قد يصعب على أيّ أحد أن يفهم ماذا كان يدور في رأس مشرف صفحة "عين الموصل" حين امتلك جرأة توثيق يوميّات "داعش" في الموصل. عرّض حياته للخطر، وكاد أن يكشف في أكثر من مرّة، لكنّه نجح رغم تلك الظروف، من توثيق الحرب. ما زالت شخصية من يقف خلف الصفحتين مجهولة، لكن "VICE عربية" تمكنت من الوصول إليه والحديث معه، شرط عدم كشف هويته.
VICE عربية: لستَ صحفياً ولم تكن صفحتك موجودة قبل "داعش" ما الذي دفعك لإنشاء "عين الموصل"؟
عين الموصل: في اليوم الأول الذي دخل فيه تنظيم "داعش" لمدينة الموصل اصبح كل شيء مظلماً تقريباً، دبّ الخوف في نفوس الناس وتم فرض حظر للتجوال، حتى السماء امتلأت بالغبار. كنت أنشر بعض المعلومات والأخبار عبر حسابي الشخصي على فيسبوك، ثمّ قررت إنشاء صفحة عين الموصل. شعرت بالخوف عندما بدأت بتدوين كل ما يحدث بالموصل تقريباً، لكني كنت في ذات الوقت أحاول تحصين نفسي بشكل جيد. كان العشرات يراسلونني عبر الصفحة في بداية سيطرة التنظيم على المدينة، لكنني لم أتواصل مع أحد، كنت أخشى أن يسعى التنظيم إلى التعرف والوصول إلي، وفعلاً حاول كثيراً ولم ينجح.
كيف تجرأت على التدوين، وكيف كُنت تحصل على المعلومات؟
تجرأت بطريقة غريبة ولم أتوقعها من نفسي، ولكنني كنت مصراً على ذلك بغية مساعدة الناس في فهم ما يجري داخل الموصل. فهناك من روّج بأن سكان الموصل رحبوا بالتنظيم وأنهم يعيشون في نعيم تحت سيطرته. كنت أخرج إلى الشارع كأيّ مواطن، ألاحظ عناصر التنظيم كيف يتصرفون وكيف يتحركون، كنت أركز بشكل كبير على المقاتلين الأجانب، كنت أتابع كل ما يحدث وأعود لكتابته. لم أحمل ورقة أو هاتف أو أي شيء، كنت أحاول تخزين كل شيء بذاكرتي لحين العودة للمنزل.
رسوم ليزا رانيفا
هل تحدثت في يوم ما مع عناصر التنظيم أو التقيت بهم؟
كنت أناقشهم أثناء وجودي في الأسواق أو الأماكن العامة بحكم معرفتي الدينية بما يتبعون، والشخصيات الدينية التي يتبعون أفكارها. في إحدى المرات ذهبت بعيداً في النقاش حول إحدى هذه الشخصيات الدينية، وسألوني هل بايعت أبا بكر البغدادي؟ إن قلت نعم بايعت، فلربما يطلبون مني أن أقوم بفعل ما لإثبات البيعة، وإن قلت لا فربما أقتل، لكنني حاولت قدر الإمكان التخلص من السؤال عبر استحداث نقاش آخر.
هل شعرت يوماً ما أنّك قمت بشيء كاد أن يُنهي حياتك؟
في يوم ما كنت جالساً مع أشخاص ضمن صفوف التنظيم في جلسة طبيعية بمنطقتنا، ودار حديث عن قصة ما، وبتسرع مني نشرت ما دار من حوار معهم بعد عودتي للمنزل، لكنني تلافيت الموضوع، بأن أوقفت الصفحة لمدة أسبوع. وفي مرة سألوني، كيف نشرت صفحة عين الموصل ما دار من حديث من دون وجود شخص غريب، وكالعادة أبديت عدم علمي بها وبصاحبها. دائماً ما كانوا يتحدّثون أمامي عن كيفية الوصول لمشرف صفحة عين الموصل، وأنا يزداد رعبي كلما سألوا.
ماذا كُنت تفعل عندما تخاف على نفسك وتخشى أن يتعرف التنظيم على هويتك؟
أهلي لم يعرفوا حتى اللحظة أنني أدير هذه الصفحة، وأكثر ما كنت أخشاه هو تَعرف التنظيم على هويتي ليس لأنني سأموت، بل خوفاً على أهلي الذين قد يتعرضون معي للقتل أو التعذيب. كنت يومياً وبطريقة صامتة أودع أمي، أجلس بقربها بشكل مستمر وأحاول أن أودعها بطريقة غير مباشرة. عندما يطرق باب بيتنا أتوقع أنّ هذه اللحظة هي الأخيرة لي مع أهلي، فكنت أتوقع دائماً أن يكون عناصر التنظيم عند الباب.
هل ساهمت بمد الأجهزة الأمنية بمعلومات بشكل مباشر أو غير مباشر؟
حسب الأشخاص الذين كانوا يكتبون لي، فقد ساهمت كثيراً بوصول بعض المعلومات التي أنشرها إلى الأجهزة الأمنية لاستهداف تنظيم "داعش". كنت دائماً أقول أنّي لست صحافياً أو رجل مخابرات، فما أكتبه هو توثيق وتدوين لأوضاع المدينة، لذا كنت أقول لمن يستأذنون لنسخ ما أنشر، خذوا ما ترونه ينفع الناس من الصفحة، مهما كانت المعلومة.
الحمد لله تمكنت من الحفاظ على صفتي كمؤرخ. كنت أنشر بعض المعلومات الأمنية لعشر دقائق أو ربع ساعة على الأكثر وبعد ذلك أقوم بحذفها لأنني أعرف أن الأجهزة الأمنية تتابعها أو يوصلها لهم بعض متابعي الصفحة. اعتقد أن تلك المعلومات ساهمت باستهداف مقرات التنظيم عدّة مرّات.
رسوم ليزا رانيفا
كيف كنت تحصل على الإنترنت والتنظيم لديه معلومات عن جميع المشتركين؟
صديقي هو صاحب شركة إنترنت، كنت أعطيه ضعف المبلغ المحدد للاشتراك حتى أحصل على الإنترنت من دون تقديم أي أوراق رسمية، لأن التنظيم يفرض على الشركات طلب أوراق رسمية للمشتركين لمعرفة الأشخاص الذين يكتبون ضده بطرق أسهل.
ما هو أبرز شيء نشرته وتعتقد أنه ساهم في الحرب ضد التنظيم؟
كنت أول من نشر هيكلية التنظيم، وعمل الدواوين التي أسسها، وهذا الشيء ساهم كثيراً بإضعافه أو على الأقل كشف أوراقه للجميع، وهذا بحد ذاته يعتبر نجاحاً في اختراق "داعش."
كيف هربت من التنظيم، وهل تعيش الآن في العراق؟
لا يهم إن كنت خارج العراق أو داخله. هربت من التنظيم بعدما وصلني تهديد مُباشر من عناصر التنظيم قبل بدء عمليات تحرير الموصل. تمكنت من الهرب عبر سوريا من خلال مُهربين تُركمان (القومية التُركمانية)، ودفعت لهم مبلغاً قدره ألف دولار. (لم يرغب مشرف صفحة عين الموصل الكشف كثيراً عن طريقة هروبه ومكان إقامته، وتحترم "VICE عربية" رغبته بذلك).
هل ستوقف صفحة عين الموصل بعد الانتهاء من الحرب، أم ستستمر بالتدوين عبرها؟
على المستوى الشخصي ربما أتوقف في أي لحظة وأعود لحياتي الطبيعية، لكن الصفحة ستبقى نشطة وستركز على إعادة الإحياء الثقافي والشباب لمدينة الموصل.
