ناجية الفضل. تصوير: حلمي السقاف

ثلاث نساء سعوديات يتحدثن عن تغير المشهد الرياضي في المملكة

هناك الذين ترتسم على وجوههم الدهشة وتراهم يسحبون هواتفهم لالتقاط صورة لفتاة تركض وكأنهم رصدوا جسمًا فضائياً غريباً

|
٢٠١٨ ٠٢ ٠٥، ١٠:٥٤ص

ناجية الفضل. تصوير: حلمي السقاف

"البعض انتقد أسلوبي في التدريب من منطلق أن العضلات البارزة لا تناسب الإناث، وأنها مثيرة للاشمئزاز، ولكن بالنسبة لي المرأة القوية هي امرأة ذات صحة جيدة، والعضلات تأتي نتيجة لذلك، فالأمر لا يتعلق بشكل الجسد ولكن كيف يؤدي وظائفه وما يمكن أن يقوم به،" تقول ناجية الفضل، 21 عامًا، مدربة لياقة بدنية سعودية، عن الانتقادات التي وجهت لها خلال رحلتها في عالم كان مقتصرًا على الرجال. ناجية هي واحدة من العديد من السعوديات اللاتي دخلن مجال الرياضة بشكل شخصي بكثير من الإرادة وبالقليل من الدعم. انضمت ناجية إلى صالة "فلاغ بوكسينغ" الرياضية في عام 2014 ولم يكن لديها أي خبرة في تدريبات اللياقة البدنية، وهي اليوم المدربة الرئيسية لرياضة كاليسثينيس في الصالة نفسها بمدينة جدة، وتدرب مزيجًا من النساء السعوديات والمغتربات من مختلف المهن والتخصصات، من هواة التسلق والعداءات، إلى الأمهات والطالبات. "لقد كنت محظوظة بدخول مجال الرياضة في الوقت الذي بدأت فيه الإصلاحات والتغييرات الإيجابية تحدث في الرياضة النسائية في السعودية،" تقول ناجية.

بالنسبة لناجية، لم يكن الشكل الخارجي التحدي الأول الذي واجهته عندما يتعلق الأمر بنظرة المجتمع، بل كان عليها أن تقنع أهلها أولًا: "بصراحة، استغرق الأمر وقتًا بالنسبة لهم لقبول حقيقة قراري بأن أصبح مُدربة لم يكن مجرد نزوة. ومع ذلك، تمسكي بهذا القرار قد أتى ثماره مع التغييرات الأخيرة التي تشهدها المملكة والتي ساعدتهم على رؤية أن مستقبل المرأة السعودية في الرياضة أمرًا ممكنًا جدًا."

ناجية الفضل / تصوير: حلمي السقاف

قصة ناجية أرجعتني إلى حياتي بالسعودية. فقد قضيت أول خمسة عشر عامًا من حياتي في جدة ولكن السعودية التي أتذكرها تختلف عن السعودية اليوم، والتي تشهد العديد من التغييرات على المستوى الاجتماعي وخاصة فيما يتعلق بالجانب النسوي، من السماح مؤخرًا بدخول النساء إلى الملاعب، إلى فتح السينمات وقيادة السيارات. والأهم، بالنسبة لي، بإعتبار أن الرياضة هي مجال يهمني بشكل شخصي، هو الاعلان أخيراً عن ترخيص إنشاء الصالات الرياضية النسائية وتطبيق برنامج التربية البدنية في مدارس الفتيات، ابتداءً من هذا العام. كما تم إنشاء لجنة نسائية تحت سلطة الرياضة العامة، وعُيّنت الأميرة السعودية ريما بنت بندر آل سعود رئيسة للاتحاد السعودي للرياضة المجتمعية، وهي أول امرأة ترأس اتحادًا رياضيًا في المملكة العربية السعودية. كل هذه التغييرات هي خطوة بالاتجاه الصحيح بالنسبة للسعوديات التي عانين لفترة طويلة من وجود قيود على ممارستهن للرياضة.

"يجب أن أقول، إن 2017 كان عام النساء السعوديات، فقد انتقلنا من عدم القدرة على الحصول على تراخيص لفتح صالات رياضية، وعدم وجود تربية بدنية في مدارس الفتيات، إلى التفكير والعمل في اللياقة البدنية كصناعة قائمة بذاتها،" تقول ناجية: "إن التغييرات التي أدخلتها رئيسة الإدارة النسائية للهيئة العامة للرياضة الأميرة ريما بنت بندر آل سعود، تمهد الطريق أمام فرص أفضل، فالجميع يريد أن يرى المرأة السعودية تتفوق وتشارك وتنافس ليس فقط على الصعيد الوطني ولكن على الصعيد الدولي في الألعاب الأولمبية ومسابقات اللياقة البدنية."

وعلى الرغم من أن التراخيص للصالات الرياضية ستركز على تلك التي تقدم تدريبات اللياقة البدنية وفقدان الوزن مثل الجري والسباحة ورفع الاثقال (المرافق التي ترغب في تقديم "أنشطة تنافسية" مثل مثل كرة القدم والتنس لن يتم منحها تراخيص) إلا أن هذه الخطوة ستساهم في تشجيع النساء السعوديات على تبني أساليب حياة صحية، في الوقت الذي تعاني فيه النساء السعوديات من ارتفاع مستويات السمنة. فقد قفز معدل السمنة بين النساء السعوديات من 33.5٪ في عام 2014 إلى 67.5٪ في عام 2017، وهو ارتفاع بنسبة 34٪ في غضون ثلاث سنوات فقط.

اتباع والترويج لنظام حياة صحي رياضي هو الشغف الأول لـلعداءة البتول باروم. الرياضة كانت دائمًا مهمة بالنسبة لها، ولكنها لم تكن تفكر بأن تحتل الرياضة هذا الجزء الكبير من حياتها. البتول التي تبلغ من العمر 36 عامًا، ولدت في السعودية وأمضت سنوات طفولتها في الولايات المتحدة قبل أن تعود إلى جدة في عمر الحادية عشر وهي تعيش هناك منذ ذلك الحين. بتول الحاصلة على شهادة البكالوريوس في علوم الكمبيوتر ودرجة الماجستير في إدارة التعليم من جامعة هارفارد، لم تشعر أن حياتها في مجال الاستشارات، وقررت اتباع قلبها وشغفها في الركض لتتولى منصب المدير التجاري لصالة Studio55 وهي واحدة من أوائل الصالات الرياضية التي حصلت على ترخيص في السعودية في عام 2015 في الخُبر، وتم فتح فرع جديد في جدة في صيف 2017.

البتول باروم. تصوير: عمرو طلعت

البتول هي أيضاً عضو في فريق الجري Jeddah Running Collective الذي تأسس في جدة في عام 2013 والذي يضم حالياً حوالي 60-80 عضوة: "JRC هو عمل جماعي، وغير حصري، ومفتوح للمجتمع بغض النظر عن العرق أو الدين أو الجنس أو مستوى اللياقة البدنية أو الخلفية. لا توجد رسوم أو عوائق أمام الدخول أو أي متطلبات،" تقول البتول مشيرة الي التغيير الذي شهدته شخصياً في المشاركة وتقبل فكرة السباقات النسائية: "في البداية، كان هناك عدد قليل جداً من المشاركات في السباقات التي كنا نقوم بتنظيمها، ولكن كان من المدهش أن نرى كيف ارتفع عدد المشاركات تدريجياً. في العام الماضي عندما قمنا بالاعلان عن تنظيم سباق نسائي في جدة، كان هناك أكثر من 700 مُتقدمة."

"JRC" تبدو وكأنها منصة مثالية لحصول الناس على اللياقة البدنية، ولكن من تجربتي الخاصة في المملكة العربية السعودية، أستطيع أن أتصور أن جري النساء في الهواء الطلق وفي الأماكن العامة قد أثار كل أنواع ردود الفعل، أليس كذلك؟ "ردود فعل كانت متنوعة،" تقول البتول: "في عدة مناسبات، تلقيت بعض الإيماءات والكلمات المشجعة جدًا من الغرباء الذين كانوا فخورين ومؤيدين لرؤية النساء يركضن للمرة الأولى (بالعبايات). بالطبع يمكنك أيضًا رؤية الصدمة والرفض على بعض الوجوه، وهناك الذين ترتسم على وجوههم الدهشة وتراهم يسحبون هواتفهم لالتقاط صورة لفتاة تركض وكأنهم رصدوا جسمًا فضائيًا غريبًا."

تصوير: وليد مجيد

هو أمر غريب في الواقع؛ فأنت لا ترى مجموعة من النساء يرتدين العباءة والحجاب ويركضن في شوارع جدة كل يوم، ولكن ربما سيصبح هذا الأمر معتادًا، وربما هذا الواقع ليس بعيدًا جدًا. البتول المحجبة لا ترى الحجاب عائقًا أمامها، على العكس تمامًا: "صراحةً، لا أرى الحجاب حاجزًا لأي نوع من الرياضة أو النشاط. لقد اتخذت قرار ارتداء الحجاب في وقت مبكر جدًا، ولم يوجهني أحد له، كنت أعيش في الولايات المتحدة في ذلك الوقت، ولم يكن من السهل توضيح سبب ارتدائي له لأصدقائي وزملائي، ولكنه كان قراري وعلى مر السنين أصبح جزءًا من هويتي. الحجاب لم يمنعني أبدًا من أن أعيش حياتي إلى أقصى حد، كما أنه لم يقف في طريقي لفعل شيء أردت القيام به."

"هذا لا يعني أنها كانت رحلة سهلة،" تضيف البتول: "اليوم ترى رياضيات بالحجاب يشاركن في دورة الألعاب الأولمبية، وتراهُن على أغلفة المجلات، إنها خطوة تاريخية كبيرة إلى الأمام بالنسبة إلى العديد من الفتيات المسلمات اللواتي يعشقن الرياضة ويرفضن في الوقت نفسه التنازل عن الحجاب أو المعتقدات أو الشعائر الدينية."

يجب توجيه الفضل إلى النساء اللواتي أجبرن الفيفا (الاتحاد الدولي لكرة القدم) والفيبا (الاتحاد الدولي للكرة الطائرة) على رفع حظرهن على الحجاب وأيضًا للشركات الصغيرة المحلية التي بدأت في تقديم الزي لهذا القطاع قبل فترة طويلة من ظهور الحجاب الرياضي على أغلفة المجلات

وكانت نايكي قد أطلقت في نهاية العام الماضي حملة تحت اسم (Nike Pro Hijab) تركز على ملابس الرياضيات المحجبات، كان لها صدى جيد من الجمهور. "أعتقد أنها كانت خطوة ذكية جدًا وفي الوقت المناسب من نايكي، حيث فتحوا لأنفسهم سوقًا ضخمة وشريحة كبيرة من الجمهور التي تم إهمالها في السابق،" تقول البتول: "خط الأزياء الرياضية بالحجاب يوفر حلًا لحاجة قائمة الآن، ولكن أعتقد أن السر الحقيقي يعود إلى النساء المسلمات والمهنيات والرياضيات اللاتي ساعدن على إنشائه على مر السنين، فالحجاب الرياضي كان موجودًا على مدى عقود، ولكن لم تُسلّط الأضواء عليه حتى اليوم."

البتول ترى أيضًا أنه يجب توجيه الفضل إلى النساء اللواتي أجبرن الفيفا (الاتحاد الدولي لكرة القدم) والفيبا (الاتحاد الدولي للكرة الطائرة) على رفع حظرهن على الحجاب، أو الرياضيات اللاتي ظهرن في الألعاب الأولمبية بزي مختلف عن الأخريات، وأيضًا للشركات الصغيرة المحلية التي بدأت في تقديم الزي لهذا القطاع قبل فترة طويلة من ظهور الحجاب الرياضي على أغلفة المجلات، وتضيف: "من المحزن أن الأمر استغرق وقتًا طويلًا لكي نعترف بالحجاب، ولكن بشكل عام، يسرني أن أرى أخيرًا احتياجات المرأة المسلمة معترف بها وتستوعبها العلامات التجارية الرئيسية."

أمل باعطية، 40 عامًا، والتي ولدت ونشأت في جدة، هي أيضًا من الرياضيات اللواتي يعملن على تغيير المشهد الرياضي في السعودية. بعد عشر سنوات من العمل كمُحللة مالية، قررت أمل دخول مجال اللياقة البدنية وتحديدا الكروس فيت (مزيج من تمارين الايروبكس وتمارين وزن الجسم و تمارين رفع الأثقال والجمباز) ولم تنظر إلى الوراء أبدًا. "لم تدخل رياضة الكروس فيت إلى الرياض حتى أواخر عام 2014، وفي جدة لم تكن معروفة حتى قبل حوالي عامين، ولكن هناك اهتمام بها اليوم." ولكن لا شك أن القيود السابقة على ممارسة النساء للرياضة يعني أن هناك عدد قليل من مدربات أو مدرسات الرياضة المؤهلات، وهذا ما تأمل أمل وغيرها بتغييره.

أمل باعطية. تصوير: مصطفى بالطو

"في السابق، لم يكن هناك أكثر من صالتين إلى ثلاث صالات رياضية مفتوحة للسيدات كانت ضمن المستشفيات ومراكز العلاج الطبيعي ولكن الأمور تغيرت الآن،" تقول أمل وتضيف: "ولكن لنكون صادقين، الطلب على الاستوديوهات الخاصة في المنازل هو أكثر من حجم الإقبال على التسجيل في الصالات الرياضية. هناك العديد من النساء اللواتي يرغبن في الحصول على تدريب من شخص محترف، ولكنهن لا يردن الذهاب إلى الصالات الرياضية، لأنهن في كثير من الأحيان لا يعرفن من أين يبدأن."

هناك تخوف من ردة الفعل المجتمعية أيضًا؟ أمل تشير إلى أنها على عكس ما توقعت كانت ردة الفعل إيجابية بعد نشر تدريباتها من خلال مواقع التواصل الاجتماعي: "كانت الاستجابة إيجابية، لقد تلقيت الكثير من الدعم من الناس، فضلًا عن كسب المزيد من العملاء." ولكنها تشير إلى أنها حتى عام 2016 كانت تريد الإبقاء على خصوصية تدريباتها، لأنها لم ترد أن يشعر أبناؤها بالحرج، أو يتعرضون لردود فعل سلبية: "في العامين الماضيين، كان هناك -حرفيًا- من تعليقين إلى ثلاثة تعليقات سلبية، ولكن في الغالب كانت التعليقات إيجابية. ما تعلمته هو أن كل شيء يتعلق بالرسالة التي تقدمها، فوجئت برد الفعل الإيجابي حتى إبني قال لي أنا فخور جدًا بكِ."

مع وجود مزيد من الدعم الآن من الحكومة، يبدو أن الأمور في طريقها للأفضل بالنسبة للمدربات المختصات: "لقد كنت دائما أؤمن بالصحة واللياقة البدنية، بغض النظر عن موقف المجتمع. الآن الحكومة تعمل على تمكين المرأة وتعزيز اللياقة البدنية، كما أن جيل الشباب هم بالتأكيد أكثر وعيًا بالصحة واللياقة البدنية، كما أن هناك الكثير من الدعم من خلال وسائل الإعلام،" تضيف أمل. قد تبدو الأمور كلها وردية، ولكن أمل تشير إلى التحديات التي تواجهها كمدربة كروس فيت: "من الصعب جداً العثور على المعدات، خاصة المعدات الخاصة بالإناث، مثل الحديد الذي له قبضة ووزن مختلفين، فمعدات الرجال متوفرة بسهولة هنا، لذلك يجب استيراده من الخارج، وهو مكلف جدًا، ولكن أنا متفائلة بأنه خلال ثلاث أو أربع سنوات ستتغير الأمور للأفضل."

لا شك أن هذا التغيير سيفتح الكثير من الأبواب لعدد كبير من النساء السعوديات، ناهيك عن تعزيز ثقافة الحياة الصحية في جميع أنحاء المنطقة، ولكن لا بد من التساؤل حول المستقبل، هل هذا الأمر مجرد موضة قصيرة الأمد، أم أن هناك خطة طويلة الأجل لتعزيز هذا الأمر بالنسبة للمرأة السعودية؟ تقول أمل: "من منظور تربوي يجب أن تؤسس تخصصات جامعية في مجال اللياقة البدنية وأن تكون هناك أقسام خاصة باللياقة البدنية يمكن من خلالها الحصول على شهادة البكالوريوس في العلوم الرياضية. لم يكن للمملكة العربية السعودية جانبًا تعليميًا في هذا المجال من قبل، لذلك سيكون هناك المزيد من الناس المؤهلين في مجال الإدارة الرياضية." هذا ما أريد أن أسمعه حقًا، حظًا سعيدًا لنا جميعًا.

@SarahZakzouk