر الاعتصام في مجمع النقابات المهنية، لأنه شعر بالواجب تجاه هذه الحراك، وشعر أن عليه أن يدعمه بحضوره، ولهذا كان التواجد الشعبي كبيرًا جدًا وفاق التوقعات. وسرنا أن الشركات السياحية وقطاع التأمين وقطاع الصحة وغيرهم تجاوبوا مع الإضراب بفاعلية كبيرة".
"أناقة" الديمقراطية
كان من اللافت مشاركة قطاع شركات التأمين والمعاملات المالية وكثير من الأسماء اللامعة في عالم المال والأعمال في إضراب 30 مايو، والسبب في ذلك وفقًا لـ" ناصر عبدالله" رئيس مجلس إدارة إحدى شركات التأمين الأردنية، يعود إلى أن "القانون الجديد بلغة بسيطة جدًا يعني أن الجميع يعمل ويكد ويتعب من أجل الحكومة".
فمشروع القانون الجديد يرفع نسبة الضرائب المحصلة من قطاع البنوك والخدمات المالية وشركات التأمين إلى 40% بدلًا عن 30% في القانون الساري. "وهذا بدوره سيدفع كثير من القطاعات إلى تحصيل الفارق من جيوب المواطنين البسطاء".
ويضيف "عبدالله" إنه إضراب 30 مايو، عكس "رقي الشعب الأردني الذي وجد في قرارات اتحاد النقابات حائط صد يمكن الاتكاء عليه في ظل التغول غير المدروس للقرارت الاقتصادية الحكومية".
ويكمل : "قد لا يستطيع الحراك الراهن تحقيق أهدافه بالكامل، لكني سأكون سعيد جدًا بأن يتم تحقيق ولو 30% من المطالب، حتى يستعيد الشارع الأردني ثقته بنفسه، وتعزيز فكرة الحراك السلمي الهادف في تعاطيه مع أي قرار قد يشكل تهديدًا لقوت يوم المواطن".
إضراب وطني
قبل ساعات من تنفيذ الإضراب، لوحت الحكومة الأردنية باتخاذ إجراءات قانونية ضد الموظفين المشاركين في الإضراب باللجوء إلى نظام "الخدمة المدنية" بحق المضربين، والذي يمنع وفقًا لرأي الحكومة العاملين بالتوقف عن العمل ففي نص قانون الخدمة المدنية "يمنع على الموظف وتحت طائلة المسؤولية التأديبية الإقدام على أي من الأعمال التالية: "ترك العمل أو التوقف عنه دون عذر مشروع يقبله المرجع المختص"، إلا أن نص القانون - عدا أنه لا يذكر الإضراب صراحة كحراك جمعي للموظفين- يتعارض مع أدوات التعبير السلمية التي يكفلها الدستور الأردني.
وفي مواجهة هذا التهديد المبطن للحكومة، أعلنت نقابة المحاميين الأردنيين عن الدفاع مجانًا عن كل عامل أو موظف يتم فصله عن العمل بسبب مشاركته في الإضراب. وفي هذا السياق أكد "وليد العدوان"، رئيس لجنة الحريات بنقابة المحامين، أنه تم تسجيل حالات بسيطة جدًا لحالات تضييق على العمال والموظفين المشاركين في الإضراب، ففي اليوم السابق على الإضراب، تم اعتقال أحد المواطنين بتهمة التحريض على المشاركة في الإضراب على مواقع التواصل الاجتماعي، وأيضًا تم إيقاف أحد المحامين عن العمل بسبب مشاركته في الإضراب.
ويتابع العدوان: "بالنسبة للمشاركة في الإضراب، فقد حظيت باستجابة كبيرة من قطاع أصحاب الشركات والمصانع ورجال الأعمال، فهم يعلمون جيدًا أن الحراك الذي دعت له النقابات هو حراك من أجل الوطن لا عليه، وكل من شارك في الإضراب جاء لأجل الوطن ومع المواطن."
لافتات مناوئة للحكومة الإردنية صاحبة مشروع القانون - الصورة من محمد شما، منظمة صحفيون من أجل حقوق الإنسان
ويضيف العدوان :" الإضراب، على عكس ما تدعي الأطياف المدافعة عن القرار، بأنه ضد الوطن، هو حراك ضد فساد الحكومات، ونحن عازمون على الاستمرار قدمًا في الحراك الديمقراطي المطالب بسحب مشروع قانون ضريبة الدخل الجديد من مجلس النواب، إذ أعلن الاتحاد العام للنقابات في الأردن عن خطوات تصعيدية في حال لم تستجب الحكومة لهذه المطالب، فإن كان شعار أربعاء 30 مايو هو إسقاط مشروع القانون، فإن شعار الأربعاء 4 يونيو قد يكون إسقاط الحكومة."
اقتصاد مشوّه
بدوره، يرى "مجدي السعدي"، أحد أصحاب المشاريع الصغيرة، أن كثيرًا من الاقتصاديين يرون في أن قرار ضريبة الدخل الجديد صحيح ومشروع بلغة الأرقام، بل يرون أنه كان مطلبًا شعبيًا قبل 6 سنوات، لكن القانون في ظل المعطيات الحالية، بحسب السعدي، من تدني مستوى الخدمة وانعدامها تقريبًا في محافظات أخرى، وتدني مستوى المبيعات على مستوى الأردن، والتساهل مع ملف التهرب الضريبي، يجعل من إقرار القانون "كلمة حق يراد بها باطل".
ويوضح السعدي "اعتراض الناس الذين شاركوا في إضراب 30 مايو، ليس مجرد اعتراض على مشروع قانون ضريبة الدخل فقط، بل هو اعتراض عن منهجية اقتصادية كاملة تتبناها الحكومة الحالية"، فعلى صعيد الشركات، فهو رفع نسبة الضرائب على المصانع، وتطبيقه سيفقد وظائف لكثير من الناس، فهناك مصانع لن تستطيع المنافسة، وهذا ينسحب بدوره أيضًا على المشاريع المتوسطة والصغيرة. فرفع الضريبة مع ضريبة الدخل العالية جدًا، سترفع بدورها كلف الإنتاج، القرارات الاقتصادية غير مدروسة، تعتمد على نماذج صحيحة لكنها تطبق على اقتصاد مشوّه أصلًا.
وفي سياق الآثار المترتبة على مشروع قانون ضريبة الدخل الجديد، يرى "فادي القاضي"، الخبير في حقوق الإنسان والإعلام والمجتمع المدني"، أن ما عكسه الحراك الأخير، أن هناك وعي بجدوى دفع الضرائب إلى الدولة الأردنية في ظل تدني الخدمات، ففي الدول الرشيدة، يتم دفع الضرائب، لكنها تعود على شكل خدمات للمواطن، من مواصلات وبنية تحتية، وتعليم وصحة، وهذا غير موجود في الحالة الأردنية.
لكن في الأردن يتم فرض ضرائب لا تتناسب مع اقتصاد البلد أصلًا، إضافة إلى أنها لا حقوق الاقتصادية الاجتماعية للإنسان موضوع أساسي، الإضراب بحد ذاته احتجاج على ممارسة.
ويتابع : "قانون الضريبة الجديد يفتقر إلى العدالة، مشاريع القوانين الجديدة التي لها علاقة بالضرائب وتحصيلها لا تؤخذ بعين الإعتبار أن هناك انهيار في مستوى الحماية الاجتماعية والاقتصادية التي تقدمها الدولة".
ويضيف القاضي، أن المستهدف من هذا القانون هو الطبقة الوسطى التي سيلحق بها ضرر كبير وكبير جدًا، هذا يعني سقوط العديد من الشرائح الاجتماعية باتجاه الطبقات الأكثر فقرًا والأكثر تضررًا، الأمر الذي يعد مساسًا بحقوق الإنسان، فالطبيب عندما تخف قدرته الشرائية، ومن أجل الحفاظ على قوته الشرائية، سيزيد مستوى الكشفية والفاتورة، وطبعًا سيزيد العبء على المواطن، وقس على ذلك التعليم، فالطبقة الوسطى تلجأ للمدارس الخاصة بسبب التدني الكبير في مستوى التعليم في القطاع الحكومي، وفي هذه الحالة فإن صاحب المدرسة الخاصة سيزيد من الأقساط للحفاظ على أرباحه.
كما يؤكد أن "هذا القانون لا يمت بقانون الضريبة التصاعدية بأي صلة، الفرق بينهما هو كالفرق بين نوعي مشط، أحدها بأسنان متفرقة والآخر بأسنان متجاورة ومتلاصقة التي تأخذ الشعر بأكمله، وقانون الضريبة الجديدة يريد أن يلم كل ما في جعبة المجتمع من أموال، فوضع شرائح ضريبية متجاورة بجانب بعضها البعض، بحيث أن المواطن إذا تخلص من إحدى هذه الشرائح فمن المؤكد ستلحق به الشريحة الضريبة الأخرى، نحن أمام واقع جديد من ملامحه التضخم وانهيار القوة الشرائية، ونحن لا نتحدث عن الفقراء وحدهم".
باب الحارة
وعلى الرغم من الهموم التي يحملها مشروع قانون ضريبة الدخل، إلا أن للفكاهة نصيب في التعاطي مع التصريحات الحكومية، سواء تلك الداعمة للقانون أو المواجهة للإضراب، مثل تصريح الناطق باسم الحكومة الأردنية "محمد المومني" الذي أكد فيه أن 49% من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعي الداعية للإضراب مصدرها سوريا.
شهد الإضراب استخدام يافطات وشعارات حملت تهكمًا كبيرًا على تصريحات الناطق باسم الحكومة، محمد المومني، وعلى مشروع القانون نفسه، إذ تساءل المضربون : هل ترون الشعب البقرة الضاحكة؟ متى تكفون عن حلبنا؟
ونشط الشباب الأردنيون المشاركون في الإضراب في استخدام اللهجة السورية في التعبير عن تضامنهم مع الحراك المناهض للقانون باللهجة السورية، مستحضرين شخصيات مسلسل "باب الحارة" في الدعوة إلى الإضراب والحشد له.
وفي هذا السياق، تؤكد المحامية "نور الإمام" أن تصريح "المومني" حمل "تخوينًا" للداعين والمشاركين في الإضراب، في حين استغرب "فادي القاضي" أن يصدر هكذا تصريح من الناطق الرسمي باسم الحكومة، خاصة أنه يعرف النقابات ممثلة بأعضائها بفاعلية كبيرة في الفضاء الإلكتروني.
كما شهد الإضراب، يافطات وشعارات حملت تهكمًا كبيرًا على تصريحات المومني وعلى مشروع القانون نفسه، إذ تساءل المضربون : هل ترون الشعب البقرة الضاحكة؟ متى تكفون عن حلبنا؟
عض الأصابع
بحسب مراقبين، قد يلعب مجلس النواب دورًا يتمثل في رفض مشروع القانون"حفظًا لماء وجه الحكومة" من جهة، وسحب "بساط الريادة" من تحت النقابات للتقليل من شأن الحراك الشعبي من جهة أخرى.
فقد استطاع الإضراب أن يعيد الثقة بالشارع الأردني وقدرته على مواجهة القرارات التي تمشي ضد مصالحه، وفي الوقت الذي تصر فيه النقابات على التصعيد في حال لم يتم سحب مشروع القانون، تُصّر الحكومة أنها ماضية فيه، ما يدخل الحراك في دائرة "عض الأصابع "..فمن يصرخ أولًا؟
