شترستوك
إنها ليلة السبت، الإضاءة خافتة، والموسيقى صوتها عال، والمطعم ممتلئ، وأنا في طريقي في هذا الزحام أشرب من كأس مملوءة إلى حافتها بالسائل الوردي، تنزلق الزجاجة من يدي وتسقط على الأرض، وتتناثر شظايا الزجاج في كل مكان، عندها فقدت توازني وسقطت على وجهي، وسط شظايا الزجاج المغطاة بالفراولة، لتخترق أحد الشظايا رقبتي وتقطع شرياني، ويتدفق الدم من خلال أصابعي ويسيل على الأرض.
أضحك على نفسي، والتفكير يذهب بعقلي بعيدا، والفرضيات المتطرفة تدور دائما في رأسي، فإذا كنت أقوم بفعل شيء يتضمن أدوات حادة، ثقيلة، أو مرتفعة، بالنسبة لشخص يعاني من مرض "ثاناتوفوبيا" أو الشعور بالقلق الشديد الدائم من الموت، فإن العقل يكون مكانا موحشا.
ليس من المستغرب أن القلق من الموت شائع نسبيا، وهذا هو السبب في أن حالة ثاناتوفوبيا ليست حالة معترف بها مرضيًا، ولكن بالنسبة للعديد من الناس، فإن التفكير في الموت هو أكثر من مجرد فضول، إنها مجموعة ثابتة من مشاهد الرعب التي تجعلك خائف جدًا من أن تتناول العنب دون أن تقلق من حدوث اختناق في الحلق، فأنت تفكر في موتك من خلال عقلك!
ولفترة طويلة بحسب ما أتذكر، كنت خائفا من الموت، على الرغم من أنه لم يتم تشخيص حالتي أبدا بمرض ثاناتوفوبيا، لا أخشى فقط عملية الموت، ولكن أخشى أن أختفي من الوجود.
وسواء كنت مدفونًا تحت الأرض، أو في البحر، أو حتى عشاء لأحد الوحوش القديمة، فسوف أذهب إلى الأبد، وهي حقيقة يصعب أن تتعايش معها.
كاتي ميوتا، 29 عاما، هي أم تعيش في منطقة تورونتو تعاني من مرض ثاناتوفوبيا، وتقول ميوتا إن قلقها من الموت ليس من خلال التفكير في موتها، ولكن في موت والدتها. واكتشفت لأول مرة خوفها من الموت بعد أن قامت والدتها بسلسلة من الرحلات إلى المستشفى لأسباب غير معروفة. تقول: "في المرة الأولى التي ذهبت فيها إلى المستشفى، قمت على الفور بزيارتها هناك.. أتذكر أننى كنت أقف بجانب سريرها وأشعر بالغثيان، ووجهي يتحول إلى اللون الأبيض، وبعد ذلك استيقظت في سرير المستشفى". حيث فقدت ميوتا الوعي بسبب الضغط الزائد من التوتر الذي جلبه التفكير في وفاة والدتها.
وتابعت ميوتا: "بعد بضعة أشهر، كنت أسعتد أنا وأمي للقيام برحلة على الطريق وخلال عملية الاستعداد للرحلة سقطت أمي على السلم، وقالت إنها بحاجة للذهاب إلى المستشفى، وهنا بدأت في التعرق وشعرت بالدوار مرة أخرى"، وتقول: "كان ذلك هو الشيء الذي كنت قد واجهته في المستشفى".
كانت تلك هي اللحظة التي أدركت فيها ميوتا أنها تعاني من الخوف الشديد من وفاة والدتها
المخاوف موجودة دائما، وتؤثر على الناس بشكل مختلف اعتمادا على العوامل الكامنة بداخل كل فرد. ويرى بعض المختصين أن القلق من الموت غالبا ما يصحبه اضطرابات نفسية أخرى مثل اضطرابات ما بعد الصدمة، والاكتئاب، واضطراب القلق العام.
وأظهرت دراسة حديثة أيضا أن النساء في العشرينات من عمرهن أكثر عرضة لمرض الخوف من الموت، وفي المركز الثاني النساء في الخمسين من أعمارهن.
بالنسبة لأندرو جنتيل، مؤسس مركز تورنتو للعلاج بالتنويم المغناطيسي، الذي يقول بأن علاج المرضى من مرض الخوف من الموت هو مجرد جزء من عمله اليومي، حيث يقوم باستخدام العلاج بالتنويم المغناطيسي، ويقول جنتيل إنه يوجه مرضاه من خلال ما يمكن أن يُطلق عليه "ركوب البساط السحري magic carpet ride " في جلسة علاجية لمدة 45 دقيقة لتخليصهم من مخاوفهم العميقة.
انه يقوم بالتخفيف من أضواء المكتب، ويترك الضوء البسيط الذي يكفي فقط لرؤية وجوه مرضاه الذين يكونون مستلقيون على ظهورهم ويغطون أنفسهم بما يشبه البطانية، ويشاهدهم وهم يتنفسون، وصدرهم يعلو ويهبط، وعيونهم تتحول من اليمين إلى اليسار تحت جفونهم، قبل أن يحدث الاسترخاء، إنه ينتظر حتى يبدأ الجسم بالارتعاش، وهي علامة على النوم العميق، ثم يأخذهم في رحلة إلى مملكة الخيال.
يقول جنتيل: "هناك يتصورون مكانا جميلا لخلق حالة من السلامة وتهدئة توترهم .. وعندما يشعرون أنهم في مكان جيد، هنا يمكننا أن نقترب من الذكريات الصعبة".
فلسفة جنتيل هي أن الخوف والقلق عادة ما يكون نتيجة لأحد الأشياء الثلاثة: المرور بصدمة أو تجربة مؤلمة، المعتقدات الدينية، أو الخوف من المجهول، فهو يخصص نهجه مع العملاء من خلال تقييم مصدر المشكلة.
ويقول جنتيل: "يتم تعلم المخاوف ويمكن استرجاعها".
في جلسات العلاج بالتنويم المغناطيسي، يؤكد جنتيل أنه قادر على الذهاب بمرضاه إلى حيث بدأ كل شيء وإعادة صياغة تفسير الطفولة من هذا الحدث الذي ظهر في وقت لاحق، وتحول إلى خوف كبير أو قلق.
كشخص نشأ في بيئة غير دينية وغريبة للغاية، فإن خوفي من الموت نابع من عدم وجود نظرية متاحة حول ماهية الآخرة. وفي الوقت الذي لا يوجد فيه إجابة كافية حول هذا الأمر لكبح فضولي، فهناك بعض المساعدة التي يمكن أن تأتي عندما أفهم كيف تطور خوفي؟ بالنسبة للشخص الذي يعتمد قلقه على الخوف من المجهول، فيتطلب القرار نهجا مختلفا عن أولئك الذين يعانون من صدمة قوية أو تجربة مؤلمة سابقة أو المعتقدات الدينية.
"لا يمكن أن يكون لديك قلق حول الماضي. يمكن أن يكون لديك صدمة نفسية، أو شعور بالندم، أو الخزي وهي أمور يمكن أن تؤدي كلها إلى الاكتئاب، ولكن القلق هو فقط ما يدور حول المستقبل".
ويقول جنتيل: المستقبل غير معروف دائما، وكثير من الناس يربط المجهول مع الخطر الخارج عن نطاق السيطرة، ويضيف: العقل الباطن يحاول دائما حمايتنا من الخطر ولذلك فإننا نتصور السيناريو الأسوأ.
لحسن الحظ بالنسبة لي، فخوفي من الموت ليس حادا، وبصرف النظر عن بعض الأفكار المخيفة، فإنه لم يؤثر على حياتي بأي شكل من الأشكال. ما زلت أتناول العنب كالأبطال، وأشق طريقي بثقة في شوارع تورنتو، مثل سائقي سباق ناسكار، أما أمثال ميوتا، والتي أغمى عليها مرتين بسبب خوفها من الموت، فهؤلاء ليسوا محظوظين.
طوال حياتي، من الصعب أن يكون لدي كل الإجابات التي أبحث عنها بخصوص الموت، يقترح جينتل وجود منفذ مبتكر كوسيلة أخرى للحد من القلق والتوتر، شخصيا، لقد نجحت في السيطرة على أفكاري حول الخوف من الموت من خلال التفكير في بعض الأشياء من قائمة أمنياتي المستقبلية، وأنا حاليا أعكف على الانتهاء من كتابي الأول.. كل شيء سيسقط يوما ما.. وأنت ستعيش مرة واحدة.
إعلان
