UNIVERSAL PICTURES
ملاحظة: يتضمن المقال حرقاً للأحداث.
تروي الأسطورة أن بروميثيوس، إله النار عند الإغريق، خدع كبير الآلهة زيوس، إذ سرق بروميثيوس النار التي خبأها زيوس من البشر، وأعادها للأرض من جديد ليمنح بني آدم القدرة على الاختراع وصناعة الحضارة. لم يغفر زيوس بروميثيوس على ذلك، وعاقبه بربط جسده بأحد الجبال، وجعل النسور تأكل من كبده الحي. وإلى حد ما، هناك تشابه كبير بين بروميثيوس وجاي روبرت أوبنهايمر، حيث أراد أوبنهايمر أن يقدم اختراعًا يساعد البشرية حول الانشطار النووي. لكن زيوس أو الإدارة الأمريكية عاقبته عندما أعرب عن ندمه على الأذى والضرر الذي سببته القنبلة الذرية في اليابان.
حقق فيلم كريستوفر نولان الجديد إيرادات قياسية داخل السينمات في العالم، إذ وصلت فى أول يوم عرض إلى ما يزيد عن ٣٣ مليون دولار. وبعد أيام عرض قليلة، تقول التقديرات إن الإيرادات تراوحت ما بين ١٦٠ مليون دولار أمريكي، و١٧٠ مليون دولار بعد أقل من أسبوع عرض.
ويحكي الفيلم قصة إشراف عالم الفيزياء الأمريكي روبرت أوبنهايمر على تصنيع القنبلة الذرية في مختبر لوس ألاموس بالولايات المتحدة، وكيف أثرت بعض أفكاره اليسارية على صورته وسمعته في بلده، متهمين إياه بالشيوعية والتجسس للسوفيت. استلهم نولان الفيلم من كتاب باللغة الإنجليزية عنوانه "بروميثيوس الأمريكي: انتصار ومأساة ج. روبرت أوبنهايمر." نقرأ في مقدمة الكتاب: "قصة أوبنهايمر تُذكِّرُنا أن هُويتنا كأمة مرتبطة تمامًا بالثقافة النووية. لقد كانت القنبلة في عقولنا منذ عام ١٩٤٥، من خلال سلاحنا ثم دبلوماسيتنا والآن اقتصادنا."
تجسيد مبهر ودقيق للشخصيات
اختيار شخصية روبرت أوبنهايمر ليكون قصة الفيلم الجديد لنولان حمس الكثيرين للمشاهدة. فشخصية أوبنهايمر ليست عادية بحيث يُمكن المرور عليها سريعًا وننساها، فالرجل ساهم في التأثير على تاريخ العالم في القرن العشرين وحتى يومنا هذا.
ولا تزال آثار عمل عالم الفيزياء الأمريكي ذو الأصول الألمانية، مطبوعة في أذهان الناجين من هيروشيما وناغازاكي، وربما ستظل هذه الصدمة الكبرى تمر عبر الأجيال -Generational Trauma- دون الحديث عنها.
صُورت شخصية أوبنهايمر بدقة فائقة خلال الفيلم، حيث يجد القارئ لسيرته الذاتية أن بعض الناس من حوله كانوا يرونه غريب الأطوار. وقد ظهر هذا الجانب في الفيلم من خلال تجسيد الممثل كيليان ميرفي الدور بدرجة عالية من الدقة مقارنة بأرشيف أوبنهايمر. ويُلاحَظ هنا مدى النضج الفني الذي وصل له ميرفي، إذ فَقَدَ جزءًا من وزنه كي يشبه أوبنهايمر، ويروي زملاؤه أنه كان لا ينضم لهم أثناء جلسات الطعام في استراحات التصوير، وكان يأكل حبة بندق واحدة في اليوم.
لم يتوقف الأداء الجيد عند ميرفي، بل انتقل مثل العدوى الحميدة لروبرت داوني جونيور، الذي أدى شخصية الخصم الرئيسي لأوبنهايمر، الأدميرال ستروس. لقد تفوق جونيور على نفسه في أداء الدور من خلال استخدام لغة جسده وصوته وعينيه في لعب شخصية سياسية طموحة ترغب في الوصول لأعلى درجات السلطة، وربما يكون هذا الدور هو الفرصة الأبرز لجونيور لتعيده لمنصة ترشيح الأوسكار.
كذلك نجحت الممثلة إميلي بلانت بتجسيد دور صعب لـ "كيتي"، زوجة أوبنهايمر التي تتمتع بالقوة والقدرة على التحكم في الأمور. من خلال أحداث الفيلم، يظهر أوبنهايمر رجلًا ضعيفًا ومستسلمًا أمام النساء اللاتي يحبهن. وفي المقابل، كانت شخصية "كيتي" عكس ما روجت له السينما حول ضعف النساء في فترة الأربعينات والخمسينات أمام سلطة الرجال، فقد ظهرت بشكل واضح وقوي في تعبيرها عن آرائها وأفكارها أمام زوجها والسلطات الأمريكية.
دراما الفيلم وتحدي السرد
مع بداية أحداث الفيلم، ربما يشعر بعض المشاهدين بقدر من الإرباك بسبب التحرك بين الماضي والحاضر كثيرًا، واستخدام الأبيض والأسود في عملية السرد، لدرجة قد تحير المشاهدين من المعنى الذي يقصده المخرج.
تجلى هذا الإرباك في طريقة السرد عند استخدام خطين دراميين أحدهما يناقش عملية صنع القنبلة وجوانب شخصية من حياة أوبنهايمر، والخط الدرامي الآخر يدور حول جلسات الاستماع التي تعرَّض لها أوبنهايمر من قبل جهات التحقيق الأمريكية سنة ١٩٥٣، حيث اُتهم بأنه على صلات بالسوفيت/الشيوعيين.
وتلك التهمة في الولايات المتحدة كانت قادرة على تدمير سمعة الكثيرين، ومن بينهم مشاهير مثل الممثل البريطاني تشارلي تشابلن والسيناريست الأمريكي دالتون ترامبو وغيرهم. هذا الإرباك قد يُفسَر بأنه محاولة لخلق قدر من الإثارة والتشويق في السرد، وعدم الاعتماد على حكي قصة علمية عن صناعة قنبلة، قد يراها كثيرون مملة.
وقدم نولان سرده بين الألوان الأبيض والأسود على طول الفيلم، حيث قدم لنا شخصية الخصم، الأدميرال ستروس، في مشاهد أحادية اللون، وبالتالي نرى العالم من منظور ستروس عندما يسرد القصة. يُظهر نولان للمشاهدين أن المؤامرة التي تُحاك ضد أوبنهايمر تحدث في منطقة رمادية غير واضحة، وأن بطلها السلطة الأمريكية أو بالتحديد أولئك الذي يكرهون نجاح أوبنهايمر وأفكاره الواضحة التي تصطدم بالمشروع الأمريكي الطامح لتقويض الدور السوفيتي في العالم.
كذلك، كان للمونتاج دور جوهري في السرد، إذ كان القطع بين اللقطات والتوليف بينها، يتراوح ما بين ماضي أوبنهايمر في شبابه ثم مرحلة صناعة القنبلة ثم القفز لمرحلة التحقيق الأمني. طريقة مونتاج الفيلم ليست سهلة على المشاهدين الذين يريدون طريقة سرد تقليدية تتسم بالاستمرارية.
تحدٍ آخر في السرد يكمن في تنقل نولان بين فترتي الأربعينات والخمسينات، فهما مرحلتان ساخنتان سياسيًا وعسكريًا بين المعسكرين الأمريكي والسوفيتي. ومع ذلك، لم تكن هذه الطريقة سلسة بما يكفي، إذ تحركت المشاهد ببطء ولم تُقدَم المعلومات بوضوح كافٍ للمشاهد.
إضافة إلى ذلك، افتراض نولان أن كل من يشاهد الفيلم يعلم أسماء الشخصيات المذكورة في الفيلم من رجال عسكريين وعلماء فيزياء...إلخ، وكذلك معرفة المصطلحات العلمية الفيزيائية عن الانشطار النووي والثقوب السوداء. كل هذا قد يفسر ما يجعل نولان محببًا عند البعض، وبعض آخر لا يفضلونه، لأنه يتحرك في مناطق متشابكة لا يستساغ فهمها، والسينما عندهم هي منتج هدفه المتعة، وليس دومًا التفكير ومحاولات فهم العالم.
مشهدان أيقونيان
المشهد الأول: يجلس روبرت أوبنهايمر في شاشة التلفاز سنة ١٩٦٥، بوجهه النحيف وأنفه الحاد وعينيه اللامعتين، متحدثًا للجمهور الأمريكي عن لحظة إسقاط القنبلة الذرية على هيروشيما وناغازاكي، ويقول أشهر جملة له: "الآن أصبحتُ الموت، مدمر العوالم." هذه المقولة مستلهمة من نصوص دينية هندوسية، حيث كان أوبنهايمر واسع الاطلاع على الفلسفة والأديان واللغات.
المشهد الثاني: يقدم لنا نولان مشهد تجريب القنبلة بقدر عالٍ من التحفيز والتشويق، حيث ترتفع الموسيقى التصويرية والمؤثرات الصوتية، حتى تأتي لحظة التفجير ويُكتَم الصوت. وكل ما نسمعه هو أنفاس فريق العلماء المندهشين من قوة الضوء المنبعث من التفجير، ضوء يشبه نور الشمس في قوته.
المشهدان يلخصان تجربة أوبنهايمر التي نتساءل عن مدى أخلاقيتها، فهل شعر فعلًا بالندم عندما تحدث في التلفاز للجمهور، وهل أدرك فعلًا أن يده ملطخة بالدماء عندما مات ما بين ١١٠ ألف و٢١٠ ألف قتيل في هيروشيما وناغازاكي؟
ما أضاف لقوة الكثير من مشاهد الفيلم، الموسيقى التصويرية للمؤلف والمنتج السويدي لودفيج جورانسُن، الذي عمل سابقًا مع نولان في فيلم Tenet وحصل على الأوسكار عن فيلم Black Panther، ومن خلال الاستماع إلى أعماله، يمكن للمشاهدين أن يشعروا بتشابه بعض الشيء بينه وبين المؤلف الألماني المخضرم هانز زيمر. وقد نجح جورانسون في نقل مشاعر القلق خلال أحداث الفيلم من خلال استخدام آلة الكمان أو استخدام آلات نفخ ووترية وإيقاعية، تنقل لنا الشعور بعظمة الكون وضآلة الإنسان.
نولان الاستعراضي
استعرض نولان قدراته السينمائية والإخراجية في هذا الفيلم، الذي بلغت ميزانيته نحو ١٠٠ مليون دولار، من خلال تقديم نجوم بارزين من هوليوود في مشاهد معدودة، مثل ظهور كينيث براناه في ثلاثة مشاهد فقط، ورامي مالك في مشهد ناطق واحد ولقطتين صامتتين.
استعراض نولان قد يكون مسرحيًا عند البعض، لكنه استعراض ذكي يقدم فيه شخصيات في مشاهد قليلة لكنها ذات أثر، عاملًا بمبدأ بندقية تشيخوف في الدراما، والذي يعني أن استخدام أداة ما في أحد مشاهد العمل الفني، يجب أن يكون لها دور في تطور الدراما. وهذا بالضبط ما صنعه مشهد رامي مالك الذي كشف حقيقة الأدميرال ستروس.
يستمر استعراض نولان كذلك في هوسه بنقل التجربة السينمائية بأقرب شكل ممكن للمشاهد، وهذا ما قد يشعر به المشاهدون عندما يرون مشهد تجربة تفجير القنبلة، إذ لم يعتمد نولان على الصور المصنوعة عبر الكومبيوتر (CGI)، بل فجر فريق عمل الفيلم قنبلة صغيرة الحجم، وصوروها بطريقة تُظهِر ضخامة حجم التفجير. هذه الطريقة تسمى Forced perspective وهي طريقة قديمة تضخم من حجم الأشياء الصغيرة على الشاشة.
عقدة ذنب أمريكية صنعها جنون العظمة
على المستوى الفلسفي، يطرح الفيلم سؤالًا من الأسئلة الكبرى حول الوطنية وتعارضها مع المصالح السياسية: هل كان أوبنهايمر يحب الولايات المتحدة أم العلم أكثر؟ وهل كان أوبنهايمر مجرد أداة داخل منظومة التدمير الأمريكية؟ إن سعي النظام السياسي الأمريكي لصناعة القنبلة الذرية لم يختلف عن سعيه في احتلال العراق، مثلًا، رغم عدم وجود أسلحة دمار شامل. وبالتالي، ربما أدى أوبنهايمر دوره المرسوم له، وربما كان سيؤدى غيره من علماء الفيزياء الموجودين في عصره، نفس الدور الذي لعبه في صنع القنبلة.
عقدة الذنب التي عاشها أوبنهايمر صنعتها السلطة الأمريكية، التي ترى نفسها القوة الأعظم في العالم. والبوصلة الأخلاقية التي تكشف عورات هذه القوة، ستُدهَس فورًا، حتى لو كان حامل البوصلة هو أبو القنبلة الذرية.
النهاية كانت سيمفونية
أحبَّ أوبنهايمر أعمال ماركس وبيكاسو وسترافنسكي. ومع أنه لم يكن رسامًا أو مؤلفًا موسيقيًا، لكنه كان قادرًا على الاستماع إلى موسيقى نهاية العالم وموت مئات الآلاف، عندما شاهد لهيب المشروم المتصاعد في السماء، بعد أن صنع سيمفونيته التي سيظل العالم يسمع أصداءها حتى نهاية الزمن.
