دراما

إنتاجات درامية حول انفجار مرفأ بيروت: أبكر من اللازم؟

الحكم على التوقيت يتوقف فقط على الحكاية التي يريد السينمائي أو المخرج الدرامي نقلها، والأسئلة التي يريد طرحها
6.10.20
1596647096911-gettyimages-1227919390

Daniel Carde / Getty Images

جددت السنوات التي تلت ثورات الربيع العربي تساؤلات قديمة حول توقيت العمل الفني، السينمائي أو الدرامي، الذي يلي أحداث سياسية مفصلية. تتنوع الإجابات في كل مرة بحسب علاقة الجمهور مع العمل. يشعر البعض بالاستفزاز من أعمال تحمل بتًا أو رأيًا حاسمًا، وبالتالي خطابًا واعظًا تجاه أحداث ما زال من شهدها على أرض الواقع يحاول استيعابها. آخرون ممن قد تضرروا مباشرة بفعل هذه الأحداث، لا يرغبون في مشاهدة ما يحزنهم أو يزيد من ضيقهم ويضع الملح على جراح مازالت مفتوحة.

إعلان

على الجهة الأخرى، يجادل البعض أن الابتعاد الكلي عن تضمين هذه الأحداث وآثارها في الأعمال الفنية الموجهة إلى الجمهور العربي، قد يخلق حالة من الفصام عن الواقع، كما هو حال الدراما السورية، التي باتت حكاياتها تقتصر، موسمًا تلو الآخر، على الممثل السوري الوسيم الذي يقع في حب الفتاة اللبنانية التي توازيه جمالًا وثروةً، ثم في مرحلة ما سيحصل خيانة حتمًا.

جاء انفجار مرفأ بيروت إضافة جديدة إلى مجموعة المآسي التي هزت المنطقة مؤخرًا، والتي لا يمكن تجاهلها أو تجاوز الحديث عنها. مع ذلك، أثار توقيت الإعلان عن أعمال تتناول الانفجار، تساؤلات عما إذا كان ذلك أمرًا مبكرًا أكثر من اللازم. سواء من الناحية الفنية، حيث قد يؤدي هذا الاستعجال إلى إنتاج أعمال رديئة كتبت على عجل. أو حتى من الناحية الإنسانية التي تفرض احترام ذكرى الضحايا وعائلاتهم، إذ تزامنت هذه الإعلانات المتحمسة مع أيام عصيبة استمرت خلالها عمليات رفع الأنقاض أملًا بإنقاذ الأحياء تحت الركام، وبحث الأهالي المتواصل عن أسماء مازال بعضها مفقودًا.

"تجسيد الكوارث في السينما أو عبر المسلسلات أمر مهم، بحيث نحصل على عمل فني له دور إيجابي في تأريخ هذه الأحداث. واجب علينا كصناع فن، أن نحول مأساة كهذه، تردد صداها في العالم بأسره، إلى عمل فني." يخبرنا صادق الصبّاح، رئيس مجلس إدارة شركة (سيدرز آرت برودكشن/صبّاح أخوان) اللبنانية وواحدة من أهم شركات الإنتاج في المنطقة، والتي أعلنت مؤخراً بدء شركته التحضير لعمل درامي تحت عنوان "عنبر رقم 12" والذي سيروي "قصص الناس التي لم يحكى عنها بعد" على حد تعبيره. تتابعت في الفترة ذاتها الأسماء التي أعلنت مباشرتها بأعمال تروي قصصًا من واقع الانفجار، منهم مخرج الفيديو كليب اللبناني فادي حداد الذي توجه إلى كتابة فيلم سينمائي، يصادف أنه يحمل عنوان عمل شركة الصبّاح ذاته.

nbr_12.jpg

بوستر عنبر ١٢- سيدرز آرت برودكشن، الصباح اخوان.

المنتج الصبّاح يتحدث معنا عن خطته لرسم الخط الدرامي للعمل: "اخترنا أنا نوثق ست حالات تقريبًا، لم يمنحها الإعلام ما يكفي من الاهتمام، وكان مهمًا لشركة صبّاح اخوان أن توثق هذا الحدث الجلل، دون الدخول في العمق السياسي وإنما الإنساني والاجتماعي للأحداث. تم الاتفاق مع المؤلف باسم بريش والمخرج أمين درة، وكلاهما حاصلان على جوائز عالمية، وأصحاب خبرة كبيرة في السينما، تسبق دخولهما عالم الدراما. سيأخذ الاثنان وقتهما في اختيار التفاصيل والأحداث التي سيلقى الضوء عليها من خلال المسلسل."

أما عن سؤالنا إن كان من المبكر تقديم هذا العمل للمشاهد اللبناني الذي ما زال يعاني تبعات الانفجار، يعلّق: "لن يصدر العمل قريبًا إلى هذه الدرجة، إذ نتوقع أن يبصر النور خلال صيف عام 2021. لذا لا، لا أعتقد أنه مبكر. لدينا من الوقائع والوثائق الآن ما يسمح لنا برسم خارطة المسلسل بطريقة مشوقة وتوثيقية، دون أن يتحول العمل إلى docudrama وإنما دراما بحتة تستند إلى قصص الناس الحقيقية التي تضررت بفعل الحدث." ومن المقرر أن يتم منح مردود هذا العمل لمتضرري تفجير 4 أغسطس.

إعلان

في المقابل، ترى الدكتورة ربا عطية، أستاذة الإخراج السينمائي في الجامعة اللبنانية، أن هناك فرق في النقد السينمائي بين من يعمل على ما يسمى hot subject أي موضوع راهن وتريند، وبين من يختار العمل الأعمق، بمعنى التعمق في معالجتها.

وتضيف: "لن أناقش هنا الأعمال المعلنة لتوها، فأنا بالطبع لن أسمح لنفسي بتقييم عمل لم أشاهده حتى. ولكن بشكل عام، أضعف الأعمال هي التي تناقش المواضيع الساخنة لأنها مطلوبة في السوق، أو التي تناقش أي حدث ضخم مباشرة بعد حدوثه، مما يفرض أنها أعمال إنفعالية، أو ربما حتى تخضع لبروباغاندا جهة معينة. الخطورة هي في الأعمال التي تصنف نفسها على أنها مستقلة، ولكنها لا تخلو في الواقع من تلقف للموجة. طبعًا حدث بحجم تفجير مرفأ بيروت يستدعي موجة صحفية كبيرة، أما العمل الفني فيتطلب تعمقًا كبيرًا ليعكس اللاوعي خاصتنا ويظهره. هذا الإظهار هو الخطوة الأولى في فهم أنفسنا وما تعرضنا له. كذلك، يساعد التعمق في معالجة العمل على وصوله إلى شريحة أوسع من الناس ويكون أطول عمرًا."

بنظرة سريعة على الأعمال الدرامية ما بعد الثورة السورية والمصرية، نرى أن السينما السورية شاهدت تخبطًا كبيرًا في السنوات التي تبعت بداية الثورة في العام 2011 وكانت أدلجة الجهات المنتجة للأعمال كان أحد أكبر عوائق الصناعة داخل البلد وخارجه. أما من ناحية الدراما التي كانت رائدة عربياً قبل العام 2011 بتقديمها أعمال هامة، أرخت بنجاح فترات عصيبة من تاريخ المنطقة في مسلسلات مثل التغريبة الفلسطينية للمخرج حاتم علي (2004)، أو سلسلة حمام القيشاني في التسعينيات للمخرج هاني الروماني، تناقش الدراما اليوم مشكلات الواقع السوري من بعيد لبعيد، بعد فشل جميع محاولات التعمق في الطروحات. قد تكون الاستثناءات الوحيدة فيما تابعناه طوال عشر سنوات ماضية، هي أعمال مثل غدًا نلتقي للمخرج رامي حنا (2015) أو قلم حمرة للمخرج حاتم علي (2014) أو مسافة أمان لليث حجو (2019) رغم إنهاك الرقابة لنصوص لأعمال الثلاثة.

في مصر، تتعثر كذلك الدراما في محاولة تقديم رؤية واضحة عن تأثر الحياة الاجتماعية بالأحداث السياسية المتتالية منذ ثورة يناير، حيث بقيت الثورة حدثاً مقحماً في خط الأحداث على عجل، دون وجود رؤية واضحة حول كيفية تقديمها. وتشير عطية أننا شهدنا موجة من الأفلام السينمائية الضعيفة في الفترة التي تلت الثورات العربية، "ولكن كونها تروي أحداث ساخنة وجراح فئة كبيرة من الناس فقد كان يتم احتضانها والتسويق لها، دون أن ترتقي حقيقة إلى مستوى الضجة الإعلامية التي رافقتها." وتشير: "السينما مصنفة على أنها وسيط بارد، وليست وسيطًا ساخنًا كالتلفزيون، وتتطلب هذه الفنون الباردة كثيرًا من التروي."

إعلان

في السياق ذاته، تشير الدكتورة عطية إلى إمكانية وقوع الصناعة السينمائية والدرامية في لبنان في الإشكال ذاته: "هذا التعامل مع الموضوع على أنه تريند نستعجل الحديث عنها، سيفوّت نقاش جوانب كثيرة. مثلًا الذبح الاقتصادي الذي تعرض له المجتمع هو أخطر من الانفجار ذاته، ولكننا لم نره مجسدًا في أي عمل." وتتابع: "من النادر كذلك أن نرى من يصور في الأعمال اللبنانية معاناة الطبقة الوسطى أو انعكاس حالة عدم الأمان الاقتصادي على علاقات الأشخاص ببعضها وعلى الأدوار الجندرية والعلاقات الحميمية. بالمقابل نجد تناولًا فقط للتأثير المباشر للصدمة، وليس للتأثيرات طويلة المدى."

ما هي مسافة الأمان المناسبة التي نحتاجها؟ ومن يحددها؟ قد يصنع أحدهم فيلمًا عن تفجير مرفأ بيروت بعد خمس سنوات، ولا يفلح رغم ذلك في احترام حجم المأساة التي حصلت

على الجانب الآخر، ترى المخرجة اللبنانية رانيا رافعي، التي أخرجت مع أخوها رائد رافعي فيلم ٧٤": استعادة نضال" الذي يعيد إحياء تظاهرات طلاب الجامعة الأميركية في بيروت عام 1974، أن إطلاق الأحكام حول توقيت العمل الفني، فيه تعدي على حرية الفنان وعلاقته بمجتمعه المتلقي وتضيف: "مؤخراً وخلال ثورة تشرين في لبنان، قمت بتصوير فيلم في ساحة النور في مدينتي طرابلس عن الثورة. أخبرني البعض أني استعجلت، ولكني كنت أطرح سؤالاً عبر هذا الفيلم عن دور المخرج في حدث الثورة. لم يكن ذلك مستعجلًا برأيي لأن المقاربة التي يطرحها كانت آنية." وتتابع: "سأعطيك مثالًا كذلك عن فيلم سوري أحبه يدعى "كوما" من إخراج سارة فتاحي في العام 2015 أي ذروة سنوات الحرب. تناول الفيلم حكايتها مع أمها وجدتها وحالة الانتظار التي عاشوها معلقين في الزمن. توقيت الفيلم برأيي كان مثاليًا. الحكم على التوقيت يتوقف فقط على الحكاية التي يريد السينمائي أو المخرج الدرامي نقلها، والأسئلة التي يريد طرحها."

بعيدًا عن جودة العمل فنيًا، عدنا لسؤال رانيا إن كان توقيت الإعلان عن هذه الأعمال يحمل نوعًا من الاستفزاز لعائلات الضحايا أو المتضررين، وإن كان يجب منح الناس وقتًا للتعافي، تجيب: "قد يكون عنصر الاستفزاز في الأمثلة المنتمية إلى النوع التجاري، ناجمًا عن خوفنا من كونهم يستغلون هذه المأساة لأغراض الكسب المادي البحت، وأن هذا الاستعجال إلى الكسب المادي سيترافق بتقديم عمل يتنافى مع مشاعر النبل والتعاطف مع أوجاع الناس التي نتوقع من صانع العمل أن يمتلكها. ولكن يمكن الإجابة على هذا السؤال من خلال سؤال آخر: هل يمكن أن تتسبب السينما بضرر لأحداث صارت وانتهت؟ لماذا نعتبر أن الصناعة السينمائية التي ستلي أي حدث كبير هي حتمًا معادية هذا الحدث؟

وتضيف رانيا التي عملت كأستاذة في مختبر دمشق السينمائي: "حين نقول خلينا نعطي الناس وقتها للتعافي، فنحن نفترض أن هذا العمل جارح أو معادي لمآسي الناس أو يحاول تسخيفها. لماذا نحتاج هذه المسافة بين الحدث وبين العمل الفني الذي يحاكيه؟ خاصة وأن إنتاج هذه الأعمال يتطلب مدة زمنية طويلة. أي شركة إنتاج اليوم ستحتاج بالحد الأدنى سبعة أشهر لإنهاء العمل. إذًا فما هي مسافة الأمان المناسبة التي نحتاجها؟ ومن يحددها؟ قد يصنع أحدهم فيلمًا عن تفجير مرفأ بيروت بعد خمس سنوات، ولا يفلح رغم ذلك في احترام حجم المأساة التي حصلت."

قد يحمل التشكيك المستمر في نوايا صناع العمل الفني شيئًا من التعدي على حرية تعبير مؤلفه أو مخرجه، الذي يعود له وحده تحديد التوقيت المناسب لعمله. لكن الخوف المستمر من تأريخ أحداث حياتنا المفصلية على نحو مستعجل ورديء، سيبقى موجودًا لدى المشاهدين والنقاد الاختصاصيين على حد سواء. ليس لأن المشاهد غير قادر على تمييز العمل الاستغلالي أو المنفصم عن الأحداث الواقعية، وإنما لأن هذه الأعمال ستبقى متاحةً مع مرور السنوات كمرجع ضعيف لمن لم يشهد هذه الأحداث بنفسه.