إعلان
هوية

إيلي بلان يتحدث عن حياته كمتعايش مع فيروس نقص المناعة/الإيدز

خسرت كل شيء في اسبوع واحد، أصدقائي، عملي، ومنحتي الدراسية

إعداد سارة الشلالدة
2019 11 30, 5:26pm

The International AIDS Society/2018

يخفي كثير من المثليين ميولهم الجنسية والعاطفية أمام عائلاتهم وأصدقائهم. لا يخفوها خجلاً بل خوفًا من ردة فعلهم. فعندما قرر اللبناني إيلي بلان، 33 عاماً، رئيس قسم الصحة في المؤسسة العربية للحريات والمساواة، الاعتراف بميوله الجنسية، خسر أصدقائه وعمله وحتى الكنيسة التي كان يتردد إليها للصلاة، مُنع من دخولها. ولكن إيلي لا يندم على قراره، على العكس، قراره الأول بالاعتراف بمثليته، كان دافعًا له للاعتراف أيضًا بإصابته بالإيدز. يأمل إيلي من خلال عمله وحديثه مع الإعلام (وتحمل التعليقات المسيئة التي تصله) بكسر هذا التابو. ما يهمه هو الأفراد، عيشهم بكرامة وصحة، وليس تابوهات بالية عفا عنها الزمن. في اليوم العالمي للإيدز، تحدثت مع إيلي لمعرفة المزيد عن حياته وكيف يتعامل مع مجتمعه ومرضه.

VICE عربية: كيف قمت بإخبار أهلك ومن حولك عن ميولك الجنسية؟
إيلي بلان: كنت دائماً أشعر بأنني مختلف عن الآخرين، ولكنني لم أكن أميز ما هذا الاختلاف تمامًا. في عمر الـ16، بدأت أشعر بالانجذاب إلى الجنس الآخر، كنت أميل للشباب أكثر. شعرت بالوحدة الشديدة في وقتها، لأنني لم أستطع أن أجد علاقات مع أشخاص مثلي، بدأت بالتواصل مع أشخاص يعيشون نفس حالتي عن طريق الانترنت ومواقع التعارف الإلكترونية، ولكن لم يكن الأمر سهلاً بالنسبة لعائلتي لأنني كنت بنظرهم مجرد مراهق متمرد. كانت الصدمة الأكبر، عندما قررت مواجهة عائلتي بالأمر، والذي تسبب بالكثير من المشاكل ولكنه بقي شأنًا عائليًا. بعد التحاقي بالجامعة، بدأت بالعمل في مدرسة لتعليم الأطفال البيانو. في تلك الفترة، علم شخص في المدرسة أنني مِثلي وقام بإخبار الجميع. بعد انتشار هذا الخبر قررت المدرسة خلال أسبوع توقيفي عن العمل لأنني بنظرهم كنت أشكل "خطرًا على الطلاب" خوفًا من التحرش بهم" لم يستطيعوا التمييز بين البيدوفيليا (التحرش الجنسي بالأطفال) وبين المثلية. انقلبت حياتي رأساً على عقب، منعت من التطوع بالجمعيات الخيرية التي كنت أعمل بها. وفي جامعتي، تم سحب المنحة الدراسية التي حصلت عليها. خسرت كل شيء في اسبوع واحد، أصدقائي، عملي، دراستي، لم يبقى لدي سوى الكنيسة التي كنت معتاد على التردد إليها، ولكن حتى الكنيسة خيرتني بين البقاء بشرط العلاج النفسي والهرموني، وفي حال رفضت العلاج سيتم منعي من دخولها.

كيف استطعت التعامل مع كل هذا؟
خسارة كل شيء أملكه في 7 أيام كانت كفيلة بأن تجعل مني شخص لا يهاب شيئًا، رميت كل شيء وراء ظهري ولم أعد أبالي. قررت التمرد والبقاء على ما أنا عليه لأنه لا يوجد شيء أو أحد أخاف منه أو عليه. في عمر الـ 19، مررت بكثير من العلاقات العابرة والسريعة كأي مراهق، ولكنها أثرت كثيرًا على حياتي وشخصيتي، لأنني تعرضت للكثير من التنمر والاضطهاد بسبب وزني الزائد. كنت أقضي وقتًا طويلاً وحدي. عملت على نفسي، خسرت بعض الوزن، أصبح لدي علاقات أفضل، ولكن في اللحظة التي اعتقدت أن الأمور كانت بخير، تغير كل شيء مرة أخرى.

في لبنان لم يعد هناك أي حالات مسجلة من الأم للجنين أو عبر نقل الدم، وهذه الحالة تعتبر سباقة بالعالم وهذا بسبب التوعية المستمرة من قبل وزارة الصحة في مراكز نقل الدم

ماذا حصل؟
تلقيت مكالمة هاتفية من شخص كنت على علاقة معه، أخبرني أنه قام بإجراء الفحوصات الطبية لأنه سيلتحق بعمل خارج لبنان، وأكتشف أنه مريض بالإيدز. كانت صدمة كبيرة. وبالرغم من انني كنت أتطوع وألقي محاضرات توعيه عن هذه الأمراض ولكنني لم أتوخ الحذر. كان عمري 20 عامًا، كنت محظوظاً لأن أمي وقفت بجانبي، وهذا ساعدني كثيراً. وفي يوم استيقظت وفكرت إذا بقيت بهذا الحزن، ماذا سيحصل؟ هل سأشفى؟ بالطبع لا، لذا بدأت بالقراءة بشكل متواصل عن المرض وقمت بزيارة عدد من الأطباء المختصين وقررت أن أتعايش مع المرض وأن أستمتع بأبسط الأمور اليومية، وأن أقوم بعمل الكثير وكأنها المرة الأخيرة، شعرت بلذة الحياة من جديد. قررت العودة للدراسة وانهيت دراستي الجامعية في تخصص الإخراج.

لماذا قررت الإفصاح بالعلن عن إصابتك بالمرض؟
أخذت هذا القرار بعد عَملي كحقوقي مع جمعيات الصحة الجنسية. عندما شاركت بالمؤتمر العالمي لمرض الايدز الذي يجمع أكثر من 15 ألف متخصص بالعلوم الاجتماعية، انتابني شعور غريب منذ اليوم الأول في هذا الحدث الذي عقد في جنوب أفريقيا؛ حيث شعرت بالتآلف والتعايش والتقبل. في اليوم الأول في الخطاب الافتتاحي للمؤتمر قامت الممثلة شارليز ثيرون بإلقاء كلمة واستخدمت بعض العبارات التي كان لها أثر كبير علي، ومنها بما معناه "أننا نستطيع أن نقضي على الإيدز ولكننا لا نريد، لأن الأبيض أهم من الأسود، لأن الرجل أهم من المرأة، لأن المغاير أفضل من المثلي، والغني أهم من الفقير." وبعد الإنتهاء من المؤتمر والعودة إلى الفندق فكرت كثيراً بما قالته، وجدت أنني لا أستطيع تقديم أي مساعدة حقيقية، إذا لم أبدأ بنفسي أولاً. لهذا قررت التحدث عن وضعي وحالتي الصحية عبر صفحتي الخاصة على فيسبوك. كان ذلك في 2016 وحتى هذا اليوم لا زلت محتفظًا بهذا المنشور الذي قلته فيه أنني لا أريد شفقة أو حزن أحد أو لطلب المساعدة من أحد، بل قمت بذلك لأنني أردت مد يد المساعدة والعون لمن يحتاج.

كيف كانت رد الفعل؟
قررت إخبار الجميع بمرضي لأنني لست شخص أناني، ولا أريد أن أؤذي أحداً، ولكن الأمر لم يكن سهلاً، خاصه قبل 13 عامًا، فقد كان هذا المرض يعتبر كابوساً مخيفاً ووصمة عار. وبالفعل تعرضت لعدد من المواقف المحرجة والمسيئة، فحين كنت أذهب لمكان معين، كان البعض يغادر المكان على الفور. تعرضت للتنمر والانتقاد الشديدين، في بداية مرضي كان الكثير يقول عني مجرم، البعض كان يقول لي أنه لا يجب أن أخرج من البيت "حرام عليك ماذا فعلت بنفسك وعائلتك." ومع الوقت أصبحت أسمع تعليقات جميلة، وخاصة بعد ظهوري بالإعلام، أكثر تعليق أحبه "أنت بطل" وفي ناس كانت "تحكيلي قديش انت قوي وأنت مثال لغيرك." أنا لا أتحدث عن المثليين والمصابين والمتعايشين مع الإيدز فقط بل أتحدث عن التمييز بشكل عام عن الفئات التي تم سلب حقوقها من المجتمع كالنساء، وعابري/ات الجندر، والمختلفون جسدياً وبنيوياً.

لابد من التوعية ومعرفة كيفية التعايش مع حاملي فيروس الإيدز، وأنه يمكن الحديث معهم والسلام عليهم وعناقهم وتقبيلهم والأكل معهم وارتداء ملابسهم. لا تتم العدوى إلا بأربعة طرق وهي الجنس دون استخدام الوقاية، الحقن واستخدام الأدوات الحادة، نقل الدم، ومن الأم إلى الجنين عن طريق الدم

هل هنالك إحصائية بالمتعايشين مع الإيدز في لبنان، وكيف تتعامل الدولة معهم؟
هناك حوالي 2400 متعايش مع المرض مسجل رسمياً بحسب البرنامج الوطني لمكافحة الإيدز في لبنان لعام 2018. ولكن هذا العدد لا يضم الأشخاص الذين لم يقوموا بالفحوصات الطبية لمعرفة إذا ما كانوا حاملين لهذا الفيروس، وهو ما قد يرفع العدد إلى 4,000. يوجد بلبنان 25 مركز يقوم بالفحوصات الخاصة بمرض الإيدز ويقوم بإجراء هذه الفحوصات مجانًا، غير المستشفيات والمختبرات أيضًا، كما يقدمون بتوفير أدوية ليست علاجية ووقائية لتعزيز المناعة وشل الفيروس حتى لا يتكاثر.

لكن الدواء لا يلغي وجود المرض بالجسم، ولكن هناك نقطة مهمة لابد من التنويه إليها وهي أن منظمة الأمم المتحدة لمرض الايدز أعلنت أن من يتناول الأدوية بانتظام وبشكل مستمر يصبح حمله للفيروس غير قابل للكشف ولا يستطيع ان ينقل الفيروس لشخص آخر، وهذا نوع من أنواع الوقاية. وحاليًا وزارة الصحة اللبنانية تؤمن العلاج المجاني لكل اللبنانيين، بالتعاون مع الأمم المتحدة الذي يقدمون العلاج للاجئين بغض النظر عن جنسيتهم. وللأسف في مجتمعنا مازال الناس يتعاملون مع المرض وكأنه عيب أو حرام حتى عند الحديث عنه يتجنبون ذكر اسمه ويقولون ذلك المرض، وحملات التوعية التي بدأت في التسعينيات هي لا تزال كل ما يعرفه المجتمع عن فيروس نقص المناعة. ولكن الأمور تغيرت كثيراً، لهذا لابد من التوعية ومعرفة كيفية التعايش مع حاملي فيروس الإيدز، وأنه يمكن الحديث معهم والسلام عليهم وعناقهم وتقبيلهم والأكل معهم وارتداء ملابسهم. لا تتم العدوى إلا بأربعة طرق وهي الجنس دون استخدام الوقاية، الحقن واستخدام الأدوات الحادة، نقل الدم، ومن الأم إلى الجنين عن طريق الدم. في لبنان لم يعد هناك أي حالات مسجلة من الأم للجنين أو عبر نقل الدم، وهذه الحالة تعتبر سباقة بالعالم وهذا بسبب التوعية المستمرة من قبل وزارة الصحة في مراكز نقل الدم، وفي عيادات الأخصائية النسائية.

بعد كل حملات التوعية لماذا ما يزال هنالك أشخاص يصابون بالإيدز؟
المرض ينتقل عن طريق العلاقات الجنسية وذلك بسبب قلة الوعي بكيفية حماية ووقاية أنفسهم. ولكن المشكلة الأساسية بالمجتمع العربي أن المثلية غير معترف فيها لهذا لا تستطيع الجهات المعنية الوصول للكثير من الأشخاص لتوعيتهم عن الإصابة بالمرض.

كيف ترى نفسك اليوم؟
اليوم أنا شخص سعيد وبصحة جيدة، أعيش حياتي مع شريكي من دون خوف أو قلق. ولكن يجب أن نتذكر أن هناك مئات الآلاف في منطقتنا لا يمكنهم الوصول إلى اختبارات فيروس نقص المناعة البشرية أو إلى العلاج، ويعاني الكثيرون منهم من الوصم والتمييز. لكنني أريد أن أقول لكل من يتعايش مع الفيروس أنك لست وحدك، وأنك لست مضطرًا لذلك. اسأل عن الرعاية الصحية وأبحث عن الحلول، ولا تدع أي شخص يجعلك تشعر بأنك أقل أهمية أو قيمة.