لبنان

كيف تصل التبرعات المالية إلى لبنان، في ظل القيود على السحوبات البنكية؟

يفرض لبنان قوانين سرية صارمة تمنع المصارف من الإفصاح عن أي معلومات تتعلق بالمعاملات المصرفية
14.9.20
لبنان

GettyImages

بعد الدمار الهائل الذي لحق بمدينة بيروت نتيجة الإنفجار المروع الذي هز مرفأ العاصمة اللبنانية في 4 أغسطس الماضي، تسارعت دول العالم ومنظماتها إلى إرسال المساعدات المالية وغير المالية (مثل المواد الغذائية والمستلزمات الطبية) الى الشعب اللبناني. وأشدد على كلمة "الشعب اللبناني" لأن معظم هذه المنظمات رفضت إرسال تبرعاتها مباشرةً الى الدولة اللبنانية خوفاً من أن تسرقها أو أن تستفيد منها بأي طريقة أخرى (مثل بيعها).  لذلك، لجأت الدول والمنظمات الخارجية الى ما يعرف بالمنظمات غير الحكومية. ولكن كيف تتلقى هذه المنظمات غير الحكومية التبرعات من الأطراف الخارجية وسط الأزمة المصرفية التي يمر فيها لبنان، والتي أدت إلى قيودٍ مصرفية صارمة على عمليات سحب الأموال، خصوصاً للعملات الأجنبية (الدولار)؟ تحدثت إلى ريتا بابادوبولو - محامية مالية ومصرفية ومحللة سياسية بريطانية تقطن في لبنان، وشريكة في أبو جودة وشركاه للمحاماة- من أجل الحصول على بعض الأجوبة.

إعلان

VICE عربية: بعد انفجار مرفأ بيروت قامت الكثير من الجهات بالإعلان عن تأسيس صناديق للتبرعات، من خارج وداخل لبنان، ولكن السؤال: كيف يتم تحويل هذه التبرعات إلى الدولة؟
ريتا بابادوبولو: نظرًا للحاجة إلى الشفافية فيما يتعلق بالتعامل مع الأموال التي تتلقاها المنظمات غير الحكومية، يتم إرسال غالبية التبرعات إلى لبنان عبر التحويل المصرفي، وذلك إلى حساب بإسم المنظمة غير الحكومية نفسها. التحويلات المصرفية هي الحل المناسب عندما يتعلق الأمر بالشفافية في التعامل مع الأموال المُتبرع بها، حيث تخضع تحويلات الأموال داخل النظام المصرفي عادةً إلى إجراءات صارمة تشمل مراجعة وتدقيق الحسابات فيما يتعلق بتفاصيل كل معاملة – مثل ذكر هوية المرسل/المستلم، ومصدر الأموال والاستخدام المقصود للأموال - على عكس التحويلات عبر المؤسسات المالية غير المصرفية (مثل OMT-Western Union في لبنان) التي لا تدقق في التفاصيل. مع ذلك، التحويلات المصرفية عرضة للمخاطر التي تعاني منها المصارف اللبنانية حاليًا، اذ أن هذه الأخيرة في حالة إعسار، وهي في انتظار إعادة رسملة وهيكلة، إلا أن هذا الأمر يعتمد على ما إذا ستتحقق إصلاحات القطاع المصرفي المطلوبة.

الخيار الثاني هو تحويل الأموال من خلال المؤسسات المالية غير المصرفية مثل OMT-Western Union أو أي وكلاء آخرين لـ Western Union في لبنان. هذا الخيار أفضل من حيث مخاطر الإئتمان، حيث أن مخاطر المؤسسات المالية غير المصرفية أقل من المخاطر التي تعاني منها المصارف؛ إلا أن إجراءات المراجعة والتدقيق لدى المؤسسات المالية غير المصرفية أقل صرامة، وهذا سيؤثر بشكل سلبي على عملية مراجعة الحسابات لدى كل منظمة غير حكومية تتلقى التبرعات.

إعلان

تمام، في حال تم التحويل، كيف يتم سحب هذه الأموال من المصارف اللبنانية التي تفرض غطاء على السحوبات للأفراد والمؤسسات؟
أولاً، يجب تعريف القرّاء على مفهوم "الدولارات الطازجة" (Fresh USD) الذي أصبح فعال في النظام المصرفي في لبنان. بسبب النقص الحاد في الدولار، لم تعد المصارف اللبنانية تسمح بسحب الدولار إلاّ اذا تم تحويله من خارج لبنان (وليس من الداخل)، وهذا الدولار أطلق عليه تسمية Fresh USD. أما من لديه دولارات - في حسابه المصرفي - ليست محوّلة من الخارج، فلا يمكنه سحبها (أي أنها أصبحت عالقة في المصرف كدولارات رقمية)، والطريقة الوحيدة لسحبها هو بالليرة اللبنانية بسعر صرف 3,900 ليرة مقابل الدولار الواحد - وذلك بموجب تعميم مصرف لبنان المركزي رقم 151، علماً أن سعر الصرف في السوق السوداء قد تخطى الـ 7,000 ليرة للدولار الواحد.

ولكن في حال تم سحب هذه المبالغ بالليرة اللبنانية، ستخسر معظم قيمتها؟
صحيح، إذا تم سحب الأموال بالليرة اللبنانية، فستخسر ما يصل إلى 80% من قيمتها، كما أنه من أجل الحصول على أموال بالدولار الأمريكي، سيتعين على المنظمات اللجوء إلى السوق السوداء حيث ستحتاج إلى دفع حوالي 7,500 ليرة لبنانية لكل دولار أمريكي (علماً أن سعر الصرف في السوق السوداء متقلّب ويتغير يوماً عن يوم). بالتالي، من الضروري أن تقوم جميع المنظمات غير الحكومية بفتح حساب Fresh USD، وهو نوع الحساب الوحيد الذي يسمح لها بتلقّي الدولار الأمريكي نقداً.

ماذا بخصوص الحسابات التي بالليرة اللبنانية، والتي لا يمكنها تلقّي تحويلات بالدولار؟
في حال، ولأي سبب من الأسباب، لم تتمكن الـ NGO من إنشاء حساب Fresh USD، الحل الوحيد هو اللجوء إلى المؤسسات المالية غير المصرفية (أو شركات تحويل الأموال بالوسائل الإلكترونية) التي تسمح بتلقّي الدولار الأمريكي نقداً (ناقص العمولات والرسوم) بموجب تعميم مصرف لبنان المركزي رقم 566.

هل هناك طريقة للتأكد من أن هذه الأموال وصلت إلى الجهات الصحيحة؟
تخضع المعاملات المصرفية عادةً لإجراءات صارمة تغطي عدة تفاصيل مثل هوية مستلم الأموال المحوّلة وهوية المرسل، إلى جانب تفاصيل أخرى مثل مصدر الأموال والاستخدام المقصود للأموال (للأحجام الكبيرة من المبالغ). لذلك، فإن التبرعات التي يتم تحويلها من حساب مصرفي خارجي إلى حساب مصرفي في لبنان ستخضع لعملية تدقيق كهذه. ولكن هناك موضوع مهم يجب ذكره: يفرض لبنان قوانين سرية صارمة تمنع المصارف من الإفصاح عن أي معلومات تتعلق بالمعاملات المصرفية لأي طرف لا صلة رسمية له بهذه المعاملات. من هنا، يجب على المنظمات غير الحكومية أن تكون شفافة جداً في تعاملها مع الأموال المتبرّع بها، وتحتاج إلى رفع السرية المصرفية، بحيث يمكن نشر أي معلومات تتعلق بمعاملاتها  ومشاركتها مع أطراف ثالثة مثل المجتمع المدني ومجموعات المراقبة الدولية.

هل تظنين أن تحويل الأموال من مواقع مثل GoFundMe ممكن حالياً؟ أو هل من الأسهل تحويل على حسابات لمؤسسات خارج لبنان؟ 
تعتمد GoFundMe أيضًا على المصارف من أجل تحويل الأموال التي يتم جمعها على موقعها الإلكتروني - أي على صفحة المستفيد من حملة جمع التبرعات - وبالتالي نعود إلى نقطتنا الرئيسية، وهي ضرورة فتح حساب مصرفي Fresh USD.

في ظل هذا الوضع، هل يعتبر إرسال مساعدات عينية بدلاً من المالية خيارًا أفضل؟
على الرغم من الأزمة المالية التي يمر فيها لبنان، أظن أن أفضل حل هو العمل ضمن حدود النظام المالي الحالي، وأظن أن هذا الأمر يعطي المنظمات غير الحكومية مرونة تشغيلية تسمح لها بتخصيص الأموال كيفما تريد وبحسب الحاجة، وبالتالي خدمة قضيتها الإجتماعية بشكل أفضل، ما يعني أن المساعدات المالية مازالت فعالة.  حاليًا، القنوات المصرفية وغير المصرفية مفتوحة بطريقة تساعد المنظمات غير الحكومية على تلقي كافة الأموال المتبرع بها. ومع ذلك، فإن المراقبة والتدقيق المستمر للعمليات التي تعتمد عليها المصارف والمؤسسات المالية غير المصرفية في هذا الصدد أمر ضروري من أجل حماية التحويل السلس للأموال.