IMG_8058 copy
فعالية الحكواتي التي تنظمها مكتبة الحلبي - التقطت الصورة بواسطة حسين بيضون
ثقافة

قصة محل بقالة لبناني تحول إلى مكتبة تنافس الإنترنت

بدأت "مكتبة الحلبي" بصفحة على فيسبوك ثم أصبحت واحدة من أشهر مكتبات بيروت لبيع الكتب وتنظيم الفعاليات الثقافية
16.12.18

عبر صفحة على موقع فيسبوك، المتهم الأول إلى جانب شبكة الإنترنت بالتسبب في تراجع قراّء الكتب الورقية، ترى إعلاناتها؛ مكتبة الحلبي تُعلن عن توافر كتب معيمة، أو فعالية ثقافية لقراءة ومناقشة كتاب ما، فيدهشك ذكاء الفكرة بأن تغزو الكتب الورقية قلب الشبكة العنكبوتية بل وتنجح في جذب مئات الرواد من الواقع الافتراضي إلى قلب العالم الحقيقي.

في منطقة "قصقص" ببيروت الغربية، وعلى إحدى نواصي شارع ميشال شيحا، حيث الشارع المعروف بهدوئه ستراها، يتجمع العشرات اسبوعياً حول أحد القصاصين أو الكتاب أو الشعراء، يستمتعون بالحكي خلال الفعاليات التي تُقيمها المكتبة. حين تراها لأول مرة، لن تصدق أن هذا المكان كان محل بقالة معروف باسم "سمانة" استمر لسنوات طويلة منذ افتتاحه عام 1958، ثم ورثه "عبد الله الحلبي" عن أبيه، وراوده طوال سنوات حلم تحويله إلى مكتبة تخدم سكان الحي، لما للقراءة من أهمية كبيرة عرفها خلال سفره خارج لبنان، حتى جاءت ابنته "لانا" فحققت الحلم، وأصبحت مكتبة الحلبي إحدى أشهر المكتبات في بيروت، سواء لمن أراد شراء الكتب أو قراءتها داخل المكتبة.

1544960316512-Screen-Shot-2018-12-16-at-33113-PM

لافتة مخزن الحلبي سابقًا - التقطت جميع الصور القديمة بواسطة لانا الحلبي

تتميز المكتبة بتنوع محتوياتها الملحوظ من الكتب، الحديث منها وبالغ القدم، مع ديكور كلاسيكي، يخبرك بأن وراءه قصة مشوقة، هي قصة "عبد الله الحلبي" الرجل الشغوف بجمع الأشياء القديمة وخاصة الكتب - وهي عادة تُسمى متلازمة الاكتناز القهري - تلك العادة التي جعلته يكدس محله بالكتب حتى امتلأ عن آخره، لدرجة أصبح من الصعب معها الدخول للمكان، فأخذ يملئ قبو المنزل أيضاً، تلك الكتب التي جمعها ليوم ما قد يستطيع أن يُحقق حلمه بتحويلها إلى مكتبة، وهو ما حاول لتحقيقه عدة مرات بالتواصل مع الجمعيات أو المؤسسات أو المسؤولين لمساعدته في تحقيق هذا الحلم، ولكن دون جدوى.

في عام 2013، فكرت الابنة "لانا"، الحاصلة على بكالوريوس إدارة الأعمال والتسويق، في طريقة لتحقيق حلم أبيها، فأنشأت صفحة على موقع فيسبوك باسم المكتبة التي لم يكن لها وجود حقيقي، لعرض بعض الكتب الموجودة علّها تكون مفيدة لأحدهم، تلك الصفحة التي كانت استطاعت جذب عدد بسيط من المتابعين في أول الأمر، لكنها أصبحت بعد ذلك معرض كبير يضم عشرات الإعلانات للكتب والفعاليات الثقافية.

1544960169779-Screen-Shot-2018-12-16-at-33129-PM

مخزن بقالة الحلبي قديمًا - لانا الحلبي

تقول لانا: "ذات يوم كنت أشاهد التلفزيون وتم عرض أحد التقارير عن إحدى المكتبات التي تقيم معرض أمام مقرها أول سبت من كل شهر، فقمت بالتواصل معهم والاتفاق على المشاركة في معرضهم، واستخدمت الصفحة للترويج لنافذتي الصغيرة داخل المعرض، وبالفعل ذهبت للمعرض الذي كان يوافق يوم إجازتي من العمل، وذهبت لأول مرة بمجموعة كتب صغيرة من مختلف الفئات ومسعّرة بشكل مبسط، وتحصلت يومها من المبيعات على مبلغ 50 ألف ليرة (حوالي 33 دولار أمريكي) وهو ما أسعد والدي كثيراً، وأصبحت أشارك دوريًا في هذا المعرض حتى تعرفت على شابة أخرى تنظم حدث لبيع الكتب المستعملة كل أخر شهر بمدينة جبيل، شمالي لبنان، فاشتركت معها وذهبت بمجموعة كتب وبعت منها هي الأخرى.

1544703781392-IMG_7838-copy

واجهة المكتبة - حسين بيضون

أصبح لدي فعاليتين كل شهر، ثم ذهبت إلى الأسواق العادية المختصة بالأكل والسلع التي لا علاقة لها بالكتب أيام اجازاتي الاسبوعية، وكان هدفي من ذلك تعويد الشباب والأسر على رؤية الكتب في كل مكان، وعرضنا الكتب في الشوارع والطرقات تحت عنوان "كتب على الطريق" وبالفعل تعرف الناس علينا وأصبحوا يسألوا عن الكتب ويتواصلون معنا للبحث عن كتب بعينها، وذلك لمدة أكثر من عام."

كانت لانا تعمل بعد تخرجها في مجال الأزياء والموضة، حتى جاء معرض بيروت للكتاب عام 2015، والتي صممت على الاشتراك فيه والذي يستمر على مدار 14 يوم متواصلة فتركت عملها وتفرغت تمامًا للكتب والمكتبة حلم أبيها، وذهبت بالفعل إلى المعرض حيث حصلت على مساحة عرض 9 أمتار الرفوف، تكفي لكمية كبيرة من الكتب وبدأت في العمل رفقة والدتها، وانطلق المشروع بشكل جاد.

1544703809881-IMG_7670-copy

لانا بين أرفف الكتب - حسين بيضون

تضم المكتبة ركناً خاصاً للقراءة، تم تخصيصه للقراء الذين يودون الاطلاع على الكتب داخل المكتبة دون شراءها، ذلك المكان الذي استغرق جهداً كبيراً ووقتاً طويلاً لترتيبه، حيث كان عليهم إعادة تشكيله من محل بقالة إلى مكتبة، والذي استغرق شهرين من العمل اليدوي لتقليل التكلفة، بالإضافة إلى إعادة ترتيب 260 صندوق تحوي 15 ألف كتاب.

قامت لانا أيضاً بإضافة خدمة البيع عبر البريد داخل وخارج لبنان، فبجانب كل المدن اللبنانية استطاعت تأمين كتب نادرة وإرسالها لأشخاص في إسبانيا والسعودية وقطر، وهو ما حقق ربح مادي حول المشروع إلى مصدر دخل يمكن الاعتماد عليه، بالإضافة إلى الاستثمار المجتمعي، حيث تشارك المكتبة في دعم المجتمع وتوسيع نطاق القراءة بين الناس، فهي ليست وسيط بين القارئ والناشر أو الكاتب فقط ولكنها أيضاً تقوم بمساعدة القارئ في الحصول على الكتاب المناسب وعرضه.

إعلان

وبعد الافتتاح والتقدم الملحوظ في أعداد الزائرين والمترددين على المكتبة، فكرت لانا في إقامة فعاليات ثقافية في المكتبة، وبدأت يوم عيد الحب بفكرة جديدة حيث استضافت كاتبة لكتب الأطفال تُسمى "رانيا الصغير"، وقامت بعرض أحد كتبها للأطفال، وجاء عدد من الرواد، ثم تكررت الفعاليات وازداد العدد مع الزمن. ثم أطلقت نادي القراءة، باختيار أحد الكتب لمناقشتها، وبدأت بكتاب "عائد إلى حيفا"، والذي استطاع جذب 25 شخص، تبعه رواية "قواعد العشق الأربعون" والتي حضر لها 60 شخص، من مختلف الفئات العمرية من 14 إلى 70 سنة.

وأمام باب المكتبة اجتمع قرابة 30 شخص في حلقة حول الكاتب والمخرج المسرحي فراس الحلبي، والذي تطوع لإحياء فعالية "الحكواتي"، والتي استطاعت رواد من مختلف الأعمار، شباب وأطفال وكبار في السن، تحلقوا حول الحكواتي مستمتعين بحكاية الظاهر بيبرس وصولاته وجولاته وحكاية المماليك وحربهم ضد التتار، بينما كانت لانا ووالدها يقفون على قربٍ ينظرون بسعادة وفخر لهذا الانجاز الصغير الذي حققوه.

1544960278396-IMG_8003-copy

فعالية الحكواتي - حسين بيضون

وكما حققت لانا حلم أبيها في إقامة مكتبته، تحلم هي الأخرى بأن يصبح هناك مكتبة للكتب النادرة في كل بقعة في لبنان وتقوم بعمل شبكة بين هذه المكتبات يخدمها تطبيق إلكتروني يساعد كل شخص على الوصول إلى أقرب مكان يحص ل منه على الكتاب الذي يريده عبر خريطة ثقافية تشع علم ومعرفة.

تقول لانا: "هذه المكتبة التي نراها اليوم هي تحقيق لأمنية أبي، قبل لقرابة 60 سنة، واليوم يتملكني الفخر بأني استطعت تحقيق هذا الحلم، تغمرني البهجة وأنا أرى السعادة في عينه عندما يدخل القرّاء والزوار".

Tagged:كتب